الناصرة- “القدس العربي”: يرى باحثان إسرائيليان في معهد دراسات الأمن القومي التابع لجامعة تل أبيب أن مصر والأردن لا تنظران إلى انتخابات الكنيست المقبلة (27 أكتوبر/تشرين الأول) على أنها شأن إسرائيلي داخلي بحت.
ويقول الباحثان الإسرائيليان أوفير فينتر ويهودا ديسكين، في مقال مشترك، إن وسائل الإعلام الرئيسية المصرية والأردنية ترى في هذه الانتخابات مفترق طرق إستراتيجيا قد يؤثر على مصالحهما المباشرة، ومستقبل القضية الفلسطينية، والوضع الإقليمي برمته.
ويزعمان أن تحليل الخطاب في كلا البلدين يكشف عن ازدواجية في الموقف. فمن جهة، لا يخفي العديد من المعلقين أملهم في استبدال الحكومة الحالية في إسرائيل. ومن جهة أخرى، يعرب هؤلاء المعلقون أنفسهم عن تشاؤمهم إزاء التغيير المتوقع في السياسة في ظل حكومة إسرائيلية بديلة، لا سيما فيما يتعلق بالقضايا الجوهرية المتعلقة بالساحة الفلسطينية.
ويعتبر الباحثان الإسرائيليان هذا الموقف “ازدواجية”، رغم أن حكومة الاحتلال الحالية والمعارضة التي تطرح نفسها كـ”حكومة تغيير” بديلة لا تختلفان في الجوهر حيال القضية الفلسطينية.
ويمضيان في رؤيتهما المتطابقة مع الرؤية الإسرائيلية الرسمية بالقول: “وفقًا للخط الرسمي في مصر والأردن، فإن الانتخابات ليست بين “يمين” و”يسار”، بل بين أحزاب تُمثل “أطيافًا مختلفة من اليمين”: يمين مسيحياني يدعو إلى التوسع الإقليمي والضم وتغيير الوضع الراهن في القدس، ويميني أمني، حتى وإن أثبت أنه شريك أكثر ملاءمة، لا يُتوقع منه أن يقدم حلولا جذرية للمشاكل الجوهرية التي تعكر صفو علاقاتهما مع إسرائيل”.
كما يقولان إنه على الرغم من الشكوك السائدة في مصر والأردن، ستتاح للحكومة الإسرائيلية المقبلة فرصة فريدة – يجدر استغلالها – لإعادة بناء علاقات السلام مع القاهرة وعمان وإنقاذها من التدهور الذي وصلت إليه.
تشجيع هجرة الفلسطينيين
ويرى الباحثان أن دراسة الخطاب الدائر في مصر والأردن قبيل انتخابات الكنيست السادس والعشرين تكشف عن عرفين يبدوان متناقضين، لكنهما في الواقع يكشفان الكثير عن نظرة البلدين للسياسة والمجتمع في إسرائيل.
العرف الأول هو أن الانتخابات بالغة الأهمية وتمثل مفترق طرق. وللتدليل على زعمهما، يقولان إنه “على سبيل المثال، كتب الصحافي المصري أسامة سرايا في مايو/أيار في صحيفة الأهرام الرسمية أن هذا الحدث قد يثبت أنه “نقطة تحول ستحدد ملامح المرحلة المقبلة في المنطقة بأسرها”.
وحسب ورقة العمل الإسرائيلية هذه، يظهر نهج مماثل، بل وأحيانا أكثر حدة في الأردن: “يمكن إيجاد مثال على ذلك في كلمات الصحافي الأردني بسام البدارين. ففي مقال كتبه في يوليو/تموز في صحيفة القدس العربي، اعتبر أن إسقاط المجلس العسكري الحاكم الفاسد في تل أبيب بات واجبا عاما ووطنيا وأخلاقيا على الأردنيين”.
كما يدعي الباحثان الإسرائيليان أنه، وفقا للرأي الذي يتبناه العديد من مؤيدي القصر الأردني، فإن الخطوات التي تتخذها الحكومة الإسرائيلية الحالية تتعارض مع اتفاقية السلام مع الأردن، وتهدد المصالح المتعلقة بالأمن القومي للمملكة.
كما يرى الجانب الأردني، وفقا للدراسة الإسرائيلية، أن أفعال حكومة نتنياهو تضر بالوصاية الهاشمية على المسجد الأقصى وتشجع على هجرة الفلسطينيين من الضفة الغربية إلى الأردن، وتسعى في نهاية المطاف إلى حل القضية الفلسطينية داخل حدود المملكة وعلى حسابها.
وحسب ورقة العمل هذه، ثمة تقليد آخر يتوازى مع الرغبة في استبدال الحكومة الحالية، وهو التشكيك في البديل الذي تقدمه المعارضة الإسرائيلية.
ويقول الباحثان الإسرائيليان إن الانتخابات لا تُصوَّر في مصر والأردن على أنها صراع بين كتلتين ذواتي أيديولوجيات مختلفة، بل على أنها صراع بين تيارات مختلفة في المعسكر اليميني.
وبحسب هذا التحليل، اتجه المجتمع الإسرائيلي نحو اليمين بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، وكاد معسكر السلام الإسرائيلي أن يُمحى من الساحة السياسية.
وتتابع الورقة في هذا المضمار: “لذلك، فإن الخلافات بين الجانبين تتمحور أساسا حول قضايا داخلية، تشمل الإصلاح القانوني، وتجنيد عناصر من اليهود الحريديم في الجيش الإسرائيلي، وتشكيل لجنة تحقيق حكومية في أحداث 7 أكتوبر/تشرين الأول، وهي قضايا ثانوية في نظر جيران إسرائيل، الذين يقيسون موقفها بشكل رئيسي من خلال سلوكها في الساحتين الإقليمية والفلسطينية”.
مواقف متطرفة
كما يقولان إنه، على سبيل المثال، قدّر نائب رئيس المعهد المصري للدراسات الاستراتيجية، الفريق محمد إبراهيم الدويري، في مايو/أيار، أن “أي حكومة إسرائيلية مستقبلية، سواء برئاسة بنيامين نتنياهو أو نفتالي بينيت أو يائير لبيد أو أفيغدور ليبرمان، ستلتزم بالسياسة الحالية”.
ويضيفان: “كما أشارت الأهرام إلى أنه لا يوجد في إسرائيل اختلاف جوهري بين الحكومة والمعارضة بشأن قضايا وصفتها بأنها “مصيرية”. علاوة على ذلك، جادل بأن المواقف “المتطرفة” والعسكرية أكثر جدوى انتخابيا في ظل الواقع السياسي والاجتماعي السائد في إسرائيل”.
الاختيار بين السيئ والأسوأ
وتشير ورقة العمل إلى أنه، رغم الشكوك السائدة في مصر والأردن تجاه المعارضة الإسرائيلية، فإن هناك تفضيلا واضحا في كلا البلدين لتغيير الحكومة بعد الانتخابات.
وبرأيها، هناك ثلاثة تفسيرات رئيسية لذلك، أولها شخصي. فقد أصبح رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو شخصية مثيرة للاشمئزاز لدى الرأي العام في مصر والأردن على مر السنين. وكان هذا صحيحا حتى قبل الحرب الدامية التي اندلعت في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، ومن المرجح أن الوضع قد ازداد سوءا منذ ذلك الحين.
وأظهر استطلاع للرأي العام أجراه معهد واشنطن في أواخر عام 2022، أن 5% فقط من المصريين ينظرون إلى عودة نتنياهو إلى السلطة بإيجابية.
وفي الوقت نفسه، أظهرت استطلاعات رأي نشرت في يونيو/حزيران 2023 أن حوالي ثلثي المصريين و72% من الأردنيين يرون في الاحتجاجات ضد حكومة نتنياهو تطورا إيجابيا.
وطبقا للباحثين أوفير فينتر ويهودا ديسكين، ينعكس الرأي العام أيضا على قيادتي البلدين: “كانت العلاقات بين نتنياهو والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي طبيعية، بل ووثيقة نسبيا، في الماضي”.
فبعد تولي السيسي الرئاسة عام 2014، كان الزعيمان يتحدثان باستمرار ويلتقيان عدة مرات أمام الكاميرات على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك.
وشجعت إسرائيل البيت الأبيض على دعم الحكومة الجديدة في القاهرة، وعزز البلدان تعاونهما في مجالي الأمن والطاقة.
إلا أن العلاقات بين الزعيمين تدهورت تدريجيا، ويعود ذلك جزئيا إلى الوضع على الساحة الفلسطينية، حيث تجنب الرئيس المصري، منذ اندلاع الحرب في غزة، عقد اجتماعات مفتوحة وإجراء مكالمات هاتفية علنية مع نتنياهو، رغم المطالبات الإسرائيلية والأمريكية.
ولا يقل الخلاف بين الملك عبد الله ونتنياهو حدة. فقد بدأت التوترات بين القصر الأردني ومكتب رئيس الوزراء في عهد الملك حسين، عقب محاولة الاغتيال الفاشلة عام 1997 التي استهدفت القيادي البارز في حركة حماس، خالد مشعل، في العاصمة عمان.
وفي وقت لاحق، ألقت فضائح أخرى بظلالها على علاقات الزعيمين. على سبيل المثال، استاء الملك عبد الله من استقبال نتنياهو الحافل عام 2017 لحارس الأمن الإسرائيلي الذي أطلق النار وقتل مواطنا أردنيا في السفارة الإسرائيلية في عمان، وذلك بعد موافقته على السماح له بالعودة إلى إسرائيل.
ويخلص الباحثان الإسرائيليان إلى القول إنه في الآونة الأخيرة، أفادت التقارير بأن نتنياهو طلب لقاء الملك عبد الله للمرة الأولى منذ يناير/كانون الثاني 2023، إلا أن الملك اشترط سلسلة من التوضيحات حول عدة قضايا لعقد اللقاء، من بينها عدم منحه أي مكاسب شخصية قبل الانتخابات.
وفي مقابلة مع هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) في أكتوبر/تشرين الأول 2025، صرح الملك بأنه تعلم من تجربته ألا يصدق كلمة واحدة من نتنياهو.