باريس- “القدس العربي”: تشهد الساحة السياسية الفرنسية ردود فعل واسعة، متباينة ومتجانسة، عقب التدفق الكبير للمهاجرين إلى مدينة سبتة الواقعة شمال المغرب، حيث تجاوز عدد الوافدين عشرات الآلاف خلال فترة قصيرة، ما أثار مخاوف أمنية وإنسانية على حد سواء.
فقد أعلن وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز، الجمعة، عن تعزيز الرقابة على الحدود الفرنسية-الإسبانية. وفي المساء، أعلنت مدريد أن أكثر من 48 ألف مهاجر قد عادوا إلى المغرب.
وفي هذا السياق، أكد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون تضامن بلاده الكامل مع إسبانيا، مشيرًا إلى أنه أجرى اتصالات مباشرة مع رئيس الحكومة الإسبانية لبحث سبل تقديم الدعم اللازم، بما في ذلك إمكانية الاستعانة بوكالة “فرونتكس” الأوروبية لحماية الحدود.
كما شدد ماكرون على ضرورة تعزيز الرقابة على الحدود الفرنسية-الإسبانية، معلنًا نشر وحدات إضافية من القوات الأمنية، إلى جانب استخدام طائرات بدون طيار ووسائل مراقبة جوية.
من جانبه، أعلن وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز عن تكثيف الإجراءات الأمنية على الحدود، حيث تمت مضاعفة أعداد القوات المنتشرة، مع تعزيز المراقبة الجوية واستخدام الطائرات التابعة لشرطة الحدود، بالإضافة إلى تكثيف الدوريات داخل القطارات التي تربط فرنسا بإسبانيا. وأكد أن هذا الانتشار الأمني سيستمر ويتوسع حسب تطورات الوضع.
ودعا إدوار فيليب، زعيم حزب “آفاق” اليميني-الوسطي والمرشح للرئاسيات المقبلة، إلى عقد اجتماع عاجل لوزراء الداخلية الأوروبيين وتعزيز دور “فرونتكس”، بينما اعتبر غابريال أتال رئيس حزب “النهضة” الوسطي والمرشح هو الآخر للرئاسيات المقبلة، أن الحلول الوطنية، مثل تشديد الرقابة الحدودية، غير كافية دون استراتيجية أوروبية شاملة.
في المقابل، انتقدت شخصيات من اليمين، مثل برونو روتايو، زعيم حزب “الجمهوريون” اليميني المحافظ ، ومارين لوبان، زعيمة حزب “التجمع الوطني” اليميني المتطرّف، ما وصفوه بـ”سياسات متساهلة” من الحكومة الإسبانية، معتبرين أنها شجعت على تدفق المهاجرين. كما طالبوا بإجراءات أكثر صرامة، من بينها إعادة فرض الرقابة على الحدود وتعديل القوانين الأوروبية.
أما من جهة اليسار، فقد حذّر أوليفييه فور زعيم الحزب الاشتراكي وجان-لوك ميلانشون، زعيم “فرنسا الأبية” من استغلال الأزمة سياسيًا، مؤكدين ضرورة التضامن مع إسبانيا ورفض ما وصفوه بحملات التضليل والمبالغة في تصوير الوضع.
أوروبيًا، أثارت الأزمة انقسامًا في المواقف. فقد دعت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني إلى تعليق اتفاقية “شنغن” مع إسبانيا، وهو موقف لقي دعمًا من بعض القادة الأوروبيين، من بينهم مسؤولون في الدنمارك وفنلندا، الذين اعتبروا أن تدفق المهاجرين بشكل غير منضبط يمثل تهديدًا لأمن القارة.
في المقابل، دعا رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز إلى الوحدة الأوروبية، مؤكدًا أن الوقت ليس مناسبًا للانقسام، بل يتطلب تعزيز التعاون المشترك لمواجهة التحديات.
كما عبّر رئيس المجلس الأوروبي عن دعمه لإسبانيا، مشيدًا بالإجراءات التي اتخذتها لإعادة المهاجرين والتصدي لشبكات تهريب البشر.
وتعكس هذه الأزمة تحديًا جديدًا أمام الاتحاد الأوروبي، الذي يجد نفسه أمام ضرورة التوفيق بين الاعتبارات الإنسانية ومتطلبات الأمن، في ظل تزايد الضغوط المرتبطة بملف الهجرة.