باريس- “القدس العربي”: قالت صحيفة لوفيغارو الفرنسية، إن إستراتيجية الترهيب والمضايقة تتواصل على مختلف ساحات المواجهة في الشرق الأوسط، حيث تبادلت الولايات المتحدة وإيران رسائل التصعيد يوم الاثنين، بعدما استهدفت القوات الأمريكية منصات إطلاق صواريخ إيرانية، وردّت طهران بإطلاق صواريخ وطائرات مسيّرة باتجاه أهداف أمريكية في الأردن والإمارات العربية المتحدة.
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هدّد بالرد، ونشر عبر شبكات التواصل الاجتماعي مقطع فيديو زائفاً لعمليات قصف جرى إنتاجه باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي. في المقابل، اعتبر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أن استمرار الحرب، التي بدأت قبل ستة أشهر بقرار من ترامب، ليس في مصلحة أحد.
تستخدم طهران القدرات السيبرانية ضمن منطق الحرب غير المتكافئة، بهدف توجيه التحذيرات وضرب نقاط ضعف خصومها
وأوضحت الصحيفة أن المواجهة في الشرق الأوسط مستمرة وسط قدر كبير من التضليل والمناورات. وفي إطار إستراتيجية تقوم على إبقاء الحرب محدودة، بات الفضاء الرقمي يمثل ساحة مواجهة مفضلة.
حرب غير متكافئة
تستخدم طهران القدرات السيبرانية ضمن منطق الحرب غير المتكافئة، بهدف توجيه التحذيرات وضرب نقاط ضعف خصومها من خلال هجمات تكون آثارها اضطرابية ومزعجة أكثر من كونها مدمرة.
وقد وقع هجومان هذا الصيف أثارا اهتماماً خاصاً، من دون أن تقدم الدول الغربية على تحميل إيران المسؤولية عنهما بصورة رسمية وواضحة. وربما يعود ذلك إلى الرغبة في عدم تغذية التصعيد أو منح طهران مكسباً في الحرب النفسية، بحسب صحيفة لوفيغارو.
لكن مصادر تشير إلى ضلوع طهران في عملية منسقة استهدفت، في نهاية يوليو، أنظمة إمدادات المياه في 12 ولاية أمريكية. الهدف كان ذا دلالة رمزية كبيرة، إذ أعلنت مجموعة CyberAv3ngers، المرتبطة بالحرس الثوري الإيراني والمعروفة منذ فترة طويلة في مجال الحرب السيبرانية، مسؤوليتها عن الهجوم. وقال أفراد المجموعة إن العملية كانت بمثابة “تحذير”، من دون إمكانية التأكد من أنهم كانوا بالفعل المسؤولين تقنياً عن تنفيذها.
كما يُشتبه في أن إيران كانت وراء هجوم أدى في يوليو إلى تعطيل محطة كهرباء احتياطية في المملكة المتحدة لمدة أربعة أيام. وكانت طهران قد انتقدت لندن بسبب دعمها اللوجستي للعمليات الأمريكية. ولم يترتب على الهجوم أي تأثير يُذكر.
استهداف أنظمة التحكم الصناعية
ولم تخلف أي من العمليتين تداعيات كبيرة، لكنهما اقتربتا من عتبة حرجة. وفي الحالتين، تمكن المهاجمون من الوصول إلى وحدات التحكم المنطقية القابلة للبرمجة (PLC)، وهي أنظمة تُستخدم للتحكم في الآلات، وفق ما أوضحت ماري-غابرييل برتران، المتخصصة في الصراعات السيبرانية في المركز متعدد التخصصات للقضايا الاستراتيجية (CIENS).
وأضافت الباحثة أن هذه الأنظمة كانت على الأرجح متاحة عبر الإنترنت، ما يعني أنها لم تكن تُصنّف ضمن البنى التحتية الحيوية، التي لا تكون عادةً مرتبطة بالشبكات الخارجية لأسباب أمنية.
وذكّرت ماري-غابرييل برتران بأن وكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية الأميركية CISA كانت قد حذرت في يوليو من “تزايد مخاطر استهداف الإيرانيين لوحدات PLC وأنظمة SCADA”، وهي الأنظمة المستخدمة لجمع البيانات والتحكم فيها بصورة آنية. وأوضحت أن الهجوم، رغم أنه لم يكن متطوراً من الناحية التقنية، كشف عن ثغرات أمنية خطيرة.
المياه.. هدف حساس
أشارت صحيفة لوفيغارو إلى أن الهجمات الإلكترونية على أنظمة إمدادات المياه نادرة، نظراً إلى حساسية هذه البنى التحتية، إذ جرى تسجيل نحو عشر حالات خلال العقد الماضي، من بينها هجوم محدود جداً وقع في الولايات المتحدة عام 2023.
شبكات إمدادات المياه الإسرائيلية تعرضت لهجوم في عام 2020 بهدف التلاعب بمستويات الكلور في المياه، وكان من الممكن أن تترتب على العملية عواقب خطيرة.
لكن الأخطر، بحسب التقرير، أن شبكات إمدادات المياه الإسرائيلية تعرضت لهجوم في عام 2020 عبر أنظمة SCADA، بهدف التلاعب، من بين أمور أخرى، بمستويات الكلور في المياه، وكان من الممكن أن تترتب على العملية عواقب خطيرة.
ما الذي تريده طهران؟
ويتساءل المراقبون في الغرب عن مغزى العمليات الأخيرة ضد الشبكات الأمريكية ومحطة الكهرباء البريطانية، إذا ثبت ارتباطها بالفعل بالنظام الإيراني. وقد تكون هذه العمليات، وفق صحيفة لوفيغارو، نتيجة انتهازية تكتيكية، أو جزءاً من إستراتيجية تصعيد، أو ربما تكون بعض الهجمات قد خرجت جزئياً عن سيطرة طهران.
ومهما يكن، أوضحت الصحيفة أنه منذ بداية الصراع اعتمدت إيران على قدراتها السيبرانية، التي طورتها على مدى نحو 15 عاماً، لتنظيم ردها. ففي شهر يوليو، كشف تقرير لصحيفة نيويورك تايمز الأمريكية أن إيران اخترقت بروتوكول الاتصالات SS7 بهدف تحديد مواقع أهداف أمريكية. كما اخترقت أنظمة للمراقبة من أجل تقييم الأضرار التي سببتها عمليات القصف الإيرانية.
وفي شهر مارس الماضي، أدى هجوم استهدف شركة التكنولوجيا الطبية الأمريكية Stryker إلى اختفاء بيانات مرتبطة بنحو 200 ألف جهاز. كما استهدف هجوم آخر، خلال الربيع، أجهزة قياس الوقود في محطات الخدمة، ما أدى إلى إظهار قراءات خاطئة.
وخلال الأشهر الستة الماضية، نفذت عمليات إلكترونية إيرانية أخرى لأغراض التجسس وسرقة البيانات، وفق تحليل أعدته الباحثة نيكيتا شاه من مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية CSIS في مذكرة مطولة حول الحرب السيبرانية الإيرانية.
وتضيف الباحثة أن إيران “تحاول خلق شعور بالخوف والانقسام والفوضى”. كما يبدو أن المقاتلين السيبرانيين الإيرانيين استخدموا أدوات الذكاء الاصطناعي لتسريع وتيرة عملياتهم.
منظومة سيبرانية موزعة
هذه العمليات تظهر أيضاً أن إيران لم تفقد قدرتها على التحرك، رغم الضربة التي تعرضت لها قيادتها السيبرانية. ففي الربيع، جرى القضاء على يحيى حسيني بانجكي، قائد وحدة Handala، التي كانت تدير أحد فروع المقاتلين السيبرانيين الإيرانيين المرتبطين بوزارة الاستخبارات والأمن الإيرانية MOIS.
أما الحرس الثوري الإيراني، فيسيطر على مكونات أخرى من المنظومة السيبرانية الإيرانية، من بينها معهد مبنا (Mabna Institute)، الذي تأسس عام 2013، ويتخصص تحديدا في سرقة البيانات، بما في ذلك البيانات الموجودة في المجال الأكاديمي. وأعلنت وزارة الخزانة الأمريكية في شهر أغسطس المنصرم فرض عقوبات إضافية على 17 عضواً من المعهد.
السايبر الإيراني يعمل كفسيفساء
ونقلت صحيفة لوفيغارو عن المتخصص في القضايا الرقمية إيلان سيالوم قوله إن “السايبر الإيراني يعمل كفسيفساء”، موضحا أن المنظومة تعتمد على “نظام بيئي من الوكلاء (Proxies) الذين جرى تجهيزهم مسبقاً، ويعملون إما تحت سلطة مفوضة، أو بدافع أيديولوجي خاص بهم”.
وتجعل هذه البنية، بحسب الصحيفة، فهم الاستراتيجيات السيبرانية الإيرانية أكثر تعقيداً. فالنظام الإيراني يعهد ببعض عملياته إلى هياكل تتمتع بدرجات متفاوتة من الاستقلالية. ويقول سيالوم إن الحرس الثوري لم يفقد السيطرة التكتيكية على عملياته السيبرانية، لكن مشكلته تكمن في قدرته على إيقاف هذه العمليات لاحقاً.
واعتبرت صحيفة لوفيغارو أن إغراء المكاسب المالية أو الدوافع الأيديولوجية قد يدفع بعض الجماعات السيبرانية إلى تكثيف هجماتها من دون أن تكون قادرة على التحكم في تداعياتها الإستراتيجية، وهو ما يجعل خطر انفلات التصعيد قائماً أيضاً في الحرب السيبرانية.