“الناقل الوطني”.. هل يضع الأردن على طريق الاستقلال المائي؟ 


عمان: يضع الأردن اللمسات الأخيرة لإطلاق مشروع “الناقل الوطني للمياه”، أكبر مشروع مائي في تاريخ البلاد المصنفة بين أكثر دول العالم فقرا في المياه، وذلك سعيا لمواجهة أزمة شح المياه وتقليل الاعتماد على مصادر خارجية.

ويقوم المشروع على تحلية مياه البحر الأحمر في العقبة ونقلها إلى مختلف المناطق، وسط آمال بأن يوفر حلا إستراتيجيا للأمن المائي حتى العام 2040، لكنه يواجه تحديات مالية وهندسية وبيئية، أبرزها كلفة الطاقة وارتفاع تكاليف الإنشاء والتشغيل.

التكلفة الإجمالية للمشروع تبلغ نحو 5.8 مليارات دولار، بينها 4.3 مليارات تكلفة رأسمالية.

وتتوزع التمويلات بين منح دولية بقيمة 663 مليون دولار، وقروض استثمارية بـ2.9 مليار دولار، وتمويل بنكي أردني بـ1.1 مليار دولار، إضافة إلى مساهمة حكومية بقيمة 722 مليون دولار.

وينفذ المشروع بنظام الشراكة بين القطاعين العام والخاص، على أن تؤول ملكيته بالكامل للحكومة بعد 26 عاما من بدء التشغيل الرسمي.

ويرى خبيران أن المشروع يمثل تحولا مهما في إدارة الموارد المائية الأردنية، لكنه لن يكون كافيا وحده لمواكبة الزيادة المستقبلية في الطلب على المياه.

كلفة الطاقة والتمويل

الباحث والمتخصص في شؤون الطاقة عامر الشوبكي يقول إن المشروع يمثل “حلا لمشاكل عميقة كانت تؤدي إلى تبعية سياسية واقتصادية بسبب شح المياه”.

ويوضح الشوبكي أن حصة الفرد الأردني من المياه تبلغ نحو 60 مترا مكعبا سنويا، مقارنة بحد الفقر المائي الذي يقدر بنحو 500 متر مكعب.

ويشير إلى أن كلفة الكهرباء ستكون إحدى أبرز عناصر تكلفة المشروع، وقد تستهلك 7 إلى 8 بالمئة من استهلاك البلاد للكهرباء.

يذكر أن الكلفة التشغيلية المباشرة للمتر المكعب تقدر بنحو 2.70 دولار، قبل إضافة تكاليف الكهرباء والنقل والفاقد المائي، متوقعا أن يرتفع السعر النهائي إلى أكثر من 7 دولارات للمتر المكعب مع اكتمال المشروع.

ويلفت الشوبكي إلى أن المشروع يحتاج إلى ربط محتمل بمصادر طاقة متجددة لتقليل كلفة التشغيل، إلا أن الاعتماد الكامل عليها يتطلب تقنيات تخزين مكلفة.

ويحذر من أن تأخر الإغلاق المالي قد يرفع التكاليف بسبب ارتفاع أسعار المواد الأولية والتكاليف الإضافية.

أمن مائي حتى 2040

ويبين الشوبكي أن المشروع سيضيف نحو 40 بالمئة من حاجة البلاد إلى مياه الشرب، عبر إنتاج 300 مليون متر مكعب سنويا، لكنه لن يشمل مياه الزراعة أو الاستخدامات الأخرى.

ويوضح أن المشروع قد يوفر الأمن المائي للشرب حتى العام 2040، إلا أن أهميته ستتراجع لاحقا مع نمو الطلب السكاني والصناعي.

ويشير إلى أن أحد أهداف المشروع هو تخفيف الضغط على المياه الجوفية، وإتاحة الفرصة أمامها للتعافي باعتبارها مخزونا إستراتيجيا للأجيال المقبلة.

كما يُحذّر في المقابل من تحديات بيئية مرتبطة بتصريف كميات المياه الناتجة عن التحلية في خليج العقبة، وتأثيرها المحتمل على الحياة البحرية.

ويشمل المشروع مد أنابيب بطول نحو 450 كيلومترا من العقبة إلى مناطق المملكة، بقطر يراوح بين مترين ومترين ونصف، ما يضيف تحديات لوجستية بسبب أعمال الحفر والمرور في مناطق مأهولة.

ويعتبر الشوبكي أن المشروع يحمل بعدا سياسيا، إذ يمكن أن يمنح الأردن مساحة أكبر من الاستقلالية في قراراته بعيدا عن الضغوط المرتبطة بحاجته إلى المياه.

الاعتماد على الذات

من جانبه، يقول الخبير في العلوم المائية إلياس سلامة، إن المشروع يهدف إلى زيادة كميات المياه المتاحة ورفع حصة الفرد الأردني منها.

ويشير إلى أن تحلية مياه البحر أصبحت تقنية معروفة، لكن التحدي الرئيسي يكمن في مسافات النقل وارتفاع الضخ.

ويوضح أن المياه المحلاة ستنقل من العقبة إلى مناطق مرتفعة، يصل فرق الارتفاع فيها إلى نحو 1100 متر، ما يرفع كلفة التشغيل.

ويضيف أن إنتاج 300 مليون متر مكعب سنويا يمنح الأحواض الجوفية فرصة للتعافي، لكنه توقع الحاجة إلى كميات إضافية بعد 15 إلى 20 عاما مع استمرار ارتفاع الطلب.

ويؤكد سلامة أن الأردن لا يملك بديلا عمليا عن تحلية مياه البحر الأحمر في ظل الظروف السياسية الإقليمية، مشددا على ضرورة الاعتماد على الذات رغم ارتفاع الكلفة.

ويقول إن استيراد المياه أو الاعتماد على مصادر خارجية لم يعد خيارا مضمونا، فيما لا تمثل المياه الجوفية العميقة بديلا واقعيا للمشروع.

مراحل التنفيذ

وبحسب بيانات وزارة المياه والري، يعد “الناقل الوطني” التحول المائي الأكبر في البلاد، إذ تعادل كمية المياه المحلاة عبره سنويا السعة الإجمالية لجميع سدود الأردن، وتزيد بنحو 3 أضعاف إنتاج مشروع مياه الديسي القائم حاليا.

ويتولى تطوير المشروع ائتلاف فرنسي يضم شركتي “ميريديام” بنسبة 90 بالمئة و”سويز” بنسبة 10 بالمئة، فيما تشارك شركتا “المقاولون العرب” و”أوراسكوم للإنشاءات” المصريتان في أعمال البناء والتشغيل والصيانة.

ومن المقرر بدء أعمال الحفر والإنشاءات بعد إتمام الإغلاق المالي، تمهيدا لبدء الضخ الرسمي بحلول العام 2030.

ويتزامن تسريع المشروع مع اعتماد الأردن خططا لتعزيز أمنه المائي بعد انتهاء اتفاقية شراء 50 مليون متر مكعب سنويا من إسرائيل دون تجديد في مايو/ أيار 2024.

( الأناضول)



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *