«إمّا أن نتعلّم كيف نعيش معاً كإخوة، وإمّا أن نهلك معاً كحمقى.» ربما لم تكن كلمات مارتن لوثر كنغ أكثر انطباقاً على بلد كما تنطبق اليوم على سوريا. بلد خرج من أربعة عشر عاماً من الدم والدمار والتهجير والانقسام، ولا يملك ترف الدخول في دورة جديدة من الفوضى والكراهية والانتقام.
لقد دفع السوريون ثمناً باهظاً من أجل الحرية والكرامة، ولهذا فإن حرية التعبير يجب أن تكون من المقدسات في سوريا الجديدة. من حق السوري أن ينتقد، وأن يعترض على القرارات، وأن يكشف الفساد والتقصير، وأن يقول رأيه السياسي دون خوف من سجن أو ملاحقة. لكن حرية التعبير شيء، وحرية «التبعير» شيء آخر تماماً. ليس من الحرية أن تحرّض على طائفة، أو تشتم مكوّناً سورياً بأكمله، أو تدعو للانتقام من قرية أو منطقة، أو تنشر إشاعة تعرف أنها قد تشعل فتنة، ثم تختبئ خلف عبارة: «أنا أمارس حرية التعبير».
الحرية لا تعني أن يكون الوطن حائطاً يكتب عليه كل إنسان ما يشاء، ولو كان ما يكتبه قادراً على إشعال حريق بين السوريين. وهنا يأتي دور الدولة. سوريا الخارجة من حرب طويلة لا تحتاج إلى دولة رخوة تقف متفرجة أمام الفوضى والفلتان والتحريض، بل تحتاج إلى دولة قوية وحازمة، لكن قوتها يجب أن تأتي من القانون، لا من الخوف. دولة تضرب بيد القانون على يد من يعتدي ويسرق ويخطف ويحمل السلاح خارج مؤسساتها، وعلى من يحرّض على القتل أو الاقتتال الأهلي أو الانتقام الطائفي، بصرف النظر عن طائفته أو منطقته أو ولائه السياسي.
ولا ينبغي أن نخجل من كلمة «الحزم». فالفوضى ليست ديمقراطية، والفلتان ليس حرية، وغياب الدولة ليس ثورة. عندما يقطع شخص طريقاً ويعتدي على الناس، فهذا ليس تعبيراً عن الرأي. وعندما يحمل مسلح بندقيته ليفرض موقفه السياسي، فهذه ليست حرية. وعندما ينشر شخص خبراً كاذباً عن طائفة أو منطقة بهدف إثارة الناس ضدها، فهذا ليس «رأياً جريئاً». وعندما يدعو أحدهم إلى قتل السوريين أو تهجيرهم بسبب هويتهم، فنحن لم نعد أمام نقاش سياسي، بل أمام تحريض يمكن أن يتحول إلى دم. وعندما تتشكل ميليشيات خارج سيطرة الدولة فهذه ليست حرية تنظيم، بل تمرد يجب مواجهته والقضاء عليه فوراً.
وقد حذرت الأمم المتحدة بالفعل من أن خطاب الكراهية في سوريا يغذي التوترات والخوف بين المجتمعات، كما دعت إلى مواجهة العنف الطائفي وخطاب الكراهية وحماية السوريين على اختلاف انتماءاتهم. لكن هناك خطاً أحمر آخر يجب ألا نتجاوزه: لا يجوز للدولة أن تستخدم شعار «مكافحة الفتنة» ذريعة لإسكات منتقديها.
من يقول إن الحكومة أخطأت ليس محرضاً. ومن يكشف فساد مسؤول ليس ناشراً للكراهية. ومن يطالب بمحاسبة عنصر أمن ارتكب تجاوزاً ليس عدواً للدولة. ومن يتظاهر سلمياً أو يكتب مقالاً قاسياً ضد قرار حكومي يمارس حقاً ينبغي أن يحميه القانون. الدولة القوية لا تخاف من النقد، بل تخاف من الفوضى والجريمة والسلاح والتحريض.
إذا أشعلنا النار في هذا البيت انتقاماً من بعضنا، فلن يسأل الحريق من كان على حق. إمّا أن نتعلم كيف نعيش معاً، وإمّا أن نخسر سوريا معاً
وهذا هو الامتحان الحقيقي لسوريا الجديدة: أن يستطيع المواطن أن يقول للمسؤول «أنت مخطئ» بأعلى صوته، لكن لا يستطيع أن يقول لجمهوره «اذهبوا واقتلوا هؤلاء لأنهم من الطائفة الفلانية». أن يستطيع الصحافي فضح فساد وزير، لكن لا يستطيع محرض أن يطالب بتهجير منطقة لأن أبناءها ينتمون إلى مذهب معين.
أن يكون القانون واسع الصدر مع الرأي، وشديداً مع الجريمة. والأهم أن يطبق هذا القانون على الجميع. فلا يجوز أن يصبح التحريض جريمة عندما يصدر عن خصم، و«حماسة وطنية» عندما يصدر عن مؤيد. ولا يجوز أن نحاسب شخصاً لأنه أساء إلى جماعتنا، ثم نصفق لشخص آخر عندما يهين جماعة سورية أخرى.
إذا كان التحريض خطراً على سوريا، فهو خطر مهما كان اسم صاحبه. لقد ارتكبت جرائم هائلة بحق السوريين، والعدالة ضرورة لا مساومة عليها. لكن العدالة تعني محاسبة المجرم على جريمته، لا محاكمة طائفته بدلاً منه. من قتل يُحاكم، ومن عذّب يُحاكم، ومن سرق يُحاكم، ومن ارتكب جريمة حرب يجب أن يخضع للعدالة. أما تحميل ملايين السوريين ذنب أفراد لأنهم يحملون الاسم أو المذهب أو القومية نفسها، فليس عدالة، بل انتقام جماعي يزرع بذور حرب جديدة.
وقد بدأت في سوريا خطوات مرتبطة بالعدالة الانتقالية والمفقودين والمساءلة، فيما تؤكد الآليات الأممية أن بناء العدالة يتطلب مؤسسات وإجراءات قانونية شاملة، لا الانتقام. كما أن المسؤولية ليست على الدولة وحدها. هناك مسؤولية أخلاقية هائلة على الإعلاميين والناشطين والمؤثرين وأصحاب الصفحات الكبيرة. في بلد جريح كسوريا، منشور كاذب قد يقتل. فيديو قديم يقدم على أنه حدث اليوم قد يشعل منطقة. كلمة طائفية يكتبها شخص خلف هاتفه قد يدفع ثمنها إنسان بريء في قرية لم يسمع بذلك الشخص أصلاً.
لذلك، قبل أن تنشر، اسأل نفسك: هل ما أنشره حقيقة أم إشاعة؟ هل أنتقد فعلاً أم أحرّض؟ هل أطالب بالعدالة أم بالانتقام؟ هل أبني سوريا أم أضيف حجراً جديداً إلى جدار الكراهية؟ سوريا اليوم بحاجة إلى معادلة واضحة لا لبس فيها: أقصى مساحة ممكنة لحرية الرأي، وأقصى درجات الحزم تجاه الجريمة والفوضى والتحريض على العنف والكراهية.
لا نريد دولة تخيف المواطن، بل دولة يخاف منها المجرم ويحتمي بها المواطن. لا نريد عودة تكميم الأفواه، ولا نريد أيضاً غابة إلكترونية وإعلامية يصبح فيها السب والتحريض والتخوين الطائفي «حرية تعبير». فالدولة التي تسجن الناس بسبب آرائهم دولة قمع، والدولة التي تقف عاجزة أمام التحريض والسلاح والفوضى دولة ضعيفة. وما تحتاجه سوريا هو دولة ثالثة مختلفة عن الاثنين: دولة قانون.
بعد كل هذا الدم، يجب أن نتعلم أخيراً أن نختلف كسوريين دون أن نتحول إلى أعداء، وأن نطالب بالعدالة دون انتقام، وأن نمارس الحرية دون أن نحولها إلى فوضى. فسوريا ليست ملكاً لطائفة ولا حزب ولا منتصر ولا مهزوم. إنها بيت الجميع.
وإذا أشعلنا النار في هذا البيت انتقاماً من بعضنا، فلن يسأل الحريق من كان على حق. إمّا أن نتعلم كيف نعيش معاً، وإمّا أن نخسر سوريا معاً.
٭ كاتب واعلامي سوري
[email protected]