بغداد ـ «القدس العربي»: أطلع رئيس الوزراء العراقي، علي الزيدي، وزراء حكومته على موقف «الإطار التنسيقي» الشيعي، الداعم لإجراءاته في ملف محاربة الفساد، وأبلغهم بأهمية إعفاء أي مسؤول في وزاراتهم تحوم حوله شبهات، تجنّباً لتحملهم المسؤولية.
عدم حماية الفاسدين
جاء ذلك خلال ترؤس الزيدي جلسة مسائية لمجلس الوزراء، جرى خلالها بحث تطورات الأوضاع في البلاد، واستعراض الموضوعات المدرجة على جدول الأعمال، واتخاذ التوجيهات والقرارات اللازمة بشأنها، حسب بيان لمكتبه.
واستهل الزيدي، وفق البيان، الجلسة بـ «الإشارة إلى الاجتماع الأخير الذي عقده الإطار التنسيقي، والذي شهد تأييداً واسعاً للحكومة وإجراءاتها في مكافحة الفساد، وتأكيد قادة الإطار وباقي القوى السياسية عدم حمايتهم لأي فاسد».
وشدد في توجيهاته للوزراء على «تشخيص وإعفاء أي وكيل أو مدير عام تظهر بشأنه شبهات الفساد، لأن الإجراءات الحكومية ستحمّل الوزير المعني مسؤولية بقاء المدير العام أو الوكيل المعني بشبهات الفساد في منصبه».
في موازاة ذلك، كان البرلمان يعقد جلسة اعتيادية برئاسة هيبت الحلبوسي وحضور 300 نائب، لمناقشة تقرير ديوان الرقابة المالية الاتحادي لعام 2025، ومساهمته في ردع ومكافحة الفساد، بحضور عمار صبحي رئيس الديوان والكادر المتقدم فيه.
ووجه رئيس المجلس باستعراض التفاصيل الكاملة في طرح تقرير ديوان الرقابة المالية من أجل مناقشته من قبل أعضاء المجلس بشكل مستفيض، مؤكدا أن مجلس النواب «ماضٍ نحو تصحيح مسار الديوان باعتباره مؤسسة عريقة مسؤوليتها الحفاظ على المال العام».
وكشف رئيس ديوان الرقابة المالية الاتحادي، عن تراكم ديون ومستحقات مالية تُقدَّر بـ«تريليونات الدنانير»، مع تسجيل 500 ألف عقار تابع للدولة العراقية متجاوز عليه. وقال رئيس الديوان، عمار صبحي، حسب بيان للدائرة الإعلامية للبرلمان، إن «التقارير الرقابية الصادرة عن الديوان بلغت 630 صفحة، وتضمنت الالتزام بتدقيق ميزانية وحسابات إقليم كردستان والحساب الختامي لجمهورية العراق لثلاث سنوات». وأشار إلى أن «الحسابات الختامية منذ عام 2022 لم تُرسل حتى الآن إلى الديوان»، لافتاً إلى أن «الديوان يمتلك 3500 موظف موزعين في بغداد والمحافظات».
واستعرض رئيس الديوان أبرز معوقات العمل، ومنها «عدم تسديد حصة خزينة الدولة من أرباح الشركات العامة للسنوات السابقة، والبالغة 26 تريليون دينار (نحو 20 مليار دولار)»، وملف التجاوز على أملاك الدولة، «بعد أن أحصى الديوان 500 ألف عقار متجاوز عليه، وتم تحويل الملف إلى وزارة العدل، فضلاً عن مبالغ التضمين بموجب قرارات قضائية لم يتم استحصالها، والبالغة 4 تريليونات دينار (أكثر من 3 مليارات دولار)».
وبشأن القطاع المالي والمصرفي، أوضح صبحي أن «الديوان أصدر 339 تقريراً مالياً ركزت على وزارة المالية والبنك المركزي والمصارف الحكومية لغاية عام 2025، وتضمنت ملاحظات بشأن استمرار اعتماد الدولة على الموارد النفطية دون الاهتمام بالقطاعات الزراعية والصناعية والسياحية، وكثرة حالات التجاوز في الصرف على التخصيصات المنقحة، وتراكم أرصدة السلف رغم توجيه وزارة المالية بضرورة تصفيتها».
كما أشار التقرير إلى «وجود مكلفين لم يسددوا مبالغ ضريبة الدخل المترتبة بذمتهم، وعدم تسجيل العديد من محطات الوقود الأهلية في السجلات الضريبية، ووجود فرق في ضريبة الدخل المستحقة على شركات جولات التراخيص النفطية بلغ 388 ملياراً و721 مليون دينار (أكثر من 296 مليون دولار) للسنوات 2018 – 2023، وضعف إجراءات صندوق العراق للتنمية الخارجية في متابعة استحصال قروض ممنوحة لليمن والصومال وموزمبيق وأوغندا وتنزانيا».
ورغم المعلومات التي أوردها تقرير ديوان الرقابة المالية، غير أنها لم ترق لهيئة الرئاسة وأعضاء البرلمان، الذين طالبوا بتقارير «أكثر دقة» تحدد بالأرقام قيمة الهدر في الأموال.
وشدد رئيس المجلس على ضرورة أن «يتخذ ديوان الرقابة المالية إجراءات أشد ويعمل على معالجة المشاكل لمنع ظواهر الفساد وهدر المال العام»، مشيرا إلى أن «تقرير ديوان الرقابة المالية لا يرتقي إلى مستوى المسؤولية المناطة بالديوان».
أرقام كشفها ديوان الرقابة المالية… الزيدي وجّه الوزراء بإعفاء أي مسؤول متهم بفساد
وطالب الحلبوسي، حسب بيان الدائرة الإعلامية للبرلمان، الديوان بـ«تقديم إجابات مفصلة بكتب رسمية عن الأسئلة التي تطرح عليه، لا سيما المتعلقة بحجم الأموال المهدورة في كل وزارة ومؤسسة حكومية وغيرها، وتثبيت المخالفات الإدارية والمالية وحجم الانفاق وتفاصيل متابعتها من قبل الديوان»، مبينا أن «المال العام أمانة وطنية يتوجب الحفاظ عليه من قبل ديوان الرقابة المالية». في حين أكد عدنان فيحان النائب الأول لرئيس المجلس «مضي السلطة التشريعية بمراقبة إجراءات كافة الهيئات المستقلة وتصحيح مسار عملها خلال الدورة النيابية الحالية»، مشيرا إلى «إلزام ديوان الرقابة المالية الاتحادي بسقف زمني محدد لاتخاذ الإجراءات اللازمة بحق مخالفات الوزارات والمؤسسات الحكومية المشخصة في تقريره»، وإلى «توزيع تقرير ديوان الرقابة المالية إلى اللجان النيابية المعنية».
فيما لفت فرهاد الأتروشي نائب الرئيس، إلى أهمية أن «يتعامل الديوان بمهنية ووفق السياقات القانونية والدستورية، لا سيما أن صلب عمل ديوان الرقابة المالية مرتبط بالأرقام ومتابعة مسار صرف الأموال»، داعيا الديوان إلى «تقديم تقارير واضحة وشاملة للعديد من الملفات»، مؤكدا على أهمية «المصادقة على الحسابات الختامية قبل التصويت على قانون الموازنة العامة الاتحادية».
ويشير البيان إلى مداخلات النواب أثناء الجلسة، والتي ركّزت على المطالبة بـ«تقييم القطاعات الحكومية وتقسيمها حسب المخالفات الواردة في إعداد التقارير، ومعرفة الجدوى الاقتصادية عن صرف مبالغ كبيرة على تأهيل مشاريع غير مستحقة كما جرى في مصفى بيجي، وتزويد المجلس بجداول النسب الربحية لعقود جولات التراخيص المتعلقة بحقول النفط والمصافي، إضافة الى المطالبة بمراقبة ملف تعاقدات شركة بيع النفط (سومو) ومراجعتها بشكل دقيق، فضلا عن معرفة دور الديوان في عقود مشاريع المجمعات السكنية تجاه الشركات المستثمرة والجدوى الاقتصادية منها، والاستفسار عن السند القانوني لوجود لجان تدقيقية تابعة لمكتب رئيس مجلس الوزراء السابق يمارس الضغط على الديوان وتوضيح التفاصيل بشأنه، فضلا عن الملاحظات على تقارير الديوان التي وصفت من قبل النواب بغير الدقيقة، والمطالبة بزيادة التعاون والتنسيق مع مجلس النواب واهمية تدقيق المؤسسات الحكومية بمهنية دون التركيز على بعضها دون أخرى للحفاظ على المال العام، بضمنها المبالغ التي تم صرفها على وزارة الكهرباء والاطلاع على حجم الايرادات الفعلية المتحقق للهيئة العامة للجمارك، وطرح تساؤلات عن مدى تشخيص حالات صرف الاموال خارج قانون الموازنة العامة وعدم تطرق ديوان الرقابة بتقريره الى ملف المنافذ الحدودية».
وتضمنت المداخلات أيضاً المطالبة بـ«الكشف عن عدد الملفات التي أحالها الديوان الى هيئة النزاهة والقضاء ومعرفة نتائجها، ومعرفة ملف التحقيق الإداري، الى جانب أسباب عدم إرسال الحسابات الختامية في وقتها المحدد.
على إثر ذلك، وجّه رئيس مجلس النواب بـ«استضافة ديوان الرقابة المالية الاتحادي للاستماع الى إجاباتهم على جميع الاستفسارات المطروحة في الجلسة».
ويكاد لا يمر يوم في العراق من دون الكشف عن ملف فساد جديد أو مؤشرات على وجود هدر في المال العام، كان آخره ما أعلنه النائب السابق أمير المعموري، عما وصفها بـ«مخالفات خطيرة» في عقد لتجهيز مديرية المرور العامة التابعة لوزارة الداخلية بـ 800 دراجة نارية، مشيرًا إلى وجود شبهات تتعلق بقيمة العقد، ومواصفات الدراجات، وآلية إدخالها إلى العراق، فضلاعن عدم تنفيذ بعض الالتزامات التعاقدية.
وقال المعموري، في لقاء مع محطة محلية إن «هناك عقدًا لوزارة الداخلية لتجهيز مديرية المرور العامة بـ 800 دراجة نارية، بلغت قيمتها أكثر من 24 مليار دينار (18.3 مليون دولار)»، مبينًا أن «كلفة الدراجة الواحدة تتجاوز 33 مليون دينار (أكثر من 25 ألف دولار) وهو سعر يوازي سعر سيارة، الأمر الذي يثير الكثير من علامات الاستفهام».
وأضاف أن «المشكلة لا تتعلق بالسعر المرتفع فقط، وإنما بالمواصفات أيضًا»، موضحًا أن «العقد ينص على أن تكون الدراجات المستوردة موديل 2023، لكن الذي دخل عبر منفذ البصرة هو موديل 2021»، متسائلًا: «كيف دخلت هذه الدراجات عبر المنافذ الجمركية رغم اختلافها عن المواصفات المثبتة في العقد؟ ومن سمح بإدخالها؟».
وأشار إلى أن «هناك تساؤلات بشأن الإجراءات الجمركية، خصوصًا أن العقد حدد موديلامعينًا، بينما الدراجات التي وصلت كانت بموديل أقدم»، معتبرًا أن «ذلك يمثل مخالفة تستوجب التحقيق».
وأوضح أن «العقد تضمن أيضًا تدريب الملاكات المختصة على استخدام وصيانة هذه الدراجات، إلا أن هذا الأمر لم يُنفذ، رغم أنه أحد البنود الأساسية في العقد»، لافتًا إلى أن «المواصفات الفنية الأخرى تستوجب أيضًا التدقيق من قبل الجهات الرقابية».
وأكد أن «المبلغ المصروف مرتفع جدًا مقارنة بما تم تجهيزه فعليًا»، داعيًا الجهات الرقابية والقضائية إلى «فتح تحقيق شامل في العقد، والتأكد من سلامة إجراءات الإحالة والتنفيذ والاستلام، ومطابقة الدراجات للمواصفات المنصوص عليها».
حكم بالسجن
في حين أعلنت هيئة النزاهة الاتحادية إصدار حكم يقضي بالسجن مدة خمس سنوات بحق مسؤول سابق في بلدية مدينة الناصرية مركز محافظة ذي قار الجنوبية، وزوجته، على خلفية تهم بفساد تبلغ قيمته نحو 5 ملايين دولار.
وذكرت في بيان صحافي أن «محكمة جنح الناصرية أصدرت قرار حكمٍ حضورياً بالحبس الشديد لمدة خمس سنوات بحق كل من مسؤول شعبة الأملاك في مديرية بلدية الناصرية سابقاً، وزوجته الموظفة في البلدية ذاتها».
وأضاف البيان أن الحكم استند إلى «أحكام المادة (19/ثالثاً) من قانون هيئة النزاهة والكسب غير المشروع رقم (30 لسنة 2011) المعدل».
وتضمن قرار الحكم، حسب البيان، «مصادرة مبلغ مليار وثمانمئة وواحد وتسعين مليون دينار و850 ألف دولار، تم ضبطه في منزل المدانين».
كما فرضت المحكمة غرامة تعادل قيمة الكسب غير المشروع، تبلغ 3 مليارات و782 مليون دينار (نحو 3 ملايين دولار)، بالإضافة إلى «مليون و716 ألف دولار». وأكدت الهيئة أن «المحكمة أصدرت قرارها بالحبس الشديد والغرامة، بعد اطلاعها على الأدلة المتحصلة في القضية التي وجدتها كافية ومقنعة للإدانة».