يذاع خبر رحيل هاني شنودة فتجمد المشاعر لبرهة، وتصنع النفس حاجزاً وهمياً تظن أنه سيحجب عنها سماع هذا الخبر الذي لا تريد سماعه، ثم تنفلت دمعة تقر بما وقع ويصعب تصديقه. كان هاني شنودة قريباً وموجوداً بشكل يجعلك تطمئن إلى وجوده الدائم، ويجعل الرحيل مباغتاً ومربكاً، ناهيك من الحزن وقسوة توديع فنان كبير من عظماء مصر، فهذا فقد يضاف إلى فقد وفراغ يوسع فراغاً. سافر هاني شنودة إلى السماء، أو خرج إلى النهار كما كان يقول أجداده الفراعنة في وصف الموت، تاركاً لنا إرثاً فنياً وإنسانياً كبيراً، فهناك الموسيقى الرائعة التي يحبها الجميع، وهناك الروح التي نبعت منها تلك الموسيقى، والنموذج الأصيل للشخصية المصرية الصميمة كما يجب أن تكون.
موسيقى الطفولة
في مواجهة الفقد سرعان ما تهرع النفس إلى الذاكرة، تلتجيء إليها وتحتمي بها، كأنما تريد أن تجمعها من أطرافها وتلملم شتاتها، وتمسك بها خوفاً عليها من الضياع. ولهاني شنودة مكان كبير في ذاكرة الأجيال، فهناك من تلونت سنوات طفولته بأنغامه، واختلطت حركات الأجساد الصغيرة بإيقاعاته، ورددت الأصوات البريئة ألحانه لهواً ولعباً في أوقات المرح، وجداً وانضباطاً في حصص الموسيقى وحفلات المدارس. كانت ألحان هاني شنودة للأطفال حاضرة طوال الوقت، سواء من خلال الراديو أو الكاسيت، أو التلفزيون الذي كان جهازاً تثقيفياً بحق، لكن الصلة بينه وبين الأطفال لم تقتصر على الأعمال المخصصة لهم فحسب، وإنما كان هناك دائماً ذلك الجانب المتاح للأطفال في أعماله، إما في اللحن نفسه، أو في طريقة تصوير الأغنيات وما تضمنه بعضها من رسوم متحركة على سبيل المثال.
بوعي شديد والتزام بالمسؤولية منح هاني شنودة الطفل المصري مجموعة من أجمل الألحان، ووفر له ما يستحقه من جرعات الفن والجمال، وقوّم الذوق ورفع مقياسه منذ النشأة وتفتح السماع. كانت هذه الألحان تأتي من طفولة ظلت تجد مكاناً صغيراً لها في نفسه، وكيف لا وقد كنا نراه بعد أن تجاوز الثمانين من عمره، يجلس إلى الأورغ كطفل لم يفقد دهشته بالموسيقى للحظة واحدة، رغم تمكنه من علومها وسبره لأغوار فنونها. كانت تلك الموسيقى تحمل بلا شك ما كان يراه ويطلبه للطفل المصري من جمال وحرية وإنسانية، شهدت هذه الأعمال اهتماماً كبيراً بالميلودي بطبيعة الحال، إلى جانب خفة الإيقاع ورشاقته البالغة، والغنائية البسيطة ذات الجمل اللحنية القصيرة سهلة الغناء، فهي معدة من أجل أن يغنيها الطفل أيضاً، لا من أجل أن يسمعها فقط.
لحن هاني شنودة لمجموعة من الفنانين الذين كرسوا للأطفال جانباً من مسيرتهم الفنية، وأول ما يتبادر إلى الذهن ألحانه بصوت ماما نجوى، أو المذيعة والفنانة نجوى إبراهيم، منها لحن برنامج «صباح الخير» الذي كنا نسمعه بشكل شبه يومي، ونحفظ كلماته الملحنة عن ظهر قلب بمعانيها الجميلة، وقد صنع هاني شنودة تصاعداً صوتياً مبسطاً، من خلال ترديد «صباح الخير» لثلاث مرات متتالية مع تمديد مختلف في المرة الرابعة. ولا نستطيع أن ننسى لحن برنامج «أجمل الزهور» بصوت ماما نجوى أيضاً، ذلك اللحن الشفاف البديع الذي هو من أجمل وأرق ما يمكن سماعه، والذي بات اليوم واحة الطفولة الوادعة التي يذهب إليها البعض هرباً من الوجه القبيح للحاضر. كما نذكر لحن «يالا نقضي أجازة سعيدة» لصفاء أبو السعود، ومجموعة من الأعمال للفنان محمد ثروت، منها «حبيبة بابا رشا»، «جدو علي»، ولحن «طيور النورس» بإيقاعات البحرية الرائعة.
هكذا كانت موسيقى هاني شنودة من أول ما خاطب أسماعنا في الطفولة، لكن الصلة بينه وبين الأطفال لم تقتصر على ما خصصه لهم من ألحان، فهناك من أغانيه ما كان يجذبهم رغم تجاوز الموضوع لأعمارهم، من خلال اللحن أولاً بلا شك، والتصوير الذي كان يضم رسوماً متحركة في بعض الأحيان. كما كانت موسيقاه تمر إلينا من خلال ما يعرض من برامج وأفلام ومسلسلات وسهرات درامية. نستطيع اليوم أن نقول إن الرابطة التي ربطتنا بألحان الطفولة عند هاني شنودة، لم تكن مجرد رابطة عاطفية بما كان يحيط بنا، وإن تلك الرابطة تقوم على أسس جمالية في المقام الأول، وعندما نعود إليها حالياً فذلك لا يكون حنيناً إلى ذكريات الماضي فحسب، بل تزوداً بجرعة جمالية نحتاج إليها وتذوقاً لموسيقى بارعة الفكر والتنفيذ على قدر بساطتها وسهولة تلقيها.
من البيتيشاه إلى المصريين تحول كبير بلا شك، وتحول سعيد أيضاً، وما أجمل أن نعرف أن السبب في هذا التحول هو نجيب محفوظ، الذي جمعه لقاء مع هاني شنودة ذات ليلة في الإسكندرية، وكان ذلك في أواخر الستينيات.
من البيتيشاه إلى المصريين
في الستينيات كان هاني شنودة لا يزال شاباً يلتمس طريق الموسيقى، يدرس في كلية التربية الموسيقية ويتبعها بدراسة أخرى في الكونسرفتوار، يتعلم أصول ونظريات وقواعد الموسيقى الكلاسيكية. ثم انضم إلى فرقة البيتيشاه التي حققت نجاحاً كبيراً على هامش الحياة الفنية الرسمية في ذلك الوقت، كانت فرقة موسيقية ذات برنامج غنائي غربي بحت، لا تغني لحناً عربياً واحداً، حتى اسمها كان فرنسياً. والغريب أن هذه الفرقة كانت تضم مواهب كبيرة كهاني شنودة، وعزت أبو عوف، وعمر خورشيد، وعمر خيرت، بالإضافة إلى مواهب أخرى لم تكمل السير في طريق الفن، ورغم ذلك لم تبدع أي أعمال أصلية رغم قدرة أفرادها على ذلك، وكانت تعيد عزف وغناء الأعمال الغربية المشهورة، بالإنكليزية والفرنسية والإيطالية والإسبانية، وتقيم الحفلات الموسيقية في القاهرة والإسكندرية.
في أجواء الانغلاق التي سادت فترة الستينيات، وكانت أسطوانات الغناء الأجنبي عزيزة المنال، إلى درجة أنها باتت من ضرورات الشراء عند السفر إلى الخارج، الذي كان أمراً صعباً هو الآخر، اتجهت هذه المجموعة من المواهب المصرية إلى الموسيقى الغربية وإلى الغناء باللغات الأجنبية. وربما كان ذلك موقفاً اتخذه هؤلاء الشباب تجاه الفن والواقع في تلك الحقبة، يعلنون من خلاله أنهم يجدون أنفسهم في غناء الغرب وموسيقاه، وأنهم يريدون الانتماء إلى ثقافة العمل الجماعي لا ثقافة النجم الأوحد. في ذلك الوقت كان هاني شنودة غارقاً في عالم الموسيقى الغربية، سواء الموسيقى الكلاسيكية بحكم الدراسة والتعلم في كلية التربية الموسيقية والكونسرفتوار، أو الموسيقى الحديثة بألوانها المختلفة من خلال عمله في فرقة البيتيشاه.
في طنطا كان ميلاد هاني شنودة عام 1943، وكانت النشأة في رحاب السيد البدوي، القطب الصوفي الكبير ومسجده الذي يعد من أهم معالم المدينة، إن لم يكن المعلم الرئيسي فيها، والمولد الذي يقام احتفالا به في كل عام، وما يزخر به ذلك المولد من ألوان الفنون والكرنفالات. ويقول هاني شنودة إنه كان يستمع إلى الشيخ النقشبندي في إنشاد حي مباشر أثناء طفولته في طنطا. ويبدو أن تلك اللحظات التي رسخت في وجدانه منذ الطفولة، دفعته في سنوات الفن والعمر الأخيرة إلى تلحين بعض المدائح النبوية.
ومن المضحكات المبكيات، وربما المبكيات فقط في تاريخ هاني شنودة، أنه تم القبض عليه عام 1966 وتم التعامل معه على أنه عضو في جماعة الإخوان المسلمين رغم أنه مسيحي، حيث كان معتصماً مع مجموعة من الطلبة في كلية التربية الموسيقية، اعتراضاً على بعض التغييرات في المسار الدراسي. لأيام قليلة كانت طويلة بلا شك، عاش ذلك الشاب الموهوب المقبل على الحياة، رعب أن يلقى به في هاوية سجون عبد الناصر، وظل يذكر تلك الأيام القليلة حتى بعد أن تجاوز الثمانين من عمره، ويصف ألماً رهيباً شعر به، عندما ارتطمت رأسه بالحائط جراء ضربة يد ثقيلة غاشمة. خرج هذا الفنان الحساس من تلك التجربة الأليمة المرعبة رغم قصرها، بكدمة في النفس لا تبرى ولا تزول بكل تأكيد، لكنه مضى في طريقه لا يتطلع إلى شيء سوى الموسيقى، يحمل سماحة الأقباط المسيحيين وصبرهم العتيق، مؤمناً بالوطن مهما أظلمت صفحات من كتاب تاريخه.
من فرقة موسيقية ذات اسم أجنبي وبرنامج غربي بالكامل كان هاني شنودة عضواً فيها، إلى فرقة أخرى قام هو بتأسيسها عام 1977، اسمها هذه المرة «فرقة المصريين» والغناء مصري. يقول هاني شنودة إن اختيار الاسم يرجع إلى الفرح باستعادة اسم مصر الذي تم محوه في فترة من الفترات، صارت مصر تسمى مصر مرة أخرى، لا الجمهورية العربية المتحدة أو غير المتحدة أو الإقليم الجنوبي. مع عودة الروح المصرية جاء اسم فرقة المصريين، وباتت للمصريين فرقة غنائية تقدم موسيقى حديثة شديدة التنوع، تقوم على علوم الموسيقى وتقنياتها، رغم البساطة الظاهرية للألحان، وقربها الشديد من ذوق الجمهور، فمن الصعب أن تجد من لا يتذوق أعمال الفرقة ويستسيغها على الفور.
من البيتيشاه إلى المصريين تحول كبير بلا شك، وتحول سعيد أيضاً، وما أجمل أن نعرف أن السبب في هذا التحول هو نجيب محفوظ، الذي جمعه لقاء مع هاني شنودة ذات ليلة في الإسكندرية، وكان ذلك في أواخر الستينيات. سأله نجيب محفوظ لماذا لا تغنون بالعربية؟ فأفصح له هاني شنودة عن شيء من رؤيته للموسيقى، وما لا يعجبه في أحوال الموسيقى والغناء، فقال له نجيب محفوظ: «لا تستبدل شهوة العمل بشهوة الكلام»، تلك العبارة التي أخذت تتردد في ذهن هاني شنودة، ولعلها ظلت محركاً له طوال حياته.
عند الحديث عن فرقة المصريين، تذكر على الفور أغنيات مثل «ماشية السنيورة» و»ما تحسبوش يا بنات إن الجواز راحة»، و»بنات كتير كده من سني»، هي الأغنيات الأكثر شهرة وانتشاراً، وهي أغنيات تم تصويرها أيضاً بأساليب مرحة لطيفة، تجتمع في الفرقة غناء وعزفاً وأداء تمثيلياً خفيفاً في الوقت نفسه، ومن عناصر فنية متعددة كالرسوم المتحركة والملابس المصرية، كالملاية اللف للنساء والجلابية البلدي للرجال، وفي كثير من الأحيان كانت فرقة المصريين تعتمد على الجلابية البلدي خارج الأغنيات المصورة، في الحفلات الموسيقية وعند الظهور في البرامج التلفزيونية. لكن بعيداً عن تلك الأغنيات التي تتصدر المشهد دائماً، قدم هاني شنودة من خلال فرقة المصريين مجموعة كبيرة من الأغاني، المتنوعة في مواضيعها وفي أفكارها الموسيقية، وتعاون مع كبار الشعراء مثل عبد الرحيم منصور وصلاح جاهين وعمر بطيشة. غنت فرقة المصريين عن «حضارة المصريين» افتخاراً بتاريخ الأجداد وتحفيزاً لمستقبل منشود. وغنت العديد من الأعمال ذات الموضوع العاطفي لكن بتناول جديد، كضرورة الحرية في الحب على سبيل المثال، والأغنيات العامة ذات الموضوع الفني التأملي في لوحة من لوحات الحياة. كانت تلك المواضيع مساحة كبيرة للتلوين والتنويع الموسيقي عند هاني شنودة، تمكنه من الانطلاق في تعبيره النغمي غير متقيد بحدود. فأغنية «حرية» على سبيل المثال، رغم أنها تتناول الحرية في الحب، منحها هاني شنودة لحناً يعبر عن الحرية بمفهومها العام، الذي يتقاطع من دون أدنى شك مع المفهوم السياسي أيضاً، حيث نستمع في بداية الأغنية إلى صوت موسيقي مخنوق يكاد ينطق كلمة حرية، ثم نستمع إلى إيقاع صاخب متوتر أشبه بالمارش العسكري لكن تغلفه فوضى ما، ثم تهتف الموسيقى كما لو كانت في مظاهرة تواجه ذلك الإيقاع العسكري. وهكذا فتحت هذه المقدمة الموسيقية التعبيرية الباب أمام المستمع ليتلقى هذه الأغنية في إطارها الأوسع، حيث تقول الموسيقى ما لا تقوله الكلمات.
انت موسيقى هاني شنودة شريكاً أساسياً في أفلام سينمائية راسخة في الذاكرة والوجدان، كمجموعة كبيرة من أفلام عادل إمام، منها «عصابة حمادة وتوتو»، و»شمس الزناتي»، و»المشبوه»، و»الأفوكاتو».
وجوه الإبداع والبراعة التامة
لحن هاني شنودة للعديد من الأصوات التي تختلف عن بعضها اختلافاً كبيراً، فهناك ألحان فرقة المصريين على سبيل المثال، وهي ألحان ثابتة تتعاقب عليها الأصوات، فقد تبدلت ملامح الفرقة وتغيرت على مر السنين، ومضى بها هاني شنودة من جيل إلى جيل في حالة بحث دائم عن أصوات جديدة ملائمة. كانت الفرقة تفقد أصواتها النسائية بسبب الزواج، كما فقدت بعض أصواتها الرجالية بسبب موت مفاجئ. لم تكن ألحان الفرقة تؤلف لصوت مطرب بعينه وتراعي شخصية ذلك الصوت، وإنما كانت تلحن لصوت نسائي في طبقة كذا، وصوت رجالي في طبقة كذا، وكان على كل من ينضم إلى الفرقة أن يغني اللحن كما يطلب منه وحسب.
كما لحن لأصوات أخرى خارج الفرقة كان له الفضل في اكتشافها وتقديمها، كمحمد منير وعمرو دياب، ولم يكن كل منهما قد كون شخصيته الفنية بعد، فكان هاني شنودة يعمل على تكوين شخصية الصوت وفق ما يرى. ربما كانت التجربة مع محمد منير أكثر عمقاً واكتمالاً، بأعمال مثل «علموني عينيكي»، و»أمانة يا بحر»، و»بنتولد»، وغيرها من الأعمال المسموعة حتى اليوم بنجاح كبير، بينما لا تحظى ألحانه لعمرو دياب بالشهرة ذاتها رغم جودة هذه الأعمال وعلى رأسها أغنية «الزمن». من أصوات جديدة كانت تبحث عن طريق ومسار، إلى أصوات أخرى لحن لها هاني شنودة بمرونة قل مثيلها، وتكيف فني ربما لا يستطيعه الكثيرون. فقد استطاع أن يلحن لنجاة الصغيرة ولأحمد عدوية، على ما بينهما من اختلاف في طبيعة الصوت واللون الغنائي، فنجاة أيقونة الرومانسية والرقة والرهافة، وعدوية نجم الأغنية الشعبية صاحب الصوت البلدي الشجي.
لحن هاني شنودة لأحمد عدوية أغنية «زحمة يا دنيا زحمة» التي هي بلا شك من أكثر أغنياته سماعاً، لأنها لا تسمع من عشاقه وجمهوره فحسب، وإنما تسمع من الجميع حتى من غير هواة الفن الشعبي. فتلك الأغنية الطويلة التي تمتد إلى ما يزيد على تسع دقائق باتت بمثابة نشيد يومي لمدينة القاهرة، كان عدوية في أوج شهرته كنجم للون غنائي معين عرفه به الجمهور وأحبه على ذلك، وهنا تبدو مهارة هاني شنودة، فهو لم يمسخ صوت عدوية ولم يغير معالم فنه، كما لم يمسخ صوت نجاة الصغيرة ولم يخرجها من عالمها الرومانسي الحالم. أبرز هاني شنودة أجمل ما في صوت عدوية، واكتشف المزيد من قدراته التعبيرية المختلفة، وقدم لصوته في كل مقطع بعزف منفرد من آلة ما تصنع تلويناً جديداً. صنع هاني شنودة زحمة إيقاعية هائلة في تلك الأغنية، زحمة مستمرة لا تتوقف ولا يكسر حدتها سوى صوت الآلة المنفرد للحظات، قبل أن يغني عدوية الضائع وسط الزحام.
مع نجاة الصغيرة قدم هاني شنودة لحن «بحلم معاك»، ولحن «أنا بعشق البحر»، وهما من أجمل ما غنت نجاة ومن أجمل الألحان الرومانسية على الإطلاق، وربما يشعر المرء أحياناً بأنه يستمع إلى أرابيسك بيانو كلاسيكي، بما فيهما من زخارف وحليات رائعة. تعامل موسيقارنا الراحل مع صوت نجاة الصغيرة بعناية فائقة وبحرص شديد على تلك الحنجرة الرهيفة، لم يذهب بصوتها خارج مداره، بل دخل هو إلى عالمها ليبدع من خلاله، ويسمعنا أجمل ما في هذا الصوت. والغريب عند هاني شنودة أنه لم يكن يطغى على صوت المطرب، رغم أن اللحن هو قطعة فنية مكتملة يمكن الاستمتاع بها تماماً إذا استغنينا عن الصوت. ومن الأعمال الفريدة التي لحنها لنجاة الصغيرة أيضاً، أغنية «يوم الهنا» وهي أغنية وطنية من طراز خاص، تتغنى بيوم الهنا يوم انتصار أكتوبر/تشرين الأول العظيم. كما وزع هاني شنودة العديد من ألحان محمد سلطان لفايزة أحمد، ومنح تلك الأعمال لمسة جاذبة بشكل كبير، ومنها أغنية «على وش القمر».
من الأمور اللافتة عند هاني شنودة، براعته التامة في كل مجال موسيقي، فلا يمكن القول إنه تفوق في لون على لون آخر، أو أنه لمع في هذا النوع أكثر من ذاك، فهناك ممن عاصروه من برع في الموسيقى التصويرية مثلاً، لكنه لم ينجح في تلحين الأغنية العاطفية. بينما نجح هاني شنودة نجاحاً كبيراً في التلحين للأطفال، وتأليف الموسيقى التصويرية للأفلام والمسلسلات والسهرات الدرامية، وتلحين الأغنية الحديثة بتنوع شديد من باليت موسيقي رائع. كما برع في تأليف المقطوعات الموسيقية البحتة، ونجح في أن تحظى تلك المقطوعات بشعبية كبيرة لدى الجمهور، مثل مقطوعتي «لونجا 79» و»لونجا 85».
كانت موسيقى هاني شنودة شريكاً أساسياً في أفلام سينمائية راسخة في الذاكرة والوجدان، كمجموعة كبيرة من أفلام عادل إمام، منها «عصابة حمادة وتوتو»، و»شمس الزناتي»، و»المشبوه»، و»الأفوكاتو». وكذلك فيلم «غريب في بيتي» لنور الشريف، والعديد من الأفلام الأخرى. ومسلسلات مثل «عائلة الأستاذ شلش». لم تكن موسيقى هاني شنودة التصويرية تثقل بحضورها على الفيلم ولا تجثم على أنفاسه، وإنما كانت تمتزج به تمام الامتزاج بحضورها الخفيف، ودقة تعبيرها عن المشهد أو الشخصية أو المعنى العام، فهي موسيقى تم تأليفها وفق رؤية فنان بارع، يتلقى الفيلم وقصته أولاً بحس فني عميق، ثم يكمل عنصراً من أهم عناصره وهو الموسيقى التصويرية. فكانت تلك الموسيقى جزءاً أساسياً في عملية التلقي، بها يتضح المعنى ويكتمل الإحساس، وتمنح المتفرج خيالاً مضاعفاً من خلال السماع، بخفة الحضور التي اتسم بها هاني شنودة طوال حياته، سواء في موسيقاه أو في وجوده بيننا. كان هو ذاته نغمة من أجمل ما يسري في وجدان الوطن من أنغام، نغمة مصرية سافرت إلى السماء.
كاتبة مصرية