إذا كان الاحتلال الإسرائيلي هو مجرم الحرب الأول، والثاني والثالث والعاشر، المسؤول عن المقابر والمدافن الجماعية المعلومة والتي تنتظر الانكشاف، في قطاع غزّة؛ فإنّ سلسلة أنساق من التواطؤ أو المواربة أو التعتيم، فضلاً عن تجميل المجازر وإعادة تصويرها في تمثيلات زائفة وملتوية، تقف خلفها منظمات دولية تزعم اعتناق مبادئ معاكسة تماماً، وترفع عموماً رايات حقوق الإنسان والقانون الدولي.
هذا موضوع كتاب «حفّارو قبور غزّة: تحقيق حول فساد في مواقع عالية»، الذي وقّعه الأمريكي نورمان فنكلستين ويصدر بالإنكليزية ضمن منشورات OR Books. وكما هو معروف، يُتفق عموماً أن المؤلف حجّة كبرى غزير الإنتاج، من حيث الكمّ والكيف معاً، في شؤون ما أسماه «صناعة الهولوكست» والإتجار بعذابات اليهود خلال الحقبة النازية للتغطية على جرائم الحرب الإسرائيلية وتجميل قبائح دولة الاحتلال على اختلافها. هو، إلى هذه السمة المحورية، مؤرّخ وعالم اجتماع مرموق وسبق له أن درّس العلوم السياسية في جامعة نيويورك، وقد لا يصحّ إغفال الإشارة إلى أنه يهودي بالولادة وسليل أسرة ناجية من المحرقة…
ومنذ بدء حرب الإبادة الإسرائيلية ضدّ قطاع غزّة، في تشرين الأول (أكتوبر) 2023، لم يتوقف فنكلستين عن تسليط الأضواء على الجرائم الإسرائيلية الأشدّ دموية وبشاعة وانتهاكاً لحقوق الإنسان والقانون الدولي؛ ولكنه، في هذا الكتاب الجديد، يتوغل عميقاً في ما يضعه تحت تصنيفات ممكّني الإبادة الجماعية ومسهّلي تنفيذها وموفّري مختلف المساعدات والوسائل والإمكانيات التي أتاحت الذهاب بها إلى مستويات قصوى غير مسبوقة في تاريخ البشرية. وهذه، وهؤلاء، منظمات متنوعة الاختصاصات ومتغايرة الأدوات ومتعددة الأغراض؛ بينهم، أو بالأحرى على رأسهم، أولئك الذين يتخصصون في تشويه الحقائق والمناورة على العدالة، على سبيل حرفها تماماً عن مظاهرها الصارخة كي تنقلب إلى مسوغات وذرائع وتغطيات وأضاليل.
وفي عداد الجهات التي يتولى فنكلستين إخضاعها لعدسته الفاحصة المكبّرة، يعثر المرء على ممثل خاصّ للأمم المتحدة يتطوع لإسباغ مصداقية تامة على حملة تشويه إسرائيلية منظمة، أو موظفين كبار في أعلى محكمة دولية يحرفون القوانين دفاعاً عن دولة الاحتلال، أو حتى بعض منتقدي دولة الاحتلال ممّن ينخرطون في شبكات تواطؤ تسعى لانتفاء صيغة الإبادة الجماعية والاكتفاء باعتبارها أعمال عنف قاسية. وبهذا المعنى فإنّ الكتاب أقرب إلى نفير صريح وساطع الحجج يدعو إلى المساءلة والمحاسبة والتعرية، على نحو يستهدف الدرجات الأعلى من التحذير والنذير من تكرار «عمل الشيطان» والتغطية عليه، وصولاً إلى تجميل إراقة الدماء والتصفية العرقية والتجويع والتعطيش.
معروف أنّ كتاب فنكلستين ”صناعة الهولوكوست: تأملات في استثمار المعاناة اليهودية”، 2003، برهن أنّ توظيف مآسي اليهود كان، ويظلّ، صناعة حقيقية، بل وصناعة ثقيلة أيضاً؛ سال فيها وحولها مداد كثير، وصُرفت عليها أموال طائلة، استهدفت تحويلها إلى قوّة جبّارة تستثمر العذاب وتبيعه، بعد تضخيمه وتحريفه وابتذاله. ورغم أنّ الكتاب كرّاس صغير نسبياً (أقلّ من 150 صفحة) بالقياس إلى أعمال فنكلستين السابقة حول القضية الفلسطينية وتاريخ إقامة دولة الاحتلال، فإنّ أهميته الأبرز تكمن في إسقاط الأقنعة عن سياسة تصنعها الملايين والمليارات؛ وما ينشأ عنها من مؤسسات هائلة تعمل في خدمة تبييض الجرائم الإسرائيلية أوّلاً، وفي تنقية صفحتها لجهة انتهاك حقوق الإنسان وإعادة إنتاج التقاليد النازية ذاتها ثانياً.
و»العوايني»، في التعبير الشامي العريق الذي يعود إلى حقبة الانتداب الفرنسي على سوريا، هو التسمية الشعبية للمخبر والعميل والمعاون، أداة الاستعمار ولاحقاً خادم الاستبداد والطغيان؛ وليست الصفة كثيرة على الفئات التي يعرّيها فنكلستين في كتابه الجديد، لجهة اشتراكها في أشغال حفّاري قبور أهل غزّة، أياً كانت وظائفهم الأصلية ومقاصدهم المُغْفلَة خلف أقنعة شتى.