أعلنت لجنة نوبل النرويجية، أمس الجمعة، منح جائزة السلام لعام 2026 للقاضية الجنوب أفريقية نافانيثيم (نافي) بيلاي، تقديراً لدورها في تعزيز القانون الدولي وملاحقة مرتكبي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية. لقي القرار ترحيباً دولياً واسعاً، من الأمم المتحدة إلى المؤسسات القضائية والحقوقية، فيما أثار الإعلان غضبا إسرائيليا عارما تجسّد بتصريحات لوزارة الخارجية الإسرائيلية تتهم القاضية بالترويج للأكاذيب والكراهية، وتشبهها بجوزيف غوبلز، وزير البروباغاندا النازي، وتتهم لجنة نوبل التي انتخبتها بـ»تبني خط دعاية يخدم حركة حماس».
تتابع التهجّمات الإسرائيلية على بيلاي حملات سابقة على القاضية الشهيرة منذ ترؤسها لجنة التحقيق الدولية المستقلة التي خلصت، في أيلول/ سبتمبر 2025، إلى أن إسرائيل ارتكبت إبادة جماعية في غزة. لكنّ ما يميز هذا التقرير الأخير أنه كان خاتمة لمسيرة حافلة للقاضية التي بدأت مع النضال ضد الفصل العنصري في جنوب افريقيا، مرورا بدورها في محاكمات المسؤولين عن جرائم الإبادة في رواندا والتحقيقات الدولية المتعلقة بجرائم الحرب، وهو ما يجعل الإبادة التي جرت في غزة جزءا من مسار قانوني عالميّ لا يمكن فصل حلقاته، ولكونه يضع القضية الفلسطينية في ذروة هذا المسار، فهو يسلّط الضوء بشدّة على الدور الإسرائيلي فيه، ويحول الجائزة من تكريم لشخصية قضائية دافعت عن عالمية القانون إلى مناسبة كبرى لإدانة الإبادة الإسرائيلية ولاستقطاب سياسي عالمي مذهل في تنوّعه ومعانيه العميقة.
يمكن قراءة هذا الاستقطاب في سياق تحوّلات كبيرة تشهدها فضاءات السياسة والثقافة والهوية في العالم، حيث أصبحت فلسطين علامة «براند» هائل تنفتح في مجالات الانتماءات الأيديولوجية والسياسية والثقافية.
يظهر هذا مثلا، في تحوّل فلسطين إلى قضية انتخابية ضمن الاتجاهات السياسية الغربية، كما شهدنا مؤخرا حين استعاد حزب «الخضر» البريطاني القرار الأممي (الذي تم التخلّي عنه في عام 1991) اعتبار الصهيونية حركة عنصرية، وكما شهدنا، في المواقف السريعة التي اتخذتها حكومات يمينية جديدة في أمريكا اللاتينية (كولومبيا) وأوروبا (سلوفينيا)، بعد تشكيل حكومات يمينية، من نقض للمواقف التي اتخذتها الحكومات اليسارية تجاه فلسطين. آخر أشكال هذه الظاهرة تبدّى في دعوة بنيامين نتنياهو للمرشح الرئاسي فلافيو بولسونارو لإسرائيل، كرد على مواقف الرئيس الحالي لويس لولا دا سيلفا الداعمة للفلسطينيين.
الجانب الأعمق لهذه القضية يتبدّى في أنها لا تقتصر على الحكومات بل دخلت في عمق الانتماءات الشخصية. في الاحتجاجات الطلابية الفرنسية الأخيرة، على سبيل المثال، ظهر إلوان بونوا، طالب الثانوية ذو السابعة عشر عاما، مرتديا الكوفية الفلسطينية، وهو يناقش أوضاع التعليم والتفاوت الاجتماعي والتهميش الذي تتعرض له الضواحي الفرنسية. وانتشر فيديو له وهو يواجه إعلاميا يمينيا حاول أن يفنّد طروحاته فانقلب الأمر ضده، ليصبح الطالب رمزا للاحتجاج الشبابي، وتتداول تسجيلاته جماهير كثيفة فرنسية وعربية.
تكتسب جائزة بيلاي، للأسباب الآنفة، أهمية كبرى كونها تأتي في لحظة لم يعد الصراع يدور فيها حول تطبيق القانون الدولي فحسب، بل يناقش أيضا شرعية المؤسسات التي تحتكم إليه، وسلطات تعريف الجرائم والضحايا، ومن يستحق الاعتراف الأخلاقي العالمي فعلا، وذلك بعد أن غدت المؤسسات التي يفترض بها حراسة القيم الكونية جزءا من الصراع حول تلك القيم.
المفارقة الكبرى هنا أن القضية الفلسطينية تحقق حضورا متزايدا في الوعي السياسي والثقافي العالمي، لكن هذا الحضور الكثيف لا يتحوّل، للأسف، إلى حماية فعلية للفلسطينيين، أو انتقال الاتهامات لمرتكبي الجرائم بحقهم إلى طور أعلى.
في تعليقها الأول عقب تلقيها خبر حصولها على الجائزة قالت بيلاي: «آخر شيء قمت به هو إعداد تقرير غزة الذي يصف ما يحدث هناك بأنه إبادة جماعية»، وتابعت: لماذا تحتاج إلى الشجاعة لقول الحقيقة؟ أنت تفسّر القانون وتنظر في جميع الحقائق، لذا فهو قرار نزيه». بفوزها، عمليا، حوّلت بيلاي السؤال إلى مسؤولية أخلاقية إنسانية عامة.