العالم العثماني للرياضة… الأجساد والذكورة والسياسة بدايات القرن العشرين


في العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر، أخذت إسطنبول تعرف مشهدا جديدا لم يكن مألوفا بالصورة نفسها من قبل. داخل بعض المدارس ظهرت صالات للجمباز، وفي ساحاتها بدأ الطلاب يركضون ويلعبون بالكرة، وانتشرت تدريجيا أدوات التدريب والأثقال وتمارين تقوية الجسد، ثم خرجت هذه الممارسات من المدرسة إلى النادي والصحافة والفضاء العام. ومع بدايات القرن العشرين صار بالإمكان رؤية شبان يرتدون الملابس الرياضية، يقفون أمام الكاميرات بأجساد مشدودة وصدور عريضة، أو يشاركون في سباقات وعروض جمباز ومباريات كرة قدم يتابعها جمهور متزايد. هذه المشاهد لم تكن مجرد علامة على انتشار الرياضة، بقدر ما كانت تعبر عن تحول أوسع في نظرة سكان العاصمة العثمانية إلى الجسد، وإلى الطريقة التي ينبغي للشاب أن يستخدم بها وقته ويعتني بصحته ويظهر أمام الآخرين.
جاء هذا التحول في لحظة تاريخية كانت فيها الدولة العثمانية نفسها تعيش مرحلة طويلة من إعادة التفكير في مؤسساتها ومجتمعها. فمنذ إصلاحات القرن التاسع عشر، توسعت المدارس الحديثة، وازدادت أهمية الطب والعلوم والتعليم النظامي، وظهرت أسئلة جديدة حول علاقة الفرد بالدولة والجماعة. وفي أوروبا أيضا كانت التربية البدنية تتحول إلى جزء من التعليم الحديث، في ما ربط الأطباء والمربون والضباط، بين صحة الأفراد وقوة المجتمعات. القوة الجسدية أخذت معنى يتجاوز الفرد، وأصبحت جزءا من خطاب واسع يرى أن المجتمع القوي يحتاج إلى رجال أصحاء ومنضبطين وقادرين على العمل والخدمة العسكرية.
هذه الأفكار وصلت إلى إسطنبول عبر الكتب والترجمات والمدارس والمدربين والصحافة والاحتكاك المتزايد بأوروبا، ثم أعيدت صياغتها داخل بيئة عثمانية شديدة التنوع. كان سكان المدينة يتحدثون التركية العثمانية والأرمنية واليونانية واللادينو والفرنسية والإنكليزية والألمانية، وظهرت بالتوازي مفردات جديدة لوصف الرياضة والجمباز والتدريب البدني. ومع الوقت أصبح الحديث عن الجسد جزءا من النقاش حول التعليم والأخلاق والرجولة ومستقبل المجتمع. هذا العالم هو ما يستعيده مراد ج. يلدز في كتابه «العالم العثماني للرياضة: إعادة تشكيل الأجساد والرجال والجماعات في إسطنبول العثمانية المتأخرة»، حيث تظهر الرياضة باعتبارها نافذة لفهم مدينة كانت تعيد تشكيل علاقتها بالجسد والهوية والحداثة.
في هذا المناخ ظهرت صورة جديدة للرجل الشاب. الجسد المرغوب لم يعد مجرد جسد قوي يستطيع رفع الأثقال أو الانتصار في المصارعة، وإنما جسد متناسق ومنظم تدل هيئته على الانضباط والعناية بالنفس. كانت العضلات الواضحة، والخصر النحيل، والظهر المستقيم، والصدر العريض، والنظافة والمظهر الرياضي تدخل جميعها في تكوين نموذج جديد للرجولة. واكتسبت هذه الصورة أهميتها لأنها ارتبطت بفكرة أوسع عن الإنسان الحديث الذي يستطيع السيطرة على وقته وعلى عاداته وعلى جسده، ويعرف كيف يدرب نفسه بصورة منتظمة وفق قواعد واضحة.


بالتدريج، صار وقت الفراغ نفسه جزءا من هذا التحول. فالشاب المتعلم الذي ينتهي من المدرسة أو العمل بات أمام تصور جديد لما ينبغي أن يفعله بالساعات التي تبقى له. الرياضة قدمت باعتبارها نشاطا مفيدا يجمع بين المتعة والتربية والانضباط، ووجدت هذه الفكرة صدى خاصا لدى شرائح من الطبقة الوسطى الصاعدة التي كانت ترى في التعليم واللباس والسلوك المنظم وسائل للارتقاء الاجتماعي..
وتظهر هذه التحولات بصورة واضحة في قصة الشاب الأرمني فهرام بابازيان، وهي من أكثر القصص دلالة في الكتاب. ولد بابازيان عام 1892 في أسرة أرمنية تعيش في إسطنبول. لم تكن عائلته ثرية، وكان والده يعمل في توزيع الصحف، لكنه أولى تعليم أبنائه أهمية كبيرة، فدرس فهرام أولا في مدرسة أرمنية ثم انتقل وهو في سن المراهقة إلى روبرت كوليج، مدرسة أميركية في اسطنبول. وهناك وجد نفسه داخل بيئة تعليمية تمنح النشاط البدني مساحة واضحة إلى جانب الدراسة.
في روبرت كوليج، لم تكن الرياضة حدثا هامشيا. كانت هناك صالة للجمباز ومساحات للتدريب ومسابقات رياضية، وأصبح بابازيان واحدا من أبرز العدائين بين الطلاب. المدرسة منحته فرصة التعرف إلى عالم جديد من التدريب، لكنها كانت أيضا بداية لمرحلة أخرى، إذ وجد أن ممارسة الرياضة داخل الحرم الدراسي لم تعد تكفي طموحه. أراد الانضمام إلى ناد رياضي، وهو قرار يعكس المكانة المتزايدة التي بدأت الأندية تحتلها في حياة شباب إسطنبول .
طريقة دخوله هذا العالم تكشف الكثير عن معنى النادي في ذلك الوقت. فقد زار عددا من الأندية الأرمنية، وقدم طلبات للعضوية، وكان عليه أن يظهر قدراته الرياضية ويثبت حسن سلوكه وقدرته على دفع الرسوم. وهكذا لم يكن النادي مجرد مكان مفتوح يأتي إليه الشاب ليتمرن ثم يغادر. العضوية نفسها كانت علاقة اجتماعية، يدخل الفرد من خلالها إلى مجتمع صغير له قواعده وأعضاؤه وطقوسه وروابطه الخاصة. وقد انتشرت هذه الأندية بسرعة كبيرة، خصوصا بعد ثورة 1908 التي وسعت المجال أمام الجمعيات والمبادرات الاجتماعية، وبحلول عام 1912 كان أمام شباب إسطنبول أكثر من أربعين ناديا رياضيا موزعة في أحياء مختلفة من المدينة. بعض هذه الأندية ارتبط بجماعات أرمنية أو يونانية أو يهودية، وبعضها جمع شبانا من خلفيات مختلفة. وهنا تظهر إحدى أكثر مفارقات هذه المرحلة إثارة. فقد ساهمت الرياضة في خلق أوجه تشابه واضحة بين شباب ينتمون إلى جماعات دينية ولغوية مختلفة، وفي الوقت نفسه ساعدت تلك الأندية على تقوية الروابط داخل كل جماعة. الشاب الأرمني يستطيع أن يؤدي التمرين نفسه الذي يؤديه الشاب المسلم أو اليوناني، ويستطيع الجميع أن يلعبوا كرة القدم بالقواعد الدولية نفسها، لكن النادي قد يظل مرتبطا بلغته وجماعته وطقوسه الاجتماعية. وهكذا لم تنتج الرياضة هوية واحدة بقدر ما صنعت فضاء تتجاور فيه هويات متعددة، وتتفاعل داخله من دون أن تختفي الفوارق بينها.
بعد عام 1908، اتخذ هذا العالم اتجاها أكثر تنظيما، بدأت وزارة المعارف العثمانية تهتم بصورة أوضح بالتربية البدنية، وبرزت الحاجة إلى متخصصين يستطيعون تدريب الطلاب والمعلمين ونشر أساليب جديدة للتمرين. وفي هذه المرحلة أصبح سليم سري واحدا من أبرز الأسماء المرتبطة بالتربية البدنية، وصار حضوره مرتبطا بمحاولة تحويل التدريب الجسدي إلى معرفة منظمة يمكن تدريسها وتعميمها. هذا التطور جاء في مرحلة شديدة الحساسية في تاريخ الدولة فالإمبراطورية كانت تواجه ضغوطا عسكرية وسياسية متزايدة، وخسارة الأراضي والأزمات المتلاحقة جعلت مسألة قوة المجتمع وقدرته على الصمود أكثر حضورا. في هذا السياق، لم يعد الجسد المدرسي موضوعا تربويا خالصا، لأن الصحة والانضباط والقدرة على التحمل، كانت ترتبط أيضا بمستقبل الرجال الذين سيصبحون جنودا وموظفين وأعضاء في المجتمع.
ولهذا اتسعت الصلة بين التربية البدنية والخدمة العسكرية، الطالب الذي يتعلم النظام داخل صالة الجمباز، ويلتزم بتوقيت محدد ويكرر الحركات ويقوي جسده، كان يقدم صورة لنوع من الرجال ينسجم مع فكرة المجتمع المنظم. ومن هنا أصبحت اللياقة البدنية جزءا من لغة الإصلاح، مثلها مثل التعليم والنظافة والصحة العامة. الجسد أصبح مجالا يمكن أن تتدخل فيه المدرسة والدولة والمدرب والطبيب، وكل طرف منها يحاول أن يحدد الشكل الذي ينبغي أن يكون عليه الرجل الحديث. ومع اتساع النشاط الرياضي، خرج الجسد من المدرسة والنادي وأصبح معروضا أمام جمهور أكبر. أقيمت مهرجانات واستعراضات جمباز ومسابقات رياضية، وبدأت الصحف تنشر صور الرياضيين وتتابع أخبار النوادي والفرق. هذه العروض لم تكن مجرد مناسبات ترفيهية، لأن ظهور مجموعة من الشبان الأقوياء والمنظمين أمام الجمهور كان يحمل رسالة عن الجماعة التي ينتمون إليها.
الأمر نفسه أخذ يظهر على مستوى الإمبراطورية. فالدولة العثمانية عاشت طوال القرن التاسع عشر في ظل صورة أوروبية متكررة تصفها بـ»رجل أوروبا المريض». الهزائم العسكرية وفقدان الأراضي والضغوط الدولية جعلت هذه العبارة تختصر، بالنسبة إلى كثيرين في أوروبا، وضع الإمبراطورية. لذلك اكتسبت صور الشبان الرياضيين معنى إضافيا، في مقابل صورة الرجل المريض، كانت تظهر أجساد مستقيمة وقوية ومتعلمة ومعتادة على أساليب التدريب الحديثة. لهذا السبب مثلا تضمنت الألبومات التي أرسلها السلطان عبد الحميد الثاني إلى الولايات المتحدة وبريطانيا، صورا لطلاب يمارسون الجمباز. الصورة هنا كانت تحمل رسالة عن المؤسسات التعليمية الحديثة وعن شباب يمكن تقديمهم بوصفهم وجها آخر للإمبراطورية .ومع الألعاب الأولمبية والمباريات الدولية، اتخذت هذه الفكرة بعدا أكثر وضوحا. فحين يشارك الرياضي في حدث داخل إسطنبول، يستطيع أن يمثل مدرسته أو ناديه أو جماعته. أما عندما يسافر إلى الخارج، فإن حدود التمثيل تتسع، ويصبح اللاعب مرتبطا بصورة المدينة والدولة أمام جمهور خارجي.
في يونيو 1914، تلقى فريق فنربخشه دعوة للعب مباريات في أوديسا تعاملت الصحافة العثمانية مع الحدث بحماس، وتحول الحديث عن الرحلة إلى نقاش حول الفريق الذي سيمثل المدينة خارج حدود الإمبراطورية. ظهرت فكرة تشكيل فريق تركي مختلط، وتابعت الصحف أسماء اللاعبين وقدراتهم واستعدادهم للمواجهة. لم تعد المسألة تتعلق بنتيجة مباراة فقط، لأن نجاح الفريق في الخارج أصبح مرتبطا بسمعة الرياضة العثمانية، وبالقدرة على رفع اسم العثمانيين أمام الآخرين.
كان توقيت هذه الأحداث لافتا. فالمباريات الدولية والأحاديث عن الفرق والتمثيل جرت عشية الحرب العالمية الأولى، في وقت كانت فيه الدولة تدخل واحدة من أخطر مراحل تاريخها. وهنا تبدو المسافة التي قطعتها الرياضة خلال بضعة عقود واضحة جدا، من تمارين محدودة داخل بعض المدارس، إلى نواد منتشرة في أحياء المدينة، ومن سباقات محلية إلى فرق تحمل اسم إسطنبول والدولة إلى الخارج.
لهذا تبدو قصة الرياضة في إسطنبول العثمانية أقرب إلى قصة اجتماعية عن إعادة اكتشاف الجسد.. فخلال بضعة عقود، تحول الجسد من أمر شخصي وطبيعي إلى شيء يمكن تدريبه وقياسه وتنظيمه وتصويره وعرضه أمام الآخرين. المدرسة منحته شرعية تربوية، والنادي منحه جماعة وشبكة اجتماعية، والدولة ربطته بالصحة والانضباط والخدمة والصحافة .

كاتب سوري



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *