نظراً لتغوّل الوحوش عالميا بات «الوحش داني» رجلا طبيعيا


«الوحش» بين محترف الممثلين ومسرح مونو تميزت بالعاطفة والإنسانية

بيروت ـ «القدس العربي»: لم يكن للوحش أن يستمر في عدائيته وفق الجرعة العالية التي مدّه بها المخرج جاك مارون في خريف 2019. فـ»وحش» ربيع 2026 استوعب الجرعة المتوسطة، فرّغ الشحنة الكبيرة من شرّه العاتي خارج الحانة التي وصلها، ليجد امرأة تسرح وتمرح وحيدة. يخبرها عن جرح يده بعد سؤالها، وبشجاره مع رجل، وضربه دون هوادة… وربما يكون قد فارق الحياة. تخفف عنه بالقول «طمن بالك ما بيكون مات».

كارول عبود المرأة التي كانت تتمايل في الحانة، ممثلة يليق بها مسرح مشغول بالقلق والخوف، والمشاعر الإنسانية كما في مسرحية «الوحش». تمكنت من تطويع شخصية «بيرتا»، عجنتها وانصهرت معها. جمعتها الصدفة «بداني» الممثل دوري السمراني المشحون حتى الثمالة بالطاقة السلبية والباحث عن «خناقة» لتصريفها.
بين مسرح محترف الممثلين الحميم جداً، والذي نكشه تفجير المرفأ وبعثره ومسرح مونو، كادت مسرحية «الوحش» أن تُصبح في مكان مختلف لجهة نبرة بطليها وطاقتهما. لم يختلف المضمون كثيراً. انما أتت بعض اللمسات لتضفي بعداً آخر على الممثلين، مع الإضافات الواضحة جداً في الشكل والسينوغرافيا، سيما على صعيد الخشبة.
قد يكون المتلقي الذي شاهد النسخة الأولى من «الوحش» متأثراً بكم كبير من الحدّة والعصبية التي ميّزت شخصية «داني»، تفاجأ بأنه بات يطلب الحب، ويحتاج للعواطف الإنسانية العميقة، لا بل هو بات ينشد الرومنسية.
تفسير المخرج جاك مارون لهذا التغيير: «أنا تغيرت ورِقِتْ». وهكذا هدأ «داني» وبات يحمل مشاعر إنسانية خاصة بعد تذوقه لأهمية الحب في حياة البشر. تأنسن «داني» وترك حكّام العالم وحوشاً «فلتانين» على غاربهم. هنا حوار مع المخرج جاك مارون:
○ بعد سبع سنوات تجدد حماسك لمسرحية «الوحش». لماذا؟
• ارتبطت مسرحية «الوحش» بمسيرة محترف الممثلين، وولدت في مرحلة تطويره، وإضافة مزيد من المقاعد. هدف فكرة العرض المسرحي في المحترف دعوة الأصدقاء المقربين، والراغبين بمشاهدة أسلوب عملنا. خلال إعدادي للعرض المسرحي أهتم كمخرج بما يُعرف بالتركيبة أو التوليفة. افتتحنا العرض الأول لعودة «الوحش» بعد مرور سبع سنوات على عروضها السابقة في المحترف الذي هشّمه تفجير المرفأ. فبعد عروض قليلة في المحترف، كانت المسرحية بصدد الانتشار الواسع، خاصة مع قرار نقلها إلى مسرح مونو، ولم يحصل. والأهم أن المحترف وحُلمي اندثرا ولم أعد أملك حافز الاستمرار فيه، بانتظار فرصة أخرى في مكان آخر.
○ وهل تتخفف من القلق عندما يصل العرض إلى الجمهور كما حصل في مونو؟
• بل أشعر بالفراغ. بكل بساطة إنه هورمون الدوبامين الذي تحفزة الفكرة والهدف والعمل. كان العرض الأول في مونو، ومباشرة شغلني السؤال ما هو التالي؟ تركيبي الجيني يقوم على الحماس بخلق الأشياء وتحقيقها. وهكذا دواليك.
○ تتحدث عن التالي وكأنك بفراغ واكتئاب ما بعد الولادة؟
• فعلاً هو الفراغ، لأني كمسرحي اُدمن التمارين والبروفات. أتمنّى لو توفرت الإمكانات المادية المساعدة في إيجاد فريق عمل أكبر. وأن تنطلق العروض بدون حضوري اليومي إلى المسرح، لأتمكن من التفرّغ لإعداد تركيبة مسرحية جديدة.
○ لكنك تحظى بفريق عمل جيد حالياً؟
• بل رائع، وبدونه لما تمكنت من العمل. إضافة إلى مساندة مديرة مسرح مونو جوزيان بولس، وأغوب درغوغاسيان، وجورج عبود، سندي الفعلي في الإنتاج والذي أتعاون معه منذ سنة 2011. ورنا اسطيح السند المعنوي والإعلامي. إنها صداقات مهمة لي على الصعيد الشخصي. للأسف ولكوننا في بلد أزمات، يتغير فريق العمل في المسرح أو السينما باستمرار. ومهمة تدريب أشخاص جدد بعد تبدّل فريق العمل ليست لطيفة. مع فريق لا يتبدّل، ومتفاهم بالإشارة تسير الأمور بسرعة أكبر. ويتمكن المخرج من تقديم أكثر من عمل مسرحي في العام.
○ إنها شكوى العديد من المخرجين المميزين في لبنان؟
• شكوت لأن كثيرين وخاصة المسؤولين بالدولة يرددون «جاك بليز ما تْوَقِف». لكن أحداً منهم لم يسألني أو يسأل غيري من المخرجين ما هو المطلوب للاستمرار؟ وماذا نحتاج لنواصل العمل؟ وليس ضرورياً أن يكون المال هو ما نحتاجه. وهذا السؤال يبدأ من وزارة الثقافة التي أجهل ما هي وظيفتها.
○ حتى خلال افتتاح «الوحش» سألت عن وزارة الثقافة وأين هي؟
• نعم أسأل. هل وظيفتها الاهتمام بالآثار واليونسكو؟ وفي لبنان مكتب قائم لليونسكو وليس بحاجة لوزارة الثقافة. أقله أن تتعرّف تلك الوزارة إلى صنّاع الفنون في لبنان ولو بالشكل.
○ لنعد إلى المسرحية. بين ربيع 2019 وربيع 2026 اكتشفنا الوحش مروضاً ومؤنسناً. لماذا؟
• نعود إلى سنة 2019 حيث بدأت العروض في محترف الممثلين، وكنا حيال حجز لبدء العروض في الخريف في مسرح مونو، لكنّ الثورة سبقتنا وتوقفت عقارب الساعة. وجاء الانهيار المالي، وجائحة كورونا، ومن ثم التفجير. وإثر هذا الموج من الأزمات الكبرى لم يعد المسرح يشغلني، ولا سواه من المشاريع. وكثير من الفنانين والمخرجين لم يكن لديهم ما يقولونه. في حين نجّمت مجموعة من الفنانين الجدد خلال هذه الأزمة. كنت أحتاج لأن أشحن ذاتي بالحوافز للعودة إلى المسرح. مرحلة ابتعاد ساهمت إيجاباً بتنشيطي كشخص لأكون منتجاً حتى خلال الأزمة. رداً على السؤال ما بداخلي انعكس على مسرحية «الوحش» في صورتها الحاضرة. أظنني بت أكثر اطمئناناً وهدوءاً من السابق.
○ مشاعرك الحالية انعكست على شخصية «داني»؟
• قرأت المسرحية المرة الأولى في الـ20 من عمري. لم أكن في وضع وتجربة إنسانية تسمح لي باستيعاب هذا الكم من المآزم النفسية لهاتين الشخصيتين. أخرجتها سنة 2019. لكني الآن أكثر نضوجاً، وأوسع تجربة مما كنته قبل سبع سنوات.
○ تشعر بأن نضجك وتجربتك انعكستا على العرض المتجدد؟
• لأنني أرغب بمعالجة الموضوعات الإنسانية بهذه الطريقة، فمن الضروري أن أتمكن من فهم مكنونات الشخصية. وربما يفهم كل من كارول عبود ودوري السمراني الشخصية بعمق أكبر. خاصة وأن دوري في سنة 2019 كان مبتدءاً، وكان من ضمن مجموعة تلقت تدريباً في محترف الممثلين. كما أني سلّمت النص لكارول عبود سنة 2016. مسرحياتي تُطهى على نار الفحم وبهدوء قبل الإعلان عنها. شخصيتي في الحياة تطبعها الفوضى والعجقة والثورات البركانية، بعكس عملي المسرحي إخراجاً وإنتاجاً، فهو غاية في الهدوء.
○ وكأنك أخذت الوحش إلى مكان آخر مختلف عن 2019؟
• رغبته في عروض المحترف حميماً. المحترف يفرض عرضاً في وسط غير مفتوح. أخذتني مخيلتي مع الوحش إلى مسرح صغير. برز التحدي بالانتقال إلى مسرح كبير، وتمثّل بالحفاظ على الحميمية نفسها. ولهذا قررت في تصميم الخشبة أن يقترب المسرح من الجمهور، فوصل لما فوق صف المقاعد الأولى. مسرح تم تصميه سنة 2019 ليرافق عروض الخريف في مونو، نفذه المهندس فادي سلامة، وكان ما يزال يحتفظ بالإسكتشات التي توافقنا عليها سابقاً.
○ وحش سنة 2026 تسربت إلى مفاصله مشاعر إنسانية مختلفة عن سنة 2019؟
• لأن الوحوش كثر في هذا العالم و«فلتانين» على الناس أينما كان لم يعد الوحش «داني» ذو أهمية. لهذا قلت للسمراني، نظراً لتغول الوحوش عالمياً بت يا دوري «زلمي طبيعي».
○ هل يشعر جون باتريك شانلي كم نحن بحاجة للحب وليس للحرب؟
• بات الكاتب جون باتريك صديقي. هو إنسان رومانسي، كتب مسرحيات وأفلاما إنسانية كثيرة. أحب أسلوب معالجته للوجع والحب. وأقدر عالياً علاقتي به.
○ شخصيتان مأزومتان.. هل يخلصهما الحب برأيك؟
• بعد ليلة لطيفة قضياها معاً، رفضت في الصباح عرض الزواج وقالت «مستحيل». بيرتا تخاف الحب وداني كذلك. من لحق به الأذى النفسي يصبح حذراً من أية تجربة جديدة. وضعت بيرتا الحواجز لتحمي نفسها، فالألم السابق لم يغادرها.
○ مع من تتعاطف كجاك مارون مع داني أم مع بيرتا؟
• بل أنا داني وبيرتا معاً. لست وحدي من يشبههما. جميعنا لدينا حواجز وكوابح على مختلف الصعد العاطفية والإنسانية والعنفية أيضاً. منهم من لديه قدرة العنف ومنهم من لديه الرغبة بالعنف، الأمر سيان. بشكل عام نحن شعب عنيف ننتظر المشكلة «ع المفرق». فجميعنا يعيش الصدمة.
○ كنت ممثلاً في آذار/مارس في مسرح مونو؟
• مثلت فعلاً مع جوزيان بولس بإدارة المخرجة لينا أبيض في مسرحية «كذبة بيضا»، من كتابة ألكسندر نجار. تقرر تقديم 40 عرضاً. قدمنا تسعة عروض والقصف الإسرائيلي يستهدف الباشورة القريبة منا. شكلت تلك المسرحية علاجاً نفسياً لنا جميعاً، وتناولت الحرب الأهلية، فيما القصف فوق رؤوسنا. ربحنا من هذه المسرحية الإلفة التي جمعتنا كفريق. وشكرنا كل من حضر، ولم نلّم من لم يحضر.
○ وكأن الحرب تحاصر حضورك على المسرح تضرب المواعيد وتسارع الحرب لإلغائها. ماذا تقول للحرب؟
• بل هي حاصرت وتحاصر حياتي منذ ولادتي. لم يعد عندي ما أقوله، خاصة وأن الكلام لا يؤتي بنتيجة. الهدوء الشخصي الذي أنشدده توثيق صلتي بالأرض، والزراعة حيث أتمكن، والاهتمام بالحيوانات الأليفة، وقضاء الوقت مع الأصدقاء المقربين. ولا أنسى أهمية المحبة في حياتي رغم كونها إلى تناقص بشكل عام. ألمس قساوة بين البشر نظراً للظروف غير الطبيعية التي نعيشها منذ سنوات. في الحرب الأهلية كان التعاون بين الناس أكبر، فيما نشهد الآن تنامي الممارسات السلبية. تفكك العائلات يضاعف ألمي. نفسياتنا تُدفع دفعاً نحو السوداوية، وما نعيشه من تقاعس المعنيين عن تقديم الخدمات البديهية كرفع النفايات من الشارع، يشكِّل اغتصاباً لنظرنا. وغير ذلك من البشاعات المنتشرة.
○ وهل يفصلك حضورك لساعات في المسرح عن الخارج؟
• لو كان سكني فوق المسرح تماماً لكنت شديد السرور. لبنان جميل جداً، إنما طريق الوصول إلى هذا المكان الجميل أو ذاك مزعج للغاية. ففي الطريق ينتفي جمال الرحلة.
○ ماذا عن محترف الممثلين في بيروت؟
• لست مستعداً للاستثمار في مشروع المحترف كما فعلت سابقاً. أهمية المراكز الثقافية والمسارح أن تستمر بغض النظر عن الأشخاص. تستمر المراكز الفنية من ضمن التراكم الذي تبنيه خلال مسيرتها، وهي ليست كما المؤسسات التجارية المنتقلة من الجد إلى الأب والأبناء. وعندما يدعونا وزير الثقافة مستقبلاً ليسألنا إلى ماذا نحتاج؟ سنقول له: إلى من يسمعنا فقط.
○ بالمناسبة رحبت بالوزير السابق زياد بارود كرجل سياسي وحيد حضر الافتتاح؟
• ولم تتم دعوته بصفته السياسية. نحن كعاملين في ميدان الثقافة نحتاج لمرجعية، لشخص يمكننا أن نقول له ألو.
○ في حال اجتمعت بالوزير غسان سلامة ماذا تسأله؟
• تعتقد وزارة الثقافة أن لقاء بين الوزير ومخرج أو مثقف أو أو.. سيكون المال ثالثهما؟ وهذا غلط. لست في وارد توجيه اللوم للوزير سلامة، إنما من حقي قول رأي.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *