تونس- “القدس العربي”: قال هشام العجبوني، الأمين العام لحزب التيار الديموقراطي في تونس، إن نظام الرئيس قيس سعيد يعمل على تفكيك المنظمات التي ساهمت في حماية البلاد لعدة عقود، على غرار اتحاد الشغل ورابطة حقوق الإنسان وغيرهما، مشيرا إلى احتمال قيام الاتحاد الأوروبي بإعادة النظر في شراكته معه، على اعتبار أنه “نظام فاقد للمشروعية ولا يمكن أن يكون شريكاً موثوقاً في ملف الهجرة أو غيرها”.
وقبل أيام، أثارت صحيفة “إل فوليو” الإيطالية جدلا واسعا في تونس بعدما تحدثت عن دعم روما لشخصية اقتصادية قالت إنها “خليفة سعيد” في الانتخابات المقبلة، فيما تحدث البعض عن “صراع نفوذ” بين روما وباريس في تونس أو “حرب بونيقية رابعة” (نسبة إلى الحروب السابقة بين إمبراطوريتي روما وقرطاج).
العجبوني: “إن نظاماً يقمع شعبه ويُفقّر مواطنيه ويُطارد صحافييه ومعارضيه لا يمكن أن يُنتج الاستقرار الذي يحتاجه الجوار الأوروبي”
وقال العجبوني، في حوار خاص مع “القدس العربي”: “لا يمكن فصل هذا الجدل عن السياق العام الذي تمرّ به تونس اليوم، وهو سياق يتّسم بأزمة حكم حقيقية وانسداد سياسي غير مسبوق”.
واعتبر أن مقال الصحيفة الإيطالية قد يعبّر عن حجم القلق الأوروبي الحقيقي من الوضع في تونس، ولا سيما على الصعيد الاقتصادي والمالي وكذلك الحقوقي، حتى وإن فقد الاتحاد الأوروبي مصداقيته جراء موقفه المخزي من الإبادة الجماعية التي ارتكبها الكيان الصهيوني في غزة.
وأضاف العجبوني: “ما يستوقفني في هذا الجدل هو ردّة الفعل الرسمية، فبدل أن تردّ السلطة على مضمون المقال بالأدلة والأرقام والإنجازات، تلجأ مجدداً إلى خطاب “التخوين”، وتُلقي باللوم على ما وصفه الرئيس بـ”الصفحات المشبوهة” والمدفوعة الأجر. وهذا الأسلوب بالذات، التشكيك في نيّات كل من يتجرّأ على انتقاد السياسات العامة، هو الذي يُعمّق أزمة الثقة بين الدولة والمجتمع التونسي والدولي”.
وتابع بقوله: “أما الحديث عن “صراع نفوذ” أو “حرب بونيقية رابعة” بين روما وباريس في تونس، فهو يُذكّرنا بمعادلة مؤلمة لا تزال قائمة: تونس بلد ذو سيادة مستلبة بفعل هشاشتها الاقتصادية، ما يجعلها ساحة لتجاذبات النفوذ الخارجي. والمسؤولية في ذلك تقع أولاً وأساساً على السلطة القائمة التي أضعفت البلاد وعزلت نخبها وفككت مؤسساتها، فمنحت بذلك الأطراف الخارجية هامشاً للتدخل والتأثير”.
وحول إمكانية “تخلي” أوروبا عن نظام سعيد رغم مساهمته الكبيرة في ملف المهاجرين غير النظاميين، قال العجبوني: “لا أودّ الانطلاق من مسلّمة “صحة ما ورد في المقال”، إذ تبقى تقارير الصحافة الأجنبية مهمة في رسم الصورة، لكنها ليست حكماً نهائياً. غير أن السؤال الجوهري يظل وارداً ومشروعاً: لماذا قد تعيد أوروبا حسابات شراكتها مع نظام سعيد؟”.
وأضاف: “الجواب في نظرنا مزدوج: أولاً: الشراكة الأوروبية المبنية على “تصدير الهجرة” واستخدام تونس حارساً للحدود هي شراكة هشة في أساسها وقصيرة النظر، لأنها بُنيت على متغيّر واحد، وأغفلت الاستقرار الحقيقي الذي لا يتحقق إلا بالديمقراطية وسيادة القانون وكرامة الإنسان”.
واعتبر أن “هذا النهج يضرّ بالتونسيين أولاً، لكنه يضرّ بأوروبا على المدى البعيد أيضاً، لأن نظاماً متعثراً وفاشلاً اقتصادياً وفاقداً للمشروعية إثر الإخلالات الجسيمة التي شابت الانتخابات الرئاسية لسنة 2024، لا يمكن أن يكون شريكاً موثوقاً لا في ملف الهجرة ولا في غيره”.
وأضاف العجبوني: “ثانياً: إذا كانت أوروبا تبحث الآن عن بدائل، فقد يكون ذلك مؤشراً على إدراك متأخر بأن نظاماً يقمع شعبه ويُفقّر مواطنيه ويُطارد صحافيييه ومعارضيه لا يمكن أن يُنتج الاستقرار الذي يحتاجه الجوار الأوروبي”.
العجبوني: “نحن لا نريد من أوروبا أن “تختار” بديلاً لسعيد، فاختيار قادة تونس شأن تونسي خالص. ما نطالب به هو ألا تقوم أوروبا بابتزاز النظام الحالي عبر التغاضي عن القمع مقابل لعب دور حارس الحدود”
واستدرك بقوله: “نحن لا نريد من أوروبا أن “تختار” بديلاً لسعيد، فاختيار قادة تونس شأن تونسي خالص. ما نطالب به كذلك هو ألا تقوم أوروبا بابتزاز النظام الحالي عبر التغاضي عن القمع مقابل لعب دور حارس الحدود، وأن تربط شراكتها بمعايير حقوق الإنسان والديمقراطية كما تنصّ على ذلك الاتفاقيات الخاصة”.
وعلق العجبوني على تراجع تونس في مؤشر حرية الصحافة بالقول: “الأرقام واضحة ولا تقبل التأويل: تونس تراجعت من المرتبة 75 سنة 2020 إلى المرتبة 137 سنة 2026 في تصنيف منظمة “مراسلون بلا حدود”، أي ما يعادل تراجعاً بنحو 62 مرتبة في ست سنوات فحسب. هذا ليس تراجعاً عرضياً، بل هو انهيار ممنهج لحرية الصحافة في بلد كان يُضرب مثلاً في المنطقة”.
واعتبر أن “الصورة التي يرسمها الواقع مؤلمة جداً: صحافيون خلف القضبان، أحكام سالبة للحرية، أكثر من مئة اعتداء على الصحافيين في سنة واحدة حسب نقابة الصحافيين، وسائل إعلام مستقلة تحت الضغط الإداري والقضائي والجبائي، ومرسوم 54 يتحوّل إلى سيف مسلط على كل صوت ناقد. والمفارقة الصارخة أن الإعلام العمومي، بدل أن يكون مرفقاً للمواطنين، تحوّل إلى منبر للخطاب الأحادي والبروباغاندا الداعمة للسلطة”.
وأضاف: “نحن في التيار الديموقراطي نطالب بالإفراج الفوري عن جميع الصحافيين المعتقلين، وفي مقدمتهم زياد الهاني وبرهان بسيس ومراد الزغيدي، ونطالب أيضاً بإلغاء المرسوم 54 الذي أصبح أداة قمع لا علاقة له بمكافحة الجرائم الإلكترونية، وتطبيق المرسوم 115، فلا يمكن أصلاً الحديث عن ديمقراطية في ظل غياب حرية الصحافة والإعلام”.
وحول الحملة التي تقوم بها السلطات على المنظمات الحقوقية ومنظمات المجتمع المدني، قال العجبوني: “ما يجري ليس حوادث متفرقة، بل مسار ممنهج يستهدف تفكيك كل الأجسام الوسيطة التي حمت تونس طوال عقود، على غرار الاتحاد العام التونسي للشغل والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان وجمعية النساء الديمقراطيات والمنتدى التونسي للحقوق الاجتماعية والاقتصادية وجمعية “محامون بلا حدود” وجمعية القضاة التونسيين، والعديد من المنظمات ووسائل الإعلام المستقلة. والذريعة دائماً واحدة: التمويل الأجنبي والإخلالات الإدارية أو المالية أو الجبائية”.
وأضاف: “نحن نعتبر أن هذه المنظمات تمثل جزءاً أصيلاً من النسيج الوطني، وما المطالبة بحقوق الإنسان إلا وفاءً لما نصّت عليه المواثيق الدولية التي صادقت عليها الدولة التونسية بإرادتها الكاملة. والتلويح بقانون التمويل الأجنبي لتصفية الجمعيات هو في حقيقته تصفية للفضاء المدني برمّته، وهو ما يعني أن تونس تسير بخطى متسارعة نحو نموذج الدولة المنغلقة التي لا تتحمل أي شكل من أشكال المساءلة والمراقبة والسلط المضادة”.
ولوحظ في الفترة الأخيرة تركيز الأحزاب التونسية في خطابها على الواقع المعيشي على حساب الحقوق والحريات والشرعية الدستورية.
وبرر العجبوني هذا الأمر بقوله: “بعد خمس سنوات من استنزاف المعارضة بالمسألة الحقوقية، آن الأوان للتركيز على المسألة المعيشية التي تهم الجزء الأكبر من التونسيين وأغلب شرائح المجتمع. للأسف الشديد، المسألة الحقوقية على أهميتها تبقى نخبوية ولا تحرّك الشارع”.
واستدرك بالقول: “رغم أن الفصل بين المسألتين مصطنع وخاطئ في أساسه، لأن الفقر والبطالة وغلاء المعيشة ليست مشكلة اقتصادية منفصلة عن الأزمة السياسية، بل هي ثمرتها المباشرة. فمن ألغى استقلالية القضاء، وقمع حرية الصحافة، وساهم بسياساته القمعية في تهجير الكفاءات وزجّ بنخبه السياسية والمدنية والاقتصادية والإعلامية في السجون، وأقصى المجتمع المدني، هو نفسه من يتحمّل مسؤولية الفشل الاقتصادي”.
العجبوني: من ألغى استقلالية القضاء، وقمع حرية الصحافة، وساهم بسياساته القمعية في تهجير الكفاءات وزجّ بنخبه السياسية والمدنية والاقتصادية والإعلامية في السجون، وأقصى المجتمع المدني، هو نفسه من يتحمّل مسؤولية الفشل الاقتصادي
واعتبر أن “التركيز على المعيشة وحدها دون ربطها بالحقوق والشرعية يُفرغ الخطاب المعارض من بوصلته الحقيقية، ويُغري بتقديم حلول ظرفية لأزمة بنيوية وهيكلية. ومن ثم، فإن أولويتنا هي بناء خطاب تكاملي يجمع بين مطلب الحرية ومطلب العيش الكريم، إذ لا ديمقراطية بلا عدالة اجتماعية، ولا تنمية حقيقية بلا حرية وسيادة قانون”.
ولخص العجبوني رؤيته لحل الأزمة في تونس بالقول: “على الصعيد السياسي، نطالب بالعودة إلى المسار الديمقراطي والتعددية الحقيقية، بوصفها الشرط الجوهري لأي إصلاح ممكن. وتحديداً: الإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع المعتقلين السياسيين ومعتقلي الرأي، وإعادة الاعتبار لاستقلالية القضاء، وإطلاق حوار وطني حقيقي تشارك فيه كل الأطراف”.
كما دعا إلى “إنهاء الحملة على الأحزاب والجمعيات والنقابات والإعلام المستقل، وصون العمل النقابي والحقوقي باعتباره حقاً دستورياً وليس منّة من السلطة”.
وعلى الصعيد الاقتصادي والاجتماعي، اعتبر العجبوني أنه “لا حل اقتصاديا مستداما في ظل غياب الثقة والشفافية والحكم الرشيد. وتونس بحاجة إلى إصلاح حقيقي يقوم على العدالة الاجتماعية وإعادة توزيع الثروة وتحقيق التوازن الجهوي، لا على اقتصاد تقشفي دون روية، ينهك المواطن ويفاقم تردي الخدمات والمرافق العمومية”.
وختم بالقول: “معركتنا هي معركة إعادة بناء تونس الديمقراطية، التي تحترم مواطنيها وشركاءها وتضمن لكل تونسي حق الحياة الكريمة في وطن حر وذي سيادة فعلية. وهي معركة نخوضها مع جميع شركائنا من أحزاب ومنظمات مدنية ونقابات ومستقلين، ونعتقد أن توحيد جهود الديمقراطيين والتغلب على التشتت هو الطريق الحقيقي للخروج من هذا الانسداد”.