نطالب بتدخل دولي لوقف الاعتداء


القدس – “القدس العربي”: باشرت سلطات الاحتلال الإسرائيلي عمليات إخلاء مقر وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأونروا” في بلدة كفر عقب شمال القدس المحتلة، وهو ما يُعرف باسم معهد قلنديا للتدريب المهني، تمهيداً لعملية هدمه والسيطرة عليه. جاء ذلك بعد ساعات من زيارة 28 بعثة دبلوماسية، برفقة وزارة الخارجية ودائرة شؤون اللاجئين، للمكان.
وأعلن وزير الأمن القومي الإسرائيلي المتطرف إيتمار بن غفير بدء عمليات إخلاء المقر، في خطوة تأتي ضمن حملة إسرائيلية متصاعدة ضد “الأونروا” في القدس، بعد إخلاء وهدم أجزاء من مجمع الوكالة في الشيخ جراح، وسط رفض فلسطيني وأممي.

وشارك بن غفير في عمليات الاقتحام داخل معهد “الأونروا”، ووصفها بأنها خطوة مرتبطة بما وصفه بـ”السيادة الإسرائيلية” على القدس، كما زعم أنه “لا مكان للوكالة في القدس وإسرائيل”.
وأعلن رئيس وزراء حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو أن إخلاء المركز من موظفيه تم بناء على تعليماته.
وقال في بيان: “بناء على توجيهاتي، وامتثالا للقانون الذي سنناه، بدأ اليوم إخلاء مجمع الأونروا في كفر عقب بالقدس”، وهو حي ملاصق لقلنديا”.
وأضاف أن حكومته لن تسمح لوكالة “أونروا” بالعمل، وأنها “ستتخذ الإجراءات اللازمة ضدها بكل الوسائل المتاحة لنا”، وفق تعبيره.
وقالت مصادر محلية إن قوات الاحتلال انتشرت في شوارع وأزقة مخيم قلنديا وكفر عقب، ونفذت عمليات مداهمة وتفتيش، وأجرت تحقيقات ميدانية مع عدد من المواطنين.

وفي كفر عقب، أخلت قوات الاحتلال مجمع معهد قلنديا للتدريب المهني التابع لـ”الأونروا”، وبدأت إجراءات هدم منشآته، في خطوة تأتي ضمن إجراءات متواصلة تستهدف منشآت الوكالة في القدس المحتلة.
وكانت وسائل إعلام إسرائيلية قد أفادت بأن قوات الاحتلال ستبدأ، اليوم، عملية هدم مبنى تابع لـ”الأونروا” في القدس.

اقتحام بالقوة

وقال رولاند فريدريش، مدير شؤون “الأونروا” في الضفة الغربية، إنه في تمام الساعة 10:00 صباحاً، دخلت قوات الأمن الإسرائيلية بالقوة إلى مركز تدريب قلنديا التابع لـ”الأونروا” في القدس الشرقية المحتلة. ودخل إلى مجمع الأمم المتحدة ما لا يقل عن أربع مركبات مدرعة، برفقة أكثر من 50 عنصراً من قوات الأمن الإسرائيلية. وكان نحو 20 موظفاً من موظفي “الأونروا” موجودين في الموقع في ذلك الوقت. وأدلى مسؤولون إسرائيليون لاحقاً بتصريحات علنية أفادوا فيها بأن السلطات الإسرائيلية استولت على الموقع.

فريدريش: دخول قوات أمن مسلحة إلى منشأة تابعة للأمم المتحدة، من دون تفويض أو موافقة من الأمم المتحدة، أمر غير مقبول

ووصف فريدريش، في حديث مع “القدس العربي”، الاقتحام بأنه “غير مسموح وغير قانوني”، وأضاف: “لقد سمعنا تصريحات إسرائيلية من مسؤولين إسرائيليين تحدثوا عن السيطرة والاستيلاء على المكان”.
وتابع: “تدين الأونروا بشكل قاطع هذا التوغل غير المصرح به والمثير للقلق البالغ في مركز تدريب قلنديا. إن دخول قوات أمن مسلحة إلى منشأة تابعة للأمم المتحدة، من دون تفويض أو موافقة من الأمم المتحدة، أمر غير مقبول”.
ويُعد مركز تدريب قلنديا منشأة تابعة للأمم المتحدة، وتحظى بالحماية بموجب الامتيازات والحصانات الممنوحة للمنظمة بموجب القانون الدولي. ويجب احترام حرمة هذه المنشأة احتراماً كاملاً.

أقدم مركز للتدريب المهني

وتابع مدير “الأونروا” في الضفة: “إن مركز تدريب قلنديا ليس مجرد مبنى؛ فهو أقدم مركز للتدريب المهني تابع للأونروا، وقد خدم اللاجئين الفلسطينيين لأكثر من سبعة عقود. وقد تخرّج من المركز آلاف اللاجئين الفلسطينيين، وأسهموا لاحقاً في سوقي العمل المحلي والإقليمي. وفي كل عام، يوفّر المركز لمئات الطلبة من اللاجئين الفلسطينيين القادمين من مخيمات اللاجئين في مختلف أنحاء الضفة الغربية المحتلة، وكثير منهم يواجهون أوضاعاً اجتماعية واقتصادية شديدة الصعوبة، إمكانية الحصول على التعليم المهني المجاني ومساراً نحو مزيد من الاستقلال الاقتصادي”.

فيما لو فقدنا هذا المعهد، فنحن نتحدث عن فقدان حق التعليم لفئة كبيرة من الشباب الفلسطينيين

وأصدرت “الأونروا” بياناً صحافياً جاء فيه أن أي محاولة للاستيلاء على منشأة تابعة لـ”الأونروا”، أو التدخل فيها، أو تقويض عملها بأي شكل من الأشكال، تمسّ قدرة الأمم المتحدة على تنفيذ ولايتها. وستواصل “الأونروا” الإصرار على حماية مبانيها وموظفيها وعملياتها، وعلى احترام الامتيازات والحصانات الممنوحة للأمم المتحدة بموجب القانون الدولي.
ودعا البيان المجتمع الدولي إلى التحرك فوراً وبشكل حازم لضمان حرمة مركز تدريب قلنديا وجميع منشآت الأمم المتحدة الأخرى في القدس الشرقية المحتلة. وطالب المجتمع الدولي بضمان حماية مقار الأمم المتحدة من الدخول غير المصرح به والاستيلاء عليها، وضمان قدرة “الأونروا” على مواصلة تقديم الخدمات الأساسية إلى مجتمعات اللاجئين الفلسطينيين من دون ترهيب أو عرقلة أو تدخل.
وتابع البيان: “إن سلامة مقار الأمم المتحدة وحرمتها لا يمكن أن تكونا موضع شرط أو تفاوض. ويجب احترامهما وصونهما وحمايتهما”.

330 متدرباً فلسطينياً

وقال فريدريش: “لدينا نحو 330 متدرباً فلسطينياً من مخيمات الضفة الغربية يتدربون في أروقة المركز، معظمهم من الشباب في الفئة العمرية 15 – 19 عاماً”.
وأضاف: “نقدم مهارات وأفقاً مهنياً وأملاً للمستقبل. عملية الدخول غير مسموح بها، وهي بمثابة محاولة لتوقيفه عن عمله، وهي مرفوضة تماماً وغير إنسانية”.
وأضاف: “هؤلاء الشباب ليست لديهم أي فرصة للتعلم المهني، ولذلك نحث المجتمع الدولي على التدخل الفوري لوقف الاعتداء على المعهد، وكذلك المدارس الثلاث في مخيم شعفاط، وكذلك عيادتين في المخيم والبلدة القديمة، إلى جانب المقر في الشيخ جراح أيضاً”.
وحول خطط الاحتلال، قال: “ليست لدينا أي معلومات حول خطط إسرائيل بشأن المعهد. سمعنا الأنباء عبر الأخبار، لكن المعهد لا بديل عنه، ونحن موجودون منذ الخمسينيات بناءً على اتفاق مع الحكومة الأردنية، وعلى إسرائيل احترام المواثيق الدولية التي تؤكد حرمة وحصانة مؤسسات الوكالة”.

وتابع: “فيما لو فقدنا هذا المعهد، فنحن نتحدث عن فقدان حق التعليم لفئة كبيرة من الشباب الفلسطينيين”.
وشدد على أن “الأونروا” ملتزمة بالولاية القانونية، وهي تقدم خدمات تعليمية في 90 مدرسة في الضفة، وخدمات صحية في 50 مركزاً صحياً، حيث يتلقى الخدمات نحو 270 ألف منتفع ومستفيد من الخدمات الاجتماعية والإغاثة.
وأضاف: “ولدينا خدمات مستمرة في 18 مخيماً، بما في ذلك المخيمات الثلاثة شمال الضفة الغربية في طولكرم وجنين”.
وختم قائلاً: “نحن مستمرون في تقديم الخدمات، ونريد التدخل الدولي للحفاظ على هذا المعهد الفريد”.

رواية شرطة الاحتلال

بدوره، وصف بيان شرطة الاحتلال عملية الإخلاء بأنها محاولة لـ”ترميم مجمع تعليمي واجتماعي جديد في حي كفر عقب بالقدس، ليخدم آلاف السكان العرب”.

وجاء في البيان: “تستثمر البلدية أكثر من 40 مليون شيكل إسرائيلي في المشروع، بما في ذلك مدرسة ثانوية بلدية جديدة للبنين من المقرر افتتاحها في أيلول / سبتمبر المقبل”.
وزعم البيان أنه، وبعد حوار مكثف مع سكان الحي، سيُقام المجمع على قطعة أرض مملوكة لـ”الصندوق القومي اليهودي” منذ عام 1937، ومخصصة لبلدية القدس لهذا الغرض. ومن المتوقع أن يضم المجمع في السنوات القادمة مدارس إضافية، ومسجداً، ومرافق رياضية وصحية، جميعها لخدمة المجتمع المحلي.
وادعى بيان الشرطة أنه رغم عدم امتلاك وكالة “الأونروا” أي حقوق ملكية على الأرض، فإنها قامت بتسييجها لعقود، ما حرم السكان المحليين من مساحة هم في أمسّ الحاجة إليها للمدارس والخدمات المجتمعية. وقد حُظرت أنشطة “الأونروا” في إسرائيل بموجب القانون بعد ثبوت تورط موظفيها في هجمات 7 تشرين الأول / أكتوبر 2023 الإرهابية، وعلاقاتها الوثيقة بحركة “حماس”.

منشآت تعليمية ومهنية وصحية
ومن الجدير ذكره أن المجمع يضم منشآت تعليمية ومهنية وصحية، وكانت “الأونروا” قد حذرت في وقت سابق من مخطط إسرائيلي يستهدف منشآتها في الموقع، مشيرة إلى أن تنفيذ المخطط يتطلب هدم معظم مرافق مركز التدريب.
وأضافت أن مركز قلنديا للتدريب يشكل جزءاً مهماً من هذه الجهود، إذ يمكّن كل عام مئات الشباب الفلسطينيين من اكتساب المهارات والمؤهلات المهنية التي تساعدهم على دخول سوق العمل والسعي إلى قدر أكبر من الاستقلال الاقتصادي، في وقت لا يزال فيه الحرمان الاجتماعي والاقتصادي حاداً.

وأوضحت “الأونروا” أن المركز يقع في القدس الشرقية المحتلة، وأن “دولة إسرائيل” لا تمارس سيادتها على الأرض الفلسطينية المحتلة، مشيرة إلى أن إسرائيل، باعتبارها دولة عضواً في الأمم المتحدة، ملزمة بتقديم كل المساعدة اللازمة لـ”الأونروا” في الاضطلاع بأنشطتها وعملياتها في الأرض الفلسطينية المحتلة، بما في ذلك مركز قلنديا للتدريب، وهو ما أكدت عليه محكمة العدل الدولية في تشرين الأول / أكتوبر 2025.
وشددت على أن مركز تدريب قلنديا يقدم الخدمات الأساسية والتعليم للاجئي فلسطين، وأن أي إغلاق للمركز أو مصادرته سيكون له أثر مباشر وضار على لاجئي فلسطين، بما في ذلك الأطفال، ولن يخدم مصالحهم الفضلى.

تاريخ المعهد

يُذكر أن المعهد تأسس عام 1952 كأول مركز تدريب لـ”الأونروا”، ويوفر للاجئي فلسطين الشباب من الضفة الغربية فرص التدريب الفني والمهني، فيما يتلقى فيه نحو 340 شاباً التدريب كل عام، وقد بدأ التسجيل للعام الدراسي الجديد الذي يبدأ في الأول من أيلول / سبتمبر.
ويقدم المركز 16 تخصصاً، من بينها الكهروميكانيك، وميكاترونيات السيارات، والنجارة، والبناء، والاتصالات، والتصميم الداخلي، فيما يجد 90% من خريجيه عملاً بعد تخرجهم، وفق “الأونروا”.
وتبلغ مساحة المجمع 80 دونماً، أي نحو ثمانية هكتارات، ويضم ورش عمل تدريبية وغرفاً صفية ومساكن داخلية ومباني إدارية، فيما تبلغ قيمة الأصول الموجودة فيه أكثر من 5 ملايين دولار أميركي. وقالت “الأونروا” إن الوكالة والجهات المانحة استثمرت تمويلاً كبيراً في تجديد مباني المركز خلال السنوات الماضية.

يُذكر أن الحكومة الأردنية قدمت أراضي المركز لـ”الأونروا” من خلال اتفاق أُبرم في 16 تشرين الأول / أكتوبر 1952، بغرض توفير التدريب التقني والمهني للاجئي فلسطين، ولا يزال الاتفاق سارياً حتى اليوم.

ويتزامن اقتحام قلنديا وكفر عقب مع استمرار الإجراءات الإسرائيلية ضد المخيم ومحيطه، بعد عملية عسكرية واسعة شهدها المخيم في وقت سابق من الشهر، خلفت أضراراً واسعة واعتقالات وهدم منشآت ومنازل.
وتأتي هذه الإجراءات في إطار تصعيد الاحتلال ضد وكالة “الأونروا” ومؤسساتها في محافظة القدس المحتلة، في ظل مساعٍ إسرائيلية متواصلة لإنهاء عمل الوكالة وفرض قيود على نشاطها، رغم تفويضها الأممي بتقديم الخدمات للاجئين الفلسطينيين.

وكانت سلطات الاحتلال قد أقرت في وقت سابق سلسلة إجراءات تستهدف عمل “الأونروا”، بما في ذلك منعها من العمل في الأراضي المحتلة، وإلغاء الترتيبات والامتيازات الممنوحة لها، في خطوة أثارت إدانات فلسطينية ودولية واسعة.

تنديد فلسطيني

فلسطينياً، أدانت دائرة شؤون اللاجئين في “منظمة التحرير الفلسطينية” اقتحام المعهد، ووصفت الاعتداء بأنه يشكل تصعيداً خطيراً في الاستهداف الإسرائيلي الممنهج لمنشآت “الأونروا” في القدس المحتلة، وانتهاكاً صارخاً لحرمة المؤسسات التابعة للأمم المتحدة، وللالتزامات التي تفرضها قواعد القانون الدولي على القوة القائمة بالاحتلال، وتعدياً سافراً على الحصانات والامتيازات الدبلوماسية المقررة بموجب الاتفاقية العامة بشأن امتيازات وحصانات الأمم المتحدة لعام 1946، والتي تُعد إسرائيل طرفاً موقعاً عليها.

الرئاسة الفلسطينية تطالب مجلس الأمن الدولي بالانعقاد بشكل عاجل

وحذرت الدائرة من أن استهداف معهد قلنديا لا ينفصل عن سياسة أوسع تهدف إلى تقويض وجود “الأونروا” ودورها وخدماتها المقدمة للاجئين الفلسطينيين، ومحاولة فرض أمر واقع يستهدف حق اللاجئين في التعليم والتدريب والخدمات الأساسية، مشيرة إلى أن معهد قلنديا يمثل منشأة تعليمية وتدريبية حيوية تخدم أبناء اللاجئين، ويشكل أحد المراكز المهمة في منظومة التعليم والتدريب المهني التي تقدمها الوكالة.
كما دعت الرئاسة الفلسطينية مجلس الأمن الدولي إلى الانعقاد بشكل عاجل، وتحمل مسؤولياته القانونية والسياسية، واتخاذ قرارات وإجراءات ملزمة لوقف الاعتداءات الإسرائيلية على مقرات ومؤسسات الأمم المتحدة في القدس وقلنديا، التي اقتحمها ما يسمى بوزير الأمن الداخلي الإسرائيلي تمهيداً لهدم منشآت الأمم المتحدة التابعة لـ”الأونروا” في قلنديا، مطالبة بتوفير الحماية لهذه المؤسسات للقيام بواجباتها تجاه اللاجئين الفلسطينيين وفق القانون الدولي.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *