نسعى للتوافق على مرشح رئاسي


القاهرة ـ “القدس العربي”: بدأ تيار “جيل الوسط” في مصر التواصل مع مختلف القوى والأطراف السياسية والمجتمعية، تمهيداً للدعوة إلى عقد الاجتماع الأول لقوى التغيير السلمي، بهدف فتح مسار سياسي جاد والعمل على بناء بديل سياسي يعبر عن تطلعات المصريين.

وقال إسلام بهي الدين، مؤسس التيار، إن “جيل الوسط” يسعى إلى طرح بديل سياسي يقوم على ما وصفه بـ”الطريق الثالث” بين الجمود والانفجار، من خلال الدعوة إلى حراك مجتمعي سلمي وديمقراطي يستهدف انتزاع الحقوق السياسية وفقاً للقانون والدستور، محذراً من مخاطر انفجار الأوضاع في مصر في ظل التحديات الداخلية والإقليمية.

وأضاف في حوار مع “القدس العربي”، أن التيار لا يستهدف تقديم مرشح رئاسي بقدر ما يسعى إلى بناء مشروع سياسي متكامل يقوم على الانتقال من حكم الفرد إلى حكم المؤسسة، وإعادة بناء الحياة السياسية من خلال تقديم جيل جديد من السياسيين وإتاحة الفرصة أمام الشباب للمشاركة في المجال العام.

وكشف عن تلقي التيار نحو 1200 طلب للانضمام إليه منذ الإعلان عن تأسيسه في الأول من نوفمبر/ تشرين الثاني الجاري، لافتا إلى أن القائمين عليه يراجعون الطلبات ويجرون لقاءات مع المتقدمين للتأكد من توافقهم مع المشروع السياسي للتيار. ولفت إلى بدء اتصالات مع شخصيات عامة وقوى سياسية ونقابية وشبابية، بينها حزبا المحافظين والدستور، بهدف بناء توافق على مشروع سياسي وطني، قبل الانتقال إلى مسألة اختيار مرشح رئاسي.

وشدد على أن مواجهة ما وصفها بـ”الدولة العميقة” تتطلب توحيد القوى السياسية والمدنية والتخلي عن الحسابات الشخصية، معتبراً أن أي مرشح يخوض المنافسة منفرداً، مهما كانت شعبيته، لن يكون قادراً على مواجهة هذه القوة.

هنا نص الحوار:

ما الذي يميز تيار “جيل الوسط” عن التيارات والحركات المدنية والجبهات السياسية التي تشكلت خلال السنوات الماضية؟

تيار “جيل الوسط” لا يدعو إلى حراك شعبي، وإنما إلى حراك مجتمعي، وهناك فارق كبير بين الإثنين. نحن نريد أن يتحرك الناس للمطالبة بحقوقهم السياسية بصورة سلمية وديمقراطية، ووفقاً للقانون والدستور. الفكرة الأساسية هي الدعوة إلى ما نسميه “الطريق الثالث”، الذي يقع بين الجمود والانفجار. نحن نرفض استمرار الأوضاع في مصر على حالها الراهن، وفي الوقت نفسه نرفض انفجارها، ليس دفاعاً عن السلطة، فنحن نختلف معها في أمور كثيرة، وإنما دفاعاً عن مستقبل الشعب المصري.

إذا انفجرت الأوضاع، فلن يكون أحد قادراً على معرفة إلى أين يمكن أن تصل، أو من قد يستغل حالة الاضطراب. وهناك مخاطر إقليمية تحيط بمصر، خاصة على حدودها في السودان وليبيا وسيناء، وبالتالي فإن أي انفلات أمني قد يجعل الأوضاع أسوأ بمراحل مما شهدناه خلال ثورة 25 يناير، خصوصاً أن الوضع الاقتصادي اليوم أكثر صعوبة، كما أن حالة الغضب الشعبي أكبر. من هنا نتبنى فكرة الانتقال السلمي للسلطة، وهو ما يتطلب بناء قوة تغيير قادرة على تحقيق ذلك.

ما هي ملامح قوة التغيير التي تسعون إلى بنائها؟

نسعى أولاً إلى تقديم جيل سياسي جديد، بعدما شهدت مصر خلال السنوات العشر أو الاثنتي عشرة الأخيرة حالة من التكلس السياسي، فلم تتغير النخبة، وظلت الوجوه والأفكار والخطابات نفسها. كما أننا لا نطرح مجرد مرشح سياسي، وإنما مشروع يقوم على الانتقال من حكم الفرد إلى حكم المؤسسة، بحيث تتحول مصر إلى دولة ديمقراطية حديثة تكون فيها المؤسسة أكبر من الفرد، ويكون القانون فوق الجميع. نريد أن تقود المؤسسات الدولة، بما فيها مؤسسة الرئاسة، بحيث لا تكون قائمة على شخص، وإنما على مؤسسة لها قواعدها وآليات عملها. ونسعى إلى بناء تيار جامع يضم أحزاباً وشخصيات سياسية، ويفتح المجال أمام شباب لم يسبق لهم الانخراط في العمل السياسي. فمصر تمتلك كفاءات ومواهب سياسية كبيرة، لكن تجربة الحياة السياسية دفعت بعض الشباب إلى الخوف أو السفر أو الاكتفاء بمراقبة المشهد من بعيد. نحاول خلق مساحة تسمح لهؤلاء بالوصول إلى المجال العام والمشاركة في صناعة مستقبل البلاد.

كيف تتجنبون تكرار إخفاق تجارب التحالفات المدنية السابقة؟

علينا أولاً أن نتأمل التجارب السابقة، ومنها الحركة المدنية الديمقراطية، التي شاركت في اجتماعاتها على مدار عام ونصف العام بصفتي أحد مؤسسي الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي. للأسف، لم تستطع الحركة تقديم أداء سياسي مؤثر، بسبب حالة الاستقطاب الشديد وغياب المؤسسية والمعايير والأهداف الواضحة. ورغم وجود وثيقة تأسيسية محترمة، ظل الأداء السياسي العام باهتاً. أنا لا أنتقد الشخصيات الموجودة في الحركة، فهناك شخصيات محترمة، وإنما أنتقد الأداء السياسي وآليات العمل. كما أن إعادة الهيكلة لم تعالج جذور الأزمة، المتمثلة في فقدان البوصلة وغياب آليات مؤسسية قوية لصناعة القرار، وعدم وجود توافق واضح بشأن الأهداف والأولويات.

باختصار، لم تعمل الحركة وفق قواعد مؤسسية، إذ لم تكن المعايير هي الحاكمة، وإنما التفاهمات الشخصية. وهذا يمثل تكراراً لأحد أوجه المشكلة التي ننتقدها في السلطة، وهي الاعتماد على حكم الفرد وغياب المؤسسات؛ فقد انتقلت بعض أمراض السلطة إلى المعارضة.

لذلك، لا يمكن أن نكرر التجربة نفسها بجمع الأحزاب والشخصيات ذاتها، ثم نتوقع نتائج مختلفة. نريد إدخال جيل سياسي جديد إلى المعادلة، لديه استعداد للعمل وفق قواعد مؤسسية، بعيداً عن تضخم الأنا والصراعات الشخصية.

وهذا لا يعني رفض انضمام شخصيات من المشهد السياسي الحالي، لدينا بالفعل شخصيات مثل علي الخيام، الرئيس السابق لحزب الدستور، وحازم قنصوة، أحد قيادات حزب المحافظين، والمستشار عبد الحكيم يحيى، إلى جانب أسماء أخرى.

هل يمكن تصنيف التكوين الأولي للتيار باعتباره أقرب إلى الليبرالية؟

نحن لا ننطلق من أيديولوجية محددة، ولا نقف عند تصنيف الأشخاص باعتبارهم يساريين أو ليبراليين أو علمانيين، أو مسلمين ومسيحيين. ما يجمعنا هو أجندة وطنية ومشروع سياسي واضح. الأهم هو الاتفاق على أرضية سياسية مشتركة، والاستعداد للعمل وفق قواعد مؤسسية، بحيث يكون القرار للفريق والمعايير، وليس للشخص الواحد. ومن يوافق على مشروعنا ولديه استعداد للالتزام بهذه القواعد، فهو مرحب به في التيار.

كم بلغ عدد طلبات الانضمام إلى التيار؟

تلقينا حتى الآن ما يقارب 1200 طلب للانضمام، تضم شخصيات عامة وشباباً جامعياً ونقابيين وأكاديميين وأصحاب خبرات وتخصصات مختلفة، بينهم أشخاص يمتلكون قيمة علمية داخل مصر وخارجها.

نحن حالياً في مرحلة مراجعة وفرز هذه الطلبات، ولا نريد تكرار أخطاء تجارب سابقة. لذلك نحرص على مقابلة كل شخص يتقدم للانضمام، ولو عبر الإنترنت، للتأكد من تبنيه الأرضية السياسية نفسها التي يقوم عليها التيار.

متى تبدأ لقاءاتكم مع القوى السياسية؟ وهل تتجهون إلى التوافق على مرشح رئاسي؟

رتبنا سلسلة من اللقاءات مع شخصيات عامة كانت لها خلال السنوات الماضية مواقف مشرفة، لكننا لا نستطيع الإعلان عن أسمائها في الوقت الحالي قبل إتمام اللقاءات، حتى لا يحول الإعلان المسبق دون انعقاد بعضها. وخلال الأسبوعين أو الأسابيع الثلاثة المقبلة، نعتزم عقد لقاءات مع مجموعات شبابية ونقابيين وشخصيات عامة. كما تواصلنا بالفعل مع حزب المحافظين وحزب الدستور، وهناك نقاشات جارية بيننا.

الهدف هو جمع قوة تغيير حقيقية، وندعو كل من لديه رغبة في المشاركة السياسية، بمن في ذلك من لديهم طموح للترشح للرئاسة، إلى الجلوس حول طاولة واحدة. يمكن أن نذكر، على سبيل المثال، أحمد الطنطاوي وزياد العليمي، باعتبارهما نموذجين لشخصيات لديها رغبة في الترشح، مع التأكيد أن ذكر الاسمين يأتي في إطار الأمثلة، وليس إعلاناً عن وجود تفاهمات معهما. لا يمكن أن يطرح شخص نفسه منفرداً للرئاسة، رغم أن ذلك حق مشروع له، ثم نتوقع نجاح التجربة. فهذا السيناريو قد يؤدي إلى تكرار ما حدث في انتخابات 2012، عندما تعدد المرشحون المحسوبون على القوى المدنية، ومن بينهم عبد المنعم أبو الفتوح وحمدين صباحي ومحمد سليم العوا وخالد علي، وكذلك ما شهدته انتخابات 2024، ومن دون التوافق على مرشح، قد تظهر شخصيات جيدة وتخوض معارك انتخابية مهمة، لكن النتيجة النهائية قد تكون وصول مرشح الدولة العميقة إلى السلطة.

هل سيكون التوافق على شخص المرشح الرئاسي أم على مشروع سياسي أولاً؟

التوافق يجب أن يكون على المشروع السياسي أولاً، وليس على شخص المرشح. نحن لا نريد تقديم شخص باعتباره زعيماً، لأن مصر لا تحتاج في المرحلة المقبلة إلى زعيم بقدر ما تحتاج إلى مؤسسة رئاسة. لنفترض أننا نجحنا في جمع 200 شخصية سياسية وعامة، فإن هذه المجموعة هي التي ستختار شخصاً ليمثل المشروع ويكون مرشحاً للرئاسة، ما سنقدمه للمصريين هو المشروع السياسي الذي يتبناه هؤلاء الأشخاص، وليس مجرد اسم مرشح.

هل تتوقع أن تلتزم القوى المدنية بالتوافق على مرشح رئاسي واحد؟

نرى أن الخيارات المتاحة أمام القوى المدنية لا تتجاوز الفشل أو التوافق، وليس لدينا رفاهية تكرار التجارب السابقة. علينا أن ندرك أن مصر تواجه دولة عميقة قوية تشكلت على مدار عقود، وتمتلك السلطة والمال وشبكات واسعة من العلاقات داخل البلاد وخارجها، ولا يستطيع أي شخص بمفرده مواجهتها. وخلال الانتخابات، تستطيع الدولة العميقة شراء الوقت وتحريك مجموعات من خلال المال السياسي، وقد شاهدنا ذلك مراراً، وأنا شخصياً كنت شريكاً لأحمد الطنطاوي في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، وكنت ضمن فريق إدارة حملته. ورغم الشعبية التي استطعنا اكتسابها خلال الحملة، فإننا لم نتمكن في النهاية من جمع سوى عدد محدود من التوكيلات، رغم اعتقادنا بوجود ملايين المؤيدين. والسبب أن الدولة العميقة وضعت خطة للتعامل مع الحملة وإجهاضها.

وأعتقد أنها ستتعامل بصرامة أكبر مع الانتخابات المقبلة، لأنها ستكون معنية بالحفاظ على المنظومة القائمة. لذلك، لا يستطيع أي شخص منفرد، حتى لو كان يحظى بتأييد ملايين المصريين، الوقوف أمام هذه القوة. الحل هو أن تجلس كل الأطراف التي تمتلك شعبية وتاريخاً سياسياً ورغبة في المشاركة حول طاولة واحدة، وأن يتخلى الجميع عن الحسابات الشخصية.

هل يستهدف التيار الجماهير بصورة مباشرة أم يركز في مرحلته الأولى على الشخصيات العامة والمؤثرة؟

نحن نستهدف الفئتين معاً. نعمل على مسارين: الأول بناء الكيان السياسي وجمع الشخصيات القادرة على تقديم مشروع وطني، والثاني كسب ثقة المصريين، فالناس لن تثق في أي قوة سياسية ما لم تقدم حلولاً حقيقية لمشكلاتهم. المواطن المصري يحلم اليوم بالخروج من الأزمة الاقتصادية والعيش بصورة كريمة، ويريد من يقدم حلولاً عملية للأزمات التي يواجهها، وقد لا يستطيع شخص واحد تقديم كل هذه الحلول، لكن المشروع السياسي يمكنه ذلك، لأنه سيضم عشرات الشخصيات ذات الكفاءة في مختلف التخصصات، القادرة على إعداد أجندة وطنية متكاملة، وبالتالي، فإن رئيس مصر المقبل، وفق تصورنا، لن يكون مجرد شخص، وإنما واجهة لمشروع سياسي يعبر عن مجموعة من الكفاءات والخبرات، والشخص الذي يصل إلى السلطة يجب أن يكون معه فريق متكامل، يضم ستة أو سبعة نواب للرئيس من الشخصيات المنتمية إلى المشروع نفسه، كما يجب أن يكون لهذه المجموعة حضور في تشكيل الحكومة والسلطات الرقابية والتشريعية، بما فيها مجلس النواب، ومصر تحتاج في المرحلة المقبلة إلى الانتقال من حكم الفرد إلى حكم المؤسسة، وهذا هو جوهر المشروع الذي نسعى إلى تقديمه.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *