نساء المغرب قلقات من احتمال تأجيل قانون الأسرة إلى ما بعد الانتخابات التشريعية



الطاهر الطويل

الرباط ـ «القدس العربي»: على بعد بضعة أشهر من انتهاء الولاية الحكومية الحالية في المغرب وتنظيم انتخابات تشريعية عامة في أيلول/سبتمبر المقبل، انتقدت هيئات نسائية «صمت» الجهاز التنفيذي و»تجاهله» لإخراج الصيغة المعدلة لـ»مدونة الأسرة» (قانون الأحوال الشخصية)، متسائلة عن مدى وجود إرادة سياسية فعلية في تحقيق هذا الإصلاح التشريعي.
ولاحظت الجمعيات والمنظمات المنضوية تحت لواء «التنسيقية النسائية من أجل التغيير الشامل والعميق لمدونة الأسرة» أن عزيز أخنوش، رئيس الحكومة المغربية، تجاهل في تقديمه لحصيلة عمل فريقه الوزاري خلال خمس سنوات، الحديث عن مصير مشروع إصلاح قانون الأسرة.
وقالت «التنسيقية النسائية» في رسالة مفتوحة إلى المسؤول الحكومي نفسه: «في الوقت الذي كنا ننتظر منكم تقديم حصيلة ولايتكم بشأن هذا الورشة الاستراتيجية للمجتمع المغربي بكل مسؤولية، لم نلمس منكم سوى الصمت والتجاهل للتوجيهات الرسمية التي واكبت انطلاق مشروع إعادة النظر في مدونة الأسرة والمطالب ومقترحات وترافع الحركة النسائية والحقوقية».
واعتبرت أن «التماطل الذي طال هذه الورشة لا يعبّر عن تعثر تشريعي فحسب، وإنما يعبّر عن أن النهوض بحقوق النساء وتحقيق المساواة بين أفراد الأسرة الواحدة وبين الأسر، لا يشكل أولوية ضمن انشغالاتكم السياسية»، وفق ما جاء في الرسالة المفتوحة التي اطّلعت عليها «القدس العربي».
وأعلنت الجمعيات والمنظمات المعنية رفضها لـ «هذا التماطل السياسي ـ التشريعي غير المقبول»، مطالبة بتسريع عرض الحكومة الحالية، وقبل إنهاء فترة ولايتها، لمشروع قانون «مدونة الأسرة» بما يستجيب لتطور المجتمع وضمنه أدوار النساء ويسهم في الحد من المآسي التي تلحق بأفراد الأسرة يوميًا من جراء النصوص التمييزية للمدونة الحالية.
وذكّرت الرسالة المفتوحة رئيس الحكومة بالبلاغ الصادر عن الديوان الملكي يوم 23 كانون الأول/ديسمبر 2024 المتعلق بمراجعة مدونة الأسرة، والذي دعا إلى تنظيم لقاءات تواصلية لاطلاع الرأي العام على المستجدات المتعلقة بهذه الورشة.
غير أن المنظمات النسائية كشفت أنها لم تتلق أي معلومات رسمية بشأن مآل هذا الملف، وقالت مخاطبة رئيس الحكومة: «منذ ذلك الحين، لم يتم التوصل من طرفكم بمعلومات حول المسار المسطري الذي أعقب انتهاء أعمال اللجنة المكلفة بمراجعة مدونة الأسرة، كما لم يتم الإخبار بمسار بلورة مشروع القانون من طرف حكومتكم لإحالته على المؤسسة التشريعية، ما يشكل في رأينا خروجاً عن المنهجية الدستورية وتجاهلاً غير مبرر للآجال المعلنة في بداية انطلاق ورشة إعادة النظر في مدونة الأسرة».
وسجّلت أن «صمت الحكومة عن نتائج مرحلة إعداد مشروع قانون الأسرة، الذي كان يُنتظر عرضه على البرلمان خلال هذه الولاية التشريعية، يتناقض والغاية من فتح هذه الورشة، ألا وهي تقديم إجابات تشريعية تواكب التحولات الاجتماعية، وتقدّم حلولا عادلة ومنصفة للمشاكل الناجمة عن الحيف والتمييز الذين تكرسهما المدونة الحالية»، وفق تعبيرها.
وتابعت الرسالة المفتوحة: «إن الطابع الاستعجالي لورشة إعادة النظر في مدونة الأسرة، أكّدته المعطيات التي تضمنتها مجموعة من التقارير الرسمية والتي كان آخرها البحث الوطني حول الأسرة لسنة 2025 الصادر عن المندوبية السامية للتخطيط والذي أبانت نتائجه الأولية عن تراجع أدوار الأسرة المغربية الحمائية والتضامنية، وانتهاء أنماط التضامن التقليدية، في ظل تحولات بنيوية عميقة عرفها المجتمع المغربي من بينها ارتفاع عدد الأسر النووية وتراجع التعايش بين الأجيال وارتفاع مؤشرات الهشاشة نتيجة تزايد عدد الأسر التي تعيلها نساء والأسر أحادية الوالد».
وأكدت المنظمات النسائية أن «التحولات الديمغرافية والسوسيواقتصادية وما أفرزته من أنماط جديدة للعلاقات الأسرية، تبرز ضرورة تحمّل الدولة لمسؤولياتها في توفير الحماية والإنصاف لجميع أفراد الأسرة، وفق مبادئ العدل والمساواة، والتسريع بوضع ترسانة قانونية ملائمة لتطور المجتمع بعيدا عن مفهوم القوامة والتراتبية في الأدوار الاجتماعية، والتمييز في الحقوق والمسؤوليات بين النساء والرجال».
وكان العاهل المغربي محمد السادس، وجّه أواخر 2023 بتشكيل «الهيئة المكلفة بتعديل مدونة الأسرة» التي ضمّت وزارة العدل والمجلس الأعلى للسلطة القضائية ورئاسة النيابة العامة، وأطلقت استشارات واسعة مع مختلف الفاعلين من منظمات المجتمع المدني العاملة في مجال المرأة والطفولة وحقوق الإنسان وأحزاب سياسية ونقابات وقضاة وباحثين أكاديميين ومؤسسات وقطاعات وزارية، كما أحدثت منصّة إلكترونية لاستقبال اقتراحات المواطنين، وأنهت الهيئة أعمالها برفع اقتراحاتها (أكثر من 100 تعديل) إلى الملك في آذار/مارس 2024، مع إحالة القضايا الدينية على «المجلس العلمي الأعلى»، باعتباره المؤسسة الرسمية المعنية.
وفجّر مسار مراجعة قانون الأسرة سجالاً حادًا بين الحداثيين والمحافظين، علمًا بأنّ الهيئة المكلفة بالتعديلات أوضحت أنها تستند إلى الثوابت الدينية للمغرب، وفي الوقت نفسه تأخذ بعين الاعتبار التطورات الاجتماعية والحقوقية لضمان استقرار الأسرة. كما أن العاهل المغربي حدّد لعمل الهيئة إطارًا صارمًا وهو «عدم تحليل الحرام وعدم تحريم الحلال» في الأمور المرتبطة بالأسرة.
والجدير بالذكر أن «التنسيقية النسائية من أجل التغيير الشامل والعميق لمدونة الأسرة»، تتكون من «اتحاد العمل النسائي» و»الجمعية الديمقراطية لنساء المغرب» و»الجمعية المغربية للدفاع عن حقوق النساء» و»فدرالية رابطة حقوق النساء» و»جمعية جسور ملتقى النساء المغربيات».



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *