نزاعات الحدود وسد النهضة ودعم الحركات المعارضة… أبرز أسباب الخلاف بين السودان وإثيوبيا


الخرطوم – “القدس العربي”: في لحظة كان من المنتظر أن تعكس بداية تعاف تدريجي في السودان مع استئناف الرحلات من مطار الخرطوم الدولي، أعادت هجمات الطائرات المسيرة خلط الأوراق، لتفتح الباب أمام تساؤلات أوسع تتجاوز الحدث العسكري المباشر إلى خلفياته الإقليمية وتعقيداته السياسية، خصوصاً بعد اتهام الخرطوم لأديس أبابا بالتورط في الهجمات.

التصعيد الأخير لا يبدو معزولاً عن سياق ممتد من التوتر بين السودان وإثيوبيا، تتداخل فيه ملفات حساسة مثل سد النهضة، والنزاعات الحدودية، وتوازنات الحرب الداخلية في السودان، فضلاً عن أدوار إقليمية متشابكة.

سد النهضة

ويرى مراقبون أن التصعيد الأخير بين السودان وإثيوبيا لا يمكن قراءته بمعزل عن شبكة معقدة من العوامل الجيوسياسية والتاريخية التي تراكمت خلال السنوات الماضية، مثل ملف سد النهضة الذي يظل أحد أبرز بؤر التوتر.

 إذ تنظر أديس أبابا بقلق إلى ما تعتبره تقارباً سودانياً مع الموقف المصري بخصوص السد، في وقت ترى فيه الخرطوم أن القضية ترتبط مباشرة بأمنها المائي وسلامة منشآتها الحيوية. هذا التباين في الرؤى جعل من الملف نقطة ضغط متبادلة بين البلدين، تتجاوز الإطار الفني إلى حسابات سياسية وأمنية أوسع.

إلى جانب ذلك، تلعب النزاعات الحدودية، خاصة في منطقة الفشقة، دوراً محورياً في تغذية التوتر، حيث شهدت السنوات الأخيرة مواجهات متقطعة بعد هجمات نفذتها مجموعات مسلحة إثيوبية على منطقة الفشقة السودانية والتي تتمتع بخصوبة عالية.

وسبق أن عرضت الإمارات قبل اندلاع الحرب مشروعاً لتحويل الفشقة إلى أرض سودانية إثيوبية مشتركة على أن تقوم أبو ظبي بتمويل مشروع زراعي ضخم هناك، لكن الحكومة السودانية رفضت المقترح وقتها.

تداعيات الحرب في إقليم “تيغراي” ألقت بظلالها على العلاقة بين البلدين، بعدما عزز السودان وجوده في مناطق حدودية

 كما أن تداعيات الحرب في إقليم “تيغراي” ألقت بظلالها على العلاقة بين البلدين، بعدما عزز السودان وجوده في مناطق حدودية خلال تلك الفترة، ما ترك حساسية مستمرة لدى الجانب الإثيوبي، وسط اتهامات من قبل قوات “الدعم السريع” عن مشاركة مقاتلين من “تيغراي”، ضمن قوات الجيش السوداني.

وفي سياق الحرب الدائرة داخل السودان، تشير تقديرات وتحليلات إلى أن بعض الأطراف الإقليمية قد تنظر إلى بقاء توازن القوى بين الجيش السوداني وقوات “الدعم السريع” كعامل يخدم مصالحها، خصوصاً في ظل مخاوف من أن يؤدي حسم الصراع لصالح الجيش إلى إعادة تشكيل التحالفات الإقليمية، بما قد يعزز التقارب بين الخرطوم والقاهرة.

وفي هذا الإطار، تبرز اتهامات سودانية بوجود تنسيق بين الإمارات وإثيوبيا، في مقابل اتهامات من قوات “الدعم” لمصر بدعم الجيش السوداني، وهو ما يعكس طبيعة الصراع الإقليمي بشكل أوسع.

كما لا يمكن إغفال الإرث التاريخي في منطقة القرن الإفريقي، حيث درجت بعض دول الجوار على دعم حركات معارضة في الدول الأخرى، كأداة للضغط السياسي والأمني. وهو نمط ظل حاضراً في العلاقات بين عدد من دول الإقليم، بما في ذلك السودان وإثيوبيا في مراحل مختلفة.

وتزيد التحديات الداخلية في إثيوبيا، بما في ذلك النزاعات العرقية والضغوط الأمنية، من تعقيد المشهد، إذ قد تدفع هذه العوامل إلى تبني سياسات خارجية أكثر حدة أو براغماتية.

ورغم ذلك، تبقى كثير من هذه التقديرات في إطار التحليل، في ظل غياب تأكيدات مستقلة حول عدد من الاتهامات المتبادلة، ما يعكس طبيعة المشهد المعقد الذي تتداخل فيه الحسابات السياسية مع التطورات الميدانية.

درجت بعض دول الجوار على دعم حركات معارضة في الدول الأخرى، كأداة للضغط السياسي والأمني

وكانت الحكومة السودانية قد اتهمت كلاً من الإمارات العربية المتحدة وإثيوبيا بالضلوع في هجمات بطائرات مسيرة استهدفت مطار الخرطوم الدولي ومناطق متفرقة داخل البلاد، أول أمس الإثنين.

وأكدت امتلاكها أدلة موثقة تشير إلى تورط “أطراف خارجية” في هذه العمليات، التي وصفتها بأنها تمثل انتهاكاً لسيادة السودان وخرقاً صريحاً للقانون الدولي.

ويأتي هذا التطور في توقيت حساس، إذ تزامنت الهجمات مع استئناف جزئي لبعض الرحلات الدولية من مطار الخرطوم الدولي، الذي كان قد تعرض لدمار واسع خلال الحرب التي اندلعت في منتصف أبريل/ نيسان 2023، قبل أن يعود إلى الخدمة عقب عمليات صيانة وإعادة تأهيل استمرت عدة أشهر، في خطوة اعتبرتها السلطات مؤشراً على تعافي تدريجي للأوضاع في العاصمة.

وفي مؤتمر صحافي عقد مساء الإثنين في العاصمة الخرطوم، قال المتحدث الرسمي باسم القوات المسلحة السودانية، العميد الركن عاصم عوض عبد الوهاب، إن الجهات المختصة جمعت “حزمة من الأدلة الموثقة” التي تثبت تورط الإمارات وإثيوبيا فيما وصفه بـ”العدوان” على البلاد.

وأوضح أن البيانات التي جمعتها الأجهزة الرسمية تشير إلى انطلاق ثلاث طائرات مسيرة في الأول من مارس/ آذار 2026 من مطار بحر دار داخل الأراضي الإثيوبية، حيث نفذت طلعات عدائية استهدفت ولايات النيل الأبيض والنيل الأزرق، إلى جانب ولايتي شمال وجنوب كردفان، في سلسلة هجمات متكررة خلال الأشهر الماضية.

وأضاف أن الدفاعات الجوية السودانية تمكنت في 17 مارس/ آذار من اعتراض وإسقاط إحدى هذه الطائرات شمال مدينة الأبيض، مشيراً إلى أن الفرق الفنية قامت بتحليل بياناتها، والتواصل مع الشركة المصنعة، التي أكدت- بحسب قوله -أن الطائرة التي تحمل الرقم التسلسلي (S88) مملوكة لدولة الإمارات العربية المتحدة، وأن تشغيلها تم من داخل الأراضي الإثيوبية، وتحديداً من مطار بحر دار.

السودان جمع “حزمة من الأدلة الموثقة” التي تثبت تورط الإمارات وإثيوبيا فيما وصفه بـ”العدوان” على البلاد

وبين أن تحليل مسار الطائرة أظهر دخولها الأجواء السودانية عبر مسار محدد، واستهدافها مواقع في منطقة الكرمك ومناطق أخرى بولاية النيل الأزرق، فضلاً عن مواقع في ولايتي شمال وجنوب كردفان، مؤكداً أن هذه العمليات تمت وفق ما وصفه بـ”تنسيق واضح” يعكس تورطاً مباشراً.

وأشار المتحدث العسكري إلى حوادث أخرى وقعت في الأول من مايو/ أيار واستمرت حتى الرابع من الشهر نفسه، حيث دخلت طائرة مسيرة جديدة انطلقت من الموقع ذاته إلى الأجواء السودانية، وتمت متابعتها حتى منطقة جبل أولياء جنوبي الخرطوم، قبل أن تستهدف مطار الخرطوم الدولي ومناطق أخرى، لتتمكن الدفاعات الجوية من التصدي لها

وأكد أن هذه الهجمات تمثل “عدواناً مباشراً على السودان”، مشدداً على أن القوات المسلحة في “أتم الجاهزية” للتعامل مع أي تهديدات تمس سيادة البلاد وأمنها القومي، وأن مثل هذه الأفعال “لن تمر دون رد”.

فيما أعلن وزير الخارجية والتعاون الدولي، السفير محيي الدين سالم، استدعاء سفير السودان لدى إثيوبيا للتشاور، على خلفية ما وصفه بـ”العدوان الإماراتي – الإثيوبي” على مطار الخرطوم الدولي، مؤكداً أن الحكومة ستقوم بتقديم أدلة وإثباتات إضافية إلى مجلس الأمن الدولي ضمن القضية المرفوعة ضد الإمارات.

وشدد على أن مطار الخرطوم الدولي يعد منشأة مدنية، وأن استهدافه يمثل انتهاكاً للقانون الدولي، معرباً عن استغرابه لعدم صدور أي إدانات دولية حتى الآن. وقال إن الأدلة التي بحوزة الحكومة تثبت “بشكل قاطع” أن الهجمات انطلقت من داخل الأراضي الإثيوبية، رغم ما وصفه بالعلاقات المفترضة بين البلدين.

الإعيسر : استهداف مطار الخرطوم يأتي ضمن محاولات لعرقلة عودة الحياة الطبيعية في البلاد

وأضاف أن السودان يحتفظ بحقه القانوني في الرد على هذه الهجمات “في الزمان والمكان اللذين يحددهما”، مؤكداً أن بلاده لا تسعى إلى التصعيد، لكنها “لن تقف مكتوفة الأيدي” في حال تكرار الاعتداءات. كما أشار إلى أن ما وصفه بالدعم الخارجي لمليشيات متمردة لم يمنع القوات المسلحة، مدعومة بقوات مساندة وبإسناد شعبي، من تحقيق تقدم ميداني.

وفي السياق ذاته، قال وزير الثقافة والإعلام والآثار والسياحة، خالد الإعيسر، إن استهداف مطار الخرطوم يأتي ضمن محاولات لعرقلة عودة الحياة الطبيعية في البلاد، مؤكداً أن المطار سيواصل استئناف نشاطه فور اكتمال الإجراءات الفنية المتعلقة بالسلامة التي تنفذها سلطة الطيران المدني.

وأشاد بصمود الشعب السوداني وتماسكه، داعياً المواطنين إلى عدم الانسياق وراء الشائعات أو حملات التضليل، ومؤكداً أن الحكومة ماضية في تهيئة الظروف لعودة الاستقرار وتعزيز الأمن في مختلف أنحاء البلاد. كما وجه رسالة إلى الشعب الإثيوبي، أكد فيها عمق العلاقات التاريخية بين الشعبين، داعياً إلى تعزيز قيم حسن الجوار والتضامن الإقليمي.

قلق أممي

في المقابل، أعربت الأمم المتحدة عن قلقها البالغ إزاء تصاعد هجمات الطائرات المسيرة في السودان، محذرة من استمرار تعريض المدنيين للخطر، في ظل تقارير عن موجة ضربات استهدفت عدة ولايات خلال الأيام القليلة الماضية.

وأشارت إلى أن مطار الخرطوم، الذي يمثل شرياناً حيوياً لوصول المساعدات الإنسانية، تعرض لهجوم بطائرة مسيرة، ما أدى إلى توقف الرحلات الجوية، الأمر الذي قد يؤثر على عمليات الإغاثة وتدفق المساعدات.

أكدت  الأمم المتحدة على ضرورة التزام جميع الأطراف بالقانون الدولي الإنساني في كافة الأوقات، مع التشديد على أهمية حماية المدنيين

كما لفتت إلى أن تدهور الوضع الأمني يدفع المزيد من السكان إلى النزوح، موضحة أنه خلال الأسبوع الماضي فقط نزح أكثر من 2600 شخص في ولاية شمال كردفان، ونحو 1000 شخص في ولاية جنوب كردفان، وفقاً لبيانات المنظمة الدولية للهجرة.

وأكدت ضرورة التزام جميع الأطراف بالقانون الدولي الإنساني في كافة الأوقات، مع التشديد على أهمية حماية المدنيين والبنى التحتية، وضمان عدم استهداف المنشآت الحيوية.

وشددت كذلك على ضرورة السماح بوصول المساعدات الإنسانية إلى المحتاجين بصورة مستمرة ودون أي عوائق، في ظل تزايد الاحتياجات الإنسانية جراء استمرار الحرب التي دخلت عامها الرابع.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *