فورين بوليسي: تنمر الولايات المتحدة على العالم أفقدها أهم ميزة لديها: “قوتها الناعمة”


لندن- “القدس العربي”:

كتب البروفيسور ستيفن وولت، المحاضر في العلاقات الدولية، مقالا في مجلة “فورين بوليسي” قال فيه إن أمريكا خسرت قوتها الناعمة، ومعها واحدة من أهم عناصر قوتها الجوهرية.

وقال إن أهم ميزة في نهج الرئيس دونالد ترامب في السياسة الخارجية ليست في الغايات المختارة، بل في الوسائل المفضلة، أي الثقة المطلقة بالقوة الصلبة الأمريكية، واحتقاره شبه التام لما أسماه زميل الكاتب الراحل جوزيف ناي “القوة الناعمة”. فقد عرّف ناي هذه القوة بأنها “قوة الجذب”، أي قدرة الدولة على حث الآخرين على فعل ما تريد لأنها تمتلك صفات تجعل الآخرين يرغبون في محاكاتها والارتباط بها واتباع نهجها.

ومن هنا، تستطيع الدول التي تمتلك قوة صلبة كبيرة إجبار الآخرين بالقوة والترهيب أو بتقديم المساعدة والحماية، أما الدول التي تتمتع بوفرة في القوة الناعمة، فيكون لديها نفوذ أكبر لأن الآخرين يرغبون في أن يكونوا مثلها، ويتفقون مع المبادئ التي تتبناها أو ينظرون إليها على أنها عصرية وناجحة، بل وحتى “مواكبة للموضة”.

أهم ميزة في نهج الرئيس دونالد ترامب هو الثقة المطلقة بالقوة الصلبة الأمريكية، واحتقاره شبه التام لـ”القوة الناعمة”

وولت هنا لا يقلل من أهمية القوة الصلبة، لأنه من الصعب أن تكون لك قوة ناعمة بدونها.

وقد اعتقد ناي أن الجمع بين القوة الصلبة والناعمة في أمريكا يمنحها مزايا هائلة في تعاملها مع العالم الخارجي، وكان هذا أحد أسباب تفاؤله بمستقبل أمريكا وتشكيكه في أولئك الذين يتنبأون بانحدارها، إلا أنه، ومع اقتراب نهاية مسيرته المهنية الطويلة، بدأ هو نفسه يشعر بالقلق حيال ما يحدث لجاذبية أمريكا العالمية.

وقد بات الأمر واضحا في ظل ولاية ترامب الثانية، وأن كل ما تريده هو أن تكون لديك القوة العسكرية.

فقد استخدمت الإدارة التهديد بفرض تعرفات جمركية لإجبار الشركاء التجاريين على إبرام اتفاقيات اقتصادية أحادية الجانب، وتتعهد بمواصلة هذا المسعى رغم قرار المحكمة العليا الذي أبطلها.

واستخدمت الإدارة القوة العسكرية في أكثر من ست دول، وتواصل قتل مهربي المخدرات المزعومين في منطقة البحر الكاريبي والمحيط الهادئ، حتى عندما لا تعرف هويتهم، ولا تستطيع إثبات تورطهم جميعا في تهريب المخدرات، وتعترف بأن هذه الإجراءات لن يكون لها تأثير يذكر على انتشار المخدرات غير المشروعة.

واتهم الرئيس ترامب، في أكثر من مناسبة، قادة العالم الآخرين بالضعف، وقال للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إنه لا يملك “الأوراق الرابحة”، ويجب عليه عقد صفقة مع روسيا، كما فرض حصارا على كوبا بهدف زيادة معاناة الكوبيين العاديين وإجبار نظامها في نهاية المطاف على الاستسلام. وأخيرا، تخلت إدارته عن الدبلوماسية وشنت حربا غير ضرورية وغير مبررة ضد إيران، على افتراض خاطئ بأن النظام الإيراني سينهار بسرعة ويؤدي إلى تشكيل حكومة مطواعة للأمريكيين.

ولاحظ وولت أن ما يثير الدهشة في هذا الهوس بالقوة الصلبة، هو قلة الجهود المبذولة لإخفاء استخدامها أو إضفاء الشرعية عليها أو تبريرها.

ويعترف الكاتب أن معظم الدول ترتكب أعمالا شنيعة بين الحين والآخر، وكذلك القوى العظمى التي تفعل ذلك أكثر من غيرها، لكنها عادة ما تسعى لإيجاد سبل لإخفاء قبضتها الحديدية تحت ستار من التبريرات المعيارية.

أما إدارة ترامب، فتبدو في غاية السرور كلما سنحت لها الفرصة لانتهاك أي عرف راسخ وإلحاق الأذى بالآخرين. فعندما يهدد الرئيس بإبادة الحضارة الإيرانية، أو عندما يتجاهل وزير الدفاع القانون الدولي ويتباهى بأن القوات الأمريكية لن تظهر أي رحمة تجاه خصومها (وهو ما يعد جريمة حرب)، يتضح جليا أن هدفهم هو الترهيب لا الإقناع، والإجبار لا الجذب. ويبدو أن شعارهم هو: “أن تكون الأقوى يعني ألا تضطر أبدا للاعتذار”.

إدارة ترامب تبدو في غاية السرور كلما سنحت لها الفرصة لانتهاك أي عرف راسخ وإلحاق الأذى بالآخرين

وترافق مع هذا التمجيد للقوة الصلبة الجهود الممنهجة لتقويض المؤسسات والسياسات التي جعلت الولايات المتحدة في يوم من الأيام أكثر جاذبية للآخرين. فقد قام إيلون ماسك ومشروع “دوج” بتفكيك الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية بشكل مفاجئ، مما عرض حياة ملايين الأشخاص حول العالم للخطر، وجعل الولايات المتحدة تبدو وكأنها تتصرف بشكل عشوائي وغير مبالية.

وحاولت الإدارة إغلاق شبكة بث “صوت أمريكا”، وهو جهد تم إيقافه في المحكمة، بفضل معارضة نادرة من الكونغرس، وسحب وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو الولايات المتحدة من أكثر من 60 منظمة دولية، وترك عشرات البعثات الدبلوماسية شاغرة، وحرم الولايات المتحدة من التمثيل في اجتماعات القمم الدولية الرئيسية. كما كشفت مداهمات إدارة الهجرة والجمارك العنيفة وقتل المتظاهرين الأبرياء عن جانب مظلم من أمريكا للعالم. وأدى الهجوم المستمر على التعليم العالي، الذي كان سابقا أحد أبرز رموز المكانة الأمريكية وقوتها الناعمة، إلى جعل الكليات والجامعات الأمريكية وجهات أقل جاذبية للطلاب الأجانب. وإذا جمعنا هذه العوامل معا، يمكننا فهم سبب تحسن صورة الصين عالميا، في حين تتراجع صورة أمريكا.

ومع أنه ليس الأول الذي يلاحظ هذا الهجوم الممنهج الذي تشنه الإدارة على القوة الناعمة، إلا أن ما يثير دهشته هو عدم إدراك مسؤولي الإدارة ما يحدث. ولا يفهمون أن الاعتماد المفرط على القوة الصلبة والتعامل مع استخدام القوة العسكرية لإلحاق الضرر بالدول الأخرى سيجعلها أقل رغبة في التعاون مع أمريكا المتقلبة والمنتقمة، التي قد تشكل تهديدا. ألم يسمعوا قط بالمثل القائل: “باللين تصطاد الذباب أكثر ما تصطاد بالعنف؟”.

ويرى أن السبب نابع من تقسيم الإدارة الأمريكية -بدءا من الرئيس وصولا إلى أدنى المستويات- العالم إلى أقوياء “رابحين” وضعفاء “خاسرين”، وأي نوع من التسوية مع الأطراف الأضعف يعتبر فشلا.

ولعل استعراض وزير الدفاع بيت هيغسيث لقوته وتصرفاته “الرجولية” حول “روح المحارب” ومتعة “الفتك”، وتصريح مستشار البيت الأبيض ستيفن ميلر بأن “القوانين الحديدية” للتاريخ تبرر هيمنة الأقوياء، من أبرز الأمثلة على هذا المنظور.

الأمر الثاني، هو أن زعم ترامب وأتباعه بالوطنية لا ينعكس من خلال إعجابهم بالبلد الذي يحاولون قيادته. ولو أخذنا مثلا شعار “لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى”، فهو يعني أنك لو كنت تعتقد أنه من الضروري جعل أمريكا عظيمة مرة أخرى، فلا بد أنك لا تعتقد أنها عظيمة اليوم. فمع كل ما يلوحون به من أعلام رمزية، من المثير للدهشة قلة الأشياء التي يحبها ترامب وأتباعه أو يعجبون بها في هذا البلد. إنهم لا يحبون معظم وسائل الإعلام، ويحتقرون معظم الفنانين المشهورين، ويكرهون الديمقراطيين (الذين يشكلون نسبة أكبر من السكان مقارنة بالجمهوريين)، ولا يحبون نظام الضوابط والتوازنات أو سيادة القانون، ويشكون في المواطنين الذين لم يولدوا هنا، ولا يحترمون العلم، ويعتبرون الجامعات عدوا، وما زالوا مقتنعين بأن “الدولة العميقة” الغامضة تسيطر على الجيش والسلك الدبلوماسي والعديد من الوكالات الحكومية. حتى إن ترامب لا يحب البيت الأبيض ويريد تحويله إلى نصب تذكاري إمبراطوري مبهرج.

ثالثا، يميل ترامب وأتباعه إلى الحلول السريعة التي يمكنهم تصويرها كإنجازات حقيقية، مثل اتفاقيات السلام الزائفة التي أبرمتها الإدارة، والاتفاقيات التجارية المؤقتة، وما إلى ذلك، متجاهلين الجهود طويلة الأمد لكسب التأييد في الخارج.

ويهتم ترامب وجماعته بعقد الصفقات مع القادة الآخرين أكثر من اهتمامهم بتعزيز العلاقات الإيجابية بين الشعوب، حيث تتراكم الفوائد تدريجيا وقد لا تتحقق بالكامل إلا بعد مغادرتهم مناصبهم. ومن يهتم بكسب تأييد الجيل القادم من الطلاب الأجانب وأنت ستغادر منصبك بعد عام 2028؟

ولو كانت هذه هي نظرتك للعالم، لكنت قللت من أهمية القوة الناعمة واعتمدت على القوة الصلبة بدلا منها، بحسب الكاتب.

ومن المفترض أن يكون الأمريكيون أكثر وعيا، لأن بعض أعظم النجاحات في تاريخ السياسة الخارجية الأمريكية تحققت من خلال العمل البنّاء والسخي مع الآخرين، بمن فيهم بعض الخصوم السابقين، ومن خلال العمل على تصحيح بعض الجوانب غير المرغوب فيها في مجتمعهم ولتحسين صورتهم العالمية.

وتشمل الأمثلة خطة مارشال وحلف شمال الأطلسي (الناتو) وحركة الحقوق المدنية والترويج المدروس لتحرير التجارة والمفاوضات الصارمة التي انتهت بالسلام في نهاية المطاف، والتي أنهت الحرب الباردة وأعادت توحيد ألمانيا.

وفي المقابل، نتجت بعض أكبر إخفاقات السياسة الخارجية الأمريكية، مثل حرب فيتنام والحروب التي لا تنتهي في العراق وأفغانستان والإطاحة بمعمر القذافي في ليبيا أو الكارثة الحالية في إيران، عن الاعتقاد بأن القوة العسكرية الكافية ستضمن النجاح.

ويقول وولت إن الولايات المتحدة تتمتع حتى الآن بالعديد من المزايا الجذابة، وقد تمكنت الحكومات والمواطنون الأجانب من التمييز بين أمريكا كدولة ومثال يحتذى به، وبين أفعال أسوأ قادتها، إلا أنه، وفي حال استمرار تدهور الحياة السياسية الأمريكية واستشراء الفساد فيها، وإذا استمرت في استخدام قوتها العسكرية بطريقة سيئة وعلى حساب قوتها الناعمة، فسيكون من الصعب جدا الفصل بين هذين الأمرين.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *