نرجسية الساسة تصنع أغرب انتحار اقتصادي


مرت عشر سنوات على الاستفتاء التاريخي الذي هز أركان القارة العجوز، وتبدو المملكة المتحدة تعيش تفاصيل «حرب أهلية باردة» مستمرة حتى الآن. العقد المنصرم كان كافياً لتعميق الجراح الاقتصادية والاجتماعية التي خلفها قرار الخروج من الاتحاد الأوروبي «البريكست»، وتحول إلى مرآة كاشفة لواحد من أكبر المآزق التي تواجه الديمقراطيات الغربية الحديثة: كيف يمكن لـ«هندسة الخوف» والتضليل الإعلامي أن يدفعا بشعب عريق نحو خيار «التدمير الذاتي»؟
وفي هذا السياق، حرّكت هيئة الإذاعة البريطانية «BBC» المياه الراكدة بعرضها برنامجاً وثائقياً ضخماً حمل عنوان «البريكست: حرب أهلية بريطانية بامتياز» استضافت فيه أبرز اللاعبين من معسكري «الخروج» و«البقاء». الوثائقي كان بمثابة تشريح جثّة لعملية تضليل كبرى، حيث أجمع الساسة والمراقبون فيه على أن الموضوع سُوّق للعامة بشكل زائف، وتلاقت فيه اعترافات صادمة تكشف حجم الاستهتار بمصير الأمة.

نايجل فاراج وبوريس جونسون.. تقسيم الأدوار

كان البريكست نتاج مخطط سياسي قاده نايجل فاراج، الذي نجح بذكاء في تحويل القضية إلى تيار جارف عصف بالحزب الحاكم ودفع رئيس الوزراء ديفيد كاميرون لارتكاب خطأه التاريخي بالدعوة للاستفتاء.
واللافت في معسكر الخروج كان التحالف الضمني بين فاراج وبوريس جونسون عمدة لندن آنذاك؛ إذ تجنب الطرفان عمداً الظهور معاً في منصة واحدة طوال الحملة، فضّل جونسون أن تبدو حملته عقلانية ومعتدلة، بينما يتولى فاراج تهييج الشارع بورقة الهجرة. وركّز هذا التحالف جهوده على استهداف فئة «البيض كبار السن الحالمين ببريطانيا الإمبراطورية والعاطلين البيض» في أعماق إنكلترا والمجتمعات الساحلية المهملة، عبر سلاح النوستالجيا وتصوير بريطانيا كقوة عظمى مقيدة بأغلال بروكسل وعلينا استعادتها، وصيد جرفت سفن أوروبا ثرواته المائية، ليستيقظ هؤلاء الصيادون اليوم على إفلاس جماعي وخديعة كبرى وتحول الوعود الوردية إلى كوابيس بيروقراطية. ورفعت الحملة الشعار التضليلي الأشهر، المكتوب بالخط العريض على حافلتها الحمراء: «بريطانيا تنفق 350 مليون جنيه إسترليني أسبوعياً للاتحاد الأوروبي، فلنستعدها لدعم نظامنا الصحي» كذبة تبخرت بعد إعلان النتائج بساعات، واعترف قادة الحملة أنها كانت مجرد أرقام مضخمة.

حين تتشرذم النخبة

يعيدنا مشهد البريكست برمتّه إلى تحذيرات أفلاطون من الديمقراطية حين تتحول إلى شعبوية مفرطة وحكم للغوغاء، عندما ينجح الخطباء المخادعون في قيادة الجماهير بالعواطف والغرائز بدلاً من العقل. البريكست كان تطبيقاً حياً لتلك المخاوف؛ فقضية جيوسياسية واقتصادية بالغة التعقيد أُخضعت لورقة اقتراع ثنائية، محوّلةً النقاش العقلاني إلى معركة عاطفية بامتياز. وفي شهادته خلال الوثائقي، اعترف كاميرون بأن الموضوع كله جرى توظيفه عاطفياً، مبنياً على الخوف والوعود الكاذبة؛ كان سلاح مؤيدي الخروج الهجرةَ، بينما كانت ورقة البقاء الاقتصادَ، ليتضح لاحقاً أن بريطانيا خسرت ماليّاً، وارتفعت الأسعار، وواجهت عجزاً حاداً في الأيدي العاملة يتجاوز المليون وظيفة.
والجدير بالذكر أن هذا «القرار المصيري» جاء بفارق هش؛ إذ بلغت نسبة الخروج 52 في المئة مقابل 48 في المئة للبقاء. أربع نقاط فحسب، تكشف عمق انقسام الأمة على نفسها، وتجعل الرهان بمصير بلد بأكمله على هذا الهامش الضيق قراراً متهوراً بكل المقاييس.
لكن الهزيمة الحقيقية لمعسكر البقاء صنعتها العداوات الشخصية والحسابات الحزبية الضيقة. فقد اقترح كاميرون أن يجتمع زعماء الأحزاب الكبرى في صورة واحدة تضامنية تاريخية، تضم رئيسي الوزراء السابقين توني بلير وغوردون براون من العمال، وجون ميجر خلف مارغريت ثاتشر من المحافظين، إلى جانبه هو مع كوربن رئيس حزب العمال، رسالة موحدة تتجاوز الانقسامات الحزبية وتقول للناخب البريطاني: هذا مصير وطني يعلو على الحسابات الحزبية. غير أن جيريمي كوربين رفض المشاركة. والحق أن كوربين كان الأصدق بين ساسة تلك المرحلة في التعبير عن تحفظاته إزاء الاتحاد الأوروبي، تحفظات يسارية عريقة بعيدة عن خطاب اليمين القومي. غير أن هذا الصدق الأيديولوجي بالذات جعل حملته للبقاء فاترة وغير مقنعة، وأغلق أمامه باب الظهور على منصة موحدة مع خصومه السياسيين. والنتيجة كانت أن القواعد العمالية التقليدية في وسط إنكلترا وشمالها وجدت نفسها بلا توجيه واضح، فوقعت لقمة سائغة في يد شعارات جونسون وفاراج.
وخلف هذه الشعارات كان يقف المستشار الاستراتيجي دومينيك كامينغز، العقل المدبّر الذي حوّل معركة الخروج إلى عملية تسويق سياسي محكمة، مستعيناً بتحليل البيانات وأساليب الاستهداف الرقمي لاختراق الناخبين المترددين، قبل أن يتحول هو نفسه لاحقاً إلى أحد أشد المنتقدين لبوريس جونسون وطريقة إدارته للحكم. وخلف الكواليس، كانت بصمة الملياردير الأمريكي روبرت ميرسر حاضرة، إذ وجّه شركة كامبريدج أناليتيكا لخدمة حملة الخروج مجاناً، وهي الشركة ذاتها التي أوصلت ترامب إلى البيت الأبيض.
وسقط الجميع صرعى ثقتهم العمياء بـ«استطلاعات الرأي» التي كانت تشير إلى تفوق خيار البقاء حتى الساعات الأخيرة، متجاهلين ظاهرة «الناخب الخجول» الذي كتم رغبته في الخروج تفادياً لاتهامه بالرجعية، وانتقم لنفسه خلف ستارة صندوق الاقتراع.

صدمة الكلمة الأخيرة

ولعل أبلغ إدانة لما جرى جاءت من داخل البيت المحافظ نفسه؛ إذ كتب اللورد مايكل هيسلتاين، الوزير البارز في عهد مارغريت ثاتشر، في صحيفة «الإندبندنت» مطالباً بأن «الوقت قد حان للتراجع عن الجريمة الشنيعة التي ارتكبها بوريس وفاراج»، كلمات تصدر عن رجل محافظ في حق رفاق دربه السابقين حين يكون الجرح عميقاً فعلاً.
اختار صُنّاع الوثائقي إنهاء برنامجهم بجملة واحدة كانت الأكثر صدمة وإدانة في آنٍ معاً؛ فبينما كان حكماء البلد يحذرون من مغبة الخروج، تبين أن بوريس جونسون نفسه كان يظن أن معسكره سيخسر الاستفتاء. فلما فاز، صدم المقربين منه بعبارته التي اختار الوثائقي أن تكون كلمته الأخيرة: «نحن غير مستعدين، ونجهل ماذا سنعمل عند الخروج». ثمان كلمات اختصرت عبثية المشهد بأكمله. كل النقاشات والأرقام والوعود والخطابات التي امتدت سنوات، تهاوت أمام اعتراف واحد يكشف أن مصير أمة عريقة استُخدم ورقةً في صراع داخلي وتصفية حسابات شخصية، بدون أن يكلف أصحابه أنفسهم التفكير في اليوم التالي.
تستيقظ بريطانيا اليوم بعد عقد على حقيقة مريرة: بلد ممزق هوياتياً، ونخبة سياسية قفزت من السفينة بعد غرقها تاركةً الشعب يدفع ثمن الأكاذيب من قوته اليومي ومستقبل أجياله.
وفي عقد واحد، تعاقبت ست حكومات على داونينغ ستريت، فغدا باباً دوّاراً وهيبةً مثقوبة.
وتبقى تلك الجملة، لا تقارير الاقتصاديين ولا أرقام الخسائر، الشهادة الأنصع على ما جرى.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *