كراتين الإغاثة تتحول إلى دفاتر للطلبة في غزة



إسماعيل عبدالهادي

لم تعد معاناة طلبة قطاع غزة تقتصر على فقدان المدارس أو اضطراب العملية التعليمية، بل امتدت لتشمل حرمانهم من أبسط الأدوات الدراسية اللازمة لمواصلة التعلم، وفي مقدمتها الدفاتر والأقلام والقرطاسية. وفي مشهد يجسد قدرة الفلسطينيين على التكيف مع الظروف الاستثنائية، تحولت كراتين المساعدات الإنسانية التي تدخل إلى القطاع، إلى دفاتر وأدوات تعليمية يستخدمها الطلبة، وسط أزمة حادة في المستلزمات المدرسية.
ومع استمرار التحديات الاقتصادية والإنسانية التي تواجه الأسر الغزية، بات الحصول على الدفاتر والقرطاسية أمرا بالغ الصعوبة بالنسبة لآلاف الطلبة، هذا الواقع دفع العديد من المعلمين والمتطوعين وأولياء الأمور إلى البحث عن بدائل مبتكرة تضمن استمرار العملية التعليمية ولو بالحد الأدنى من الإمكانات.
داخل مراكز الإيواء والمناطق السكنية المتضررة، يجمع الأهالي كراتين المواد الغذائية والمساعدات الإغاثية، ثم يعيدون تدويرها عبر قصها وتنظيفها وتحويلها إلى دفاتر بدائية أو أغلفة للكتب والملفات المدرسية، كما تستخدم المساحات البيضاء الموجودة على بعض الصناديق للكتابة والتدريب وحل الواجبات المدرسية، في مقابل ذلك أطلقت مجموعات شبابية ومتطوعون مبادرات محلية لتجميع الكراتين والمواد القابلة لإعادة الاستخدام، وتحويلها إلى دفاتر وأدوات تعليمية توزع مجانا على الطلبة، كما يشارك بعض الفنانين والمعلمين في تزيين هذه الدفاتر برسومات تعليمية وتشجيعية تمنح الأطفال شعورا بالأمل والاستمرار.
ويواجه قطاع التعليم في غزة تحديات كبيرة نتيجة الظروف الراهنة، إذ تضررت العديد من المدارس والبنية التحتية التعليمية، فيما تعاني الأسر من ضغوط معيشية تجعل الأولوية لتأمين الاحتياجات الأساسية من الغذاء والمياه والدواء، وفيما تحذر مؤسسات تربوية وحقوقية من أن استمرار حرمان الأطفال من التعليم ومن الأدوات التعليمية الأساسية يهدد مستقبل جيل كامل، فالتعليم لا يقتصر على وجود معلم أو مكان للدراسة، بل يحتاج أيضا إلى بيئة متكاملة، تضمن للطالب حقه في التعلم واكتساب المعرفة.
وأفادت تقارير صادرة عن منظمات دولية معنية بالطفولة والتعليم، بأن المواد التعليمية لم تتمكن من الدخول إلى غزة بشكل منتظم لفترات طويلة، ما أدى إلى حرمان الأطفال من الأدوات الأساسية اللازمة للتعلم، فيما يؤكد معلمون أن هذه المبادرات ساهمت في توفير بديل مؤقت للطلبة.
ويرى مختصون تربويون أن استمرار العملية التعليمية، حتى بوسائل بسيطة ومتواضعة، يمثل عاملا مهما في الحفاظ على الاستقرار النفسي للطلبة ومنع تفاقم آثار الانقطاع عن الدراسة. في سياق ذلك يقول المدرس محمد حجازي، أصبح نقص القرطاسية تحديا يوميا للطلبة والمعلمين، في ظل محدودية الكميات المتوافرة وارتفاع أسعارها بشكل يفوق قدرة معظم الأسر التي تعاني أصلاً من أوضاع إنسانية ومعيشية صعبة، في حين تواجه المسيرة التعليمية في غزة معيقات كبيرة، فلم يقتصر الأمر على هدم المدارس واستكمال التعليم داخل الخيام، بل أن شح القرطاسية يعيق العملية التعليمية نتيجة اعتماد التعليم على الكتابة الورقية، وصعوبة التعليم الإلكترونى، بسبب ضعف شبكات الإنترنت وعدم توفر مصادر طاقة.
وقال لـ«القدس العربي»: «إن استخدام بدائل عن الدفاتر الدراسية، ساهم في منع توقف العملية التعليمية ومحاولة تجاوز الأزمة بما هو متوفر من إمكانيات متاحة رغم الظروف الصعبة، في محاولة لاستئناف العملية التعليمية المتوقفة منذ عامين نتيجة حرب الإبادة».
ويلفت إلى أن هناك الكثير من الأطفال يأتون إلى الصفوف المؤقتة بدون دفاتر أو أقلام، الأمر الذي يؤثر على قدرتهم على متابعة الدروس والواجبات المدرسية بصورة منتظمة، لكن رغم التحديات الهائلة، يواصل طلبة غزة التمسك بحقهم في التعليم، في صورة تجسد إرادة الحياة والإصرار على مواصلة التعلم حتى في أصعب الظروف.
ويؤكد أنه رغم بساطة هذه الوسائل، فإنها تعكس إصرار الطلبة وأسرهم على مواصلة التعليم، فالكرتون الذي كان مخصصا لنقل المساعدات الإنسانية، أصبح اليوم وسيلة لحفظ الدروس والواجبات المدرسية، في صورة تلخص قدرة المجتمع الغزي على تحويل أدوات الإغاثة إلى أدوات للبناء والمعرفة.
ويقول الطالب أنس صالح والذي يدرس في المرحلة الإعدادية، «أقوم بتجميع كراتين المساعدات من المستودعات الخاصة بالتوزيع، ومن ثم أفرز طبقات الكرتون واحدة تلو الأخرى، ومن ثم تثبيتها واستخدامها في تلخيص الدروس وحل الواجبات».
ويضيف لـ«القدس العربي» أن «هذه الخطوة تعتبر معاناة صعبة بالنسبة لي، حيث أن الحصول على قطع الكرتون أمر ليس بالسهل، في ظل حرص المواطنين على تجميعه واستخدامه في إيقاد النار وطهى الطعام، مع شح الغاز والحطب وسهولة اشعاله».
ويضيف أن الطلاب في غزة، يكافحون من أجل المحافظة على التعليم، رغم الكثير من المعيقات التي تواجه التعليم من قيود إسرائيلية، ومحاولة تغيير المنهاج وصولا إلى منع إدخال القرطاسية بأكملها.
ووسط الدمار الواسع الذي طال المؤسسات التعليمية، وجد مئات آلاف الطلبة أنفسهم أمام واقع قاسي، يجبرهم على الدراسة في خيام ومراكز إيواء تفتقر إلى الحد الأدنى من المقومات، ومع استمرار النقص الحاد في المستلزمات المدرسية، اضطر كثير من الأطفال إلى الكتابة على أوراق متناثرة، أو إعادة استخدام المواد المتاحة.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *