تابعت الحوار الذي جرى بين حسن بحراوي والذكاء الاصطناعي، فتدخلت بما يلي:
«تحياتي. اطلعت على الحوار الشيق الذي جمعك بحسن بحراوي، وكان مقترحتك حول كتابة التجربة مهما. ولقد كتبت كثيرا عنها، ولكنها موزعة في كتبي. سعيد يقطين. تقديري».
أهلا وسهلا بالأستاذ الدكتور سعيد يقطين..
«يشرفني كثيرا أن تنضم إلى هذا الحوار، وأشكرك على هذه اللفتة الكريمة. لقد كنتُ، في الحقيقة، أستشف من حديث حسن بحراوي، أن وراء تلك المرحلة تجربة جماعية، وأن أسماء مثل أحمد اليبوري، ومحمد برادة، وحسن بحراوي، وسعيد يقطين، والبشير القمري، وغيرهم، لم تكن مجرد أسماء متجاورة، بل كانت تمثل جيلا نقديا أسهم في نقل الدرس الأدبي العربي إلى أفق جديد.
وأنت محق تماما في قولك إن هذه التجربة مبثوثة في كتبكم المختلفة. وربما تكمن المشكلة هنا بالذات؛ فالقارئ الشاب يقرأ كتاب تحليل الخطاب الروائي، أو انفتاح النص الروائي، أو غيرهما، فيتعرف إلى المنهج، لكنه لا يعرف دائما السياق الثقافي والجامعي الذي ولد فيه هذا المشروع، ولا النقاشات التي صاحبته، ولا رهاناته الفكرية.
ولهذا ما زلت أرى أن جمع تلك الشهادات، حتى لو كانت منشورة من قبل، في كتاب واحد، سيكون ذا قيمة كبيرة. وليس بالضرورة أن يكون كتابا تأريخيا بالمعنى التقليدي، بل يمكن أن يكون حوارا بين رفيقي درب، يستعيدان فيه تلك اللحظة المؤسسة، مع الإحالة إلى ما كتباه سابقا. ففي التاريخ الفكري، كثيرا ما تكون إعادة تركيب الشهادات أهم من إضافة معلومات جديدة. وأرجو أن أقول لكم، وأنت أحد أبرز صانعي هذه التجربة، إن أثرها لم يقتصر على المغرب، بل امتد إلى مجمل النقد العربي. فما استقر اليوم في لغة النقد من مصطلحات مثل التبئير، والخطاب الروائي، والنص المترابط، والسرديات، يحمل، بدرجات متفاوتة، بصمة الجهد الذي بذلتموه في التعريب والتأصيل والمراجعة.
أرحب بك في هذا المجلس الفكري، وأتمنى أن تتاح لنا فرصة التحاور معا حول موضوع طالما ارتبط باسمك، وهو السرديات العربية: متى تنتقل، في رأيك، من مرحلة استثمار النظريات الغربية إلى إنتاج مفاهيم تنبع من خصوصية المتن السردي العربي؟ أظن أن هذا السؤال لا يزال مفتوحا، ولا يزال يستحق النقاش.
خالص التقدير والاحترام لكم، ولحسن بحراوي، ولجيلكم الذي ترك أثرا لا يُنكر في مسار النقد العربي الحديث.
«تحياتي. شكرا جزيلا على سؤالك المهم، وأظن أني قدمت الكثير من الإجابات عنه، ولعل كتابيَّ حول «السرد العربي: مفاهيم وتجليات»، و»السرد العربي: أنواع أنماط» فيهما جزء مما أفكر فيه. وأنا الان بصدد الرجوع إلى التراث العربي لاستكشاف ما يتصل بالسرد عموما من مصطلحات، ومفاهيم عامة ذات صلة بالسرد. ولعل سؤالاتي عن الأنواع السردية العربية، سيكون إضافة نوعية في حقل النظرية السردية. وأعتبر ما كتبته عن الراوي العربي وتحقيب السرد العربي وفق توظيف الوسائط من بين أهم القضايا التي أنشغل بها. تقديري».
أستاذي الكريم الدكتور سعيد يقطين…
سررت كثيرا بقراءتي لهذه الكلمات، لأنها لا تقدم جوابا فحسب، بل ترسم ملامح مشروع فكري ممتد. وأعتقد أن الخيط الناظم لما تفضلتم به هو الانتقال من تلقي السرديات إلى إنتاج سرديات عربية، لا بمعنى القطيعة مع المنجز العالمي، وإنما بمعنى الحوار معه انطلاقا من أسئلة تنبع من تراثنا ومتوننا. وقد لفت انتباهي، على وجه الخصوص، ثلاثة محاور في مشروعكم أرى أنها مترابطة:
الراوي العربي: وهو، في تقديري، أكثر من مجرد إعادة تسمية لموقع الراوي في السرديات الغربية. إنه محاولة للكشف عن أنماط التلفظ والحكي التي أفرزها التراث العربي، من الأخبار والمقامات والسير إلى الحكايات الشعبية، وما تتيحه من صيغ سردية قد لا تستوعبها التصنيفات التي نشأت مع الرواية الأوروبية.
تحقيب السرد العربي وفق الوسائط: وهذه فكرة أعدها من أكثر أفكاركم أصالة. فهي تنقل التحقيب من مجرد التقسيم الزمني أو السياسي إلى النظر في وسيط إنتاج السرد وتداوله: من الشفاهية، إلى الكتابة، إلى الطباعة، ثم إلى البيئة الرقمية. وهذا يفتح أفقا جديدا لدراسة تحولات السرد العربي بوصفها تحولات في شروط إنتاجه وتلقيه، لا في موضوعاته فحسب.
الأنواع السردية العربية: وأظن أن هذا المشروع قد يكون، بالفعل، إضافة نوعية. فقد انشغلت السرديات الكلاسيكية بتوصيف أجناس تشكلت في سياق الثقافة الغربية، بينما يظل التراث العربي غنيا بأشكال مثل الخبر، والمقامة، والسيرة، والرحلة، والمنام، والوصية، والتوقيعات، وغيرها. والسؤال هنا ليس: كيف نلحقها بالتصنيفات الجاهزة؟ بل ماذا تضيف هي إلى نظرية السرد نفسها؟
وهنا يخطر لي سؤال ربما يستحق التفكير المشترك. لقد انشغل جيرار جنيت ببناء نحوٍ للسرد، وانشغل ميخائيل باختين بحوارية السرد، أما مشروعكم، كما أقرأه، فيتجه إلى بناء ما يمكن أن أسميه، بتعبير أولي، أركيولوجيا السرد العربي؛ أي الكشف عن طبقاته التاريخية، ومصطلحاته، وأجناسه، ووسائطه، قبل إدخاله في أي جهاز نظري جاهز. إذا كان هذا الوصف قريبا من تصوركم، فأعتقد أنه يمنح مشروعكم وحدة داخلية واضحة، ويجعله يتجاوز حدود التطبيق إلى الإسهام في تطوير النظرية نفسها.
وأختتم بكلمة شخصية. لقد كان من دواعي سروري أن يجمع هذا الحوار بين الأستاذين حسن بحراوي وسعيد يقطين، وهما اسمان ارتبطا، كل بطريقته، بتكوين أجيال من الباحثين في السرديات. ولعل أجمل ما في هذا اللقاء أنه أعاد إلى الواجهة روح الحوار التي ميّزت جيلكم: اختلاف في المقاربات، واتفاق في الإيمان بأن النقد ليس استهلاكا للمفاهيم، بل إنتاجا لها.
لكم مني خالص التقدير والاحترام، وأرجو أن تتاح لنا لقاءات أخرى نتناول فيها، بتأنٍ، قضايا مثل مصطلحات السرد في التراث العربي، أو العلاقة بين السرديات الرقمية والسرديات العربية، وهما موضوعان أرى أنكم قدمتم فيهما إسهاما يستحق أن يُقرأ ويُناقش على نطاق أوسع». وكان جوابي:
«شكرا جزيلا على مساهمتك في إضاءة الكثير من الجوانب المهمة التي يغفل عنها الكثير من المتتبعين والباحثين المغاربة والعرب عن التجربة النقدية المغربية، وإلى فرصة أخرى لمتابعة الحوار الممتع والمفيد. تقديري».
كاتب مغربي