نتنياهو يتعمد التصعيد في الضفة الغربية


عاموس هرئيل

تبرز الضفة الغربية كساحة توتر رئيسية بين الحكومة والجيش الاسرائيلي على مدار الشهرين المتبقيين على انتخابات الكنيست. أما في إيران ولبنان وقطاع غزة فيحدد ترامب قواعد اللعب بدرجة كبيرة. في الوقت الراهن، لا يبدو أن ترامب يسعى إلى تصعيد أمني جديد في الشرق الأوسط خلال الفترة المتبقية حتى الانتخابات النصفية الأمريكية، التي ستجرى بعد أسبوع من الانتخابات الاسرائيلية. مع ذلك، يترك ترامب لنتنياهو هامشاً من التحركات العسكرية الاستباقية، كما يتضح من الغارات الجوية المتكررة على غزة، وبدرجة اقل على لبنان.

أما الضفة الغربية فوضعها مختلف. فالعنف فيها، لا سيما هجمات العناصر الإرهابية اليهودية ضد الفلسطينيين، يجلب اهتماماً دولياً واسعاً، لكن يبدو الادارة الامريكية في الوقت الحالي أن، باستثناء تعبير مايك هاكابي عن الصدمة، غير راغبة في التدخل بشكل حاد فيما يحدث. وفي الخفاء يزداد الخوف بين المستوطنين، ومبعوثهم الأكثر فاعلية في الحكومة الوزير سموتريتش، من أن هؤلاء “الأوغاد” سيغيرون قواعد اللعب بعد الانتخابات: ربما تتوقف موجة البناء والتهجير والعنف التي تشهدها الضفة الغربية منذ تولي الحكومة السابقة الحكم في كانون الأول 2022.

الإثنين، قام نتنياهو بزيارة مفاجئة غير معتادة إلى مقر قيادة المنطقة الوسطى في القدس. وبعد حصولهما على إشعار قصير بالزيارة، هرع وزير الدفاع إسرائيل كاتس ورئيس الأركان إيال زامير الى هناك، كل لأسبابه الخاصة. استمع نتنياهو وكاتس إلى إحاطات من كبار قادة الجيش أكدت مخاوف فقدان السيطرة على الأرض، في ظل تصاعد ملحوظ في عدد الأحداث العنيفة التي يرتكبها الجانب الاسرائيلي في الضفة الغربية، وما يرافقها من تصاعد في حدة العنف لهذه الأحداث.

تم تسريب إجزاء معينة من النقاش إلى وسائل الإعلام في البداية، وأفيد بأن نتنياهو طلب الاطلاع على خطة الجيش الإسرائيلي لمواجهة ما يعرف بـ “الانقلاب المفاجئ”، وهو تصعيد أمني سريع يشارك فيه أفراد الأمن في السلطة الفلسطينية بشكل فعال في القتال ضد الجيش الإسرائيلي

وقد تم تسريب إجزاء معينة من النقاش إلى وسائل الإعلام في البداية، وأفيد بأن نتنياهو طلب الاطلاع على خطة الجيش الإسرائيلي لمواجهة ما يعرف بـ “الانقلاب المفاجئ”، وهو تصعيد أمني سريع يشارك فيه، للمرة الأولى منذ عملية “الدرع الواقي” في 2002، أفراد الأمن في السلطة الفلسطينية بشكل فعال في القتال ضد الجيش الإسرائيلي. ورد رئيس الأركان بأن رجاله لم يكونوا على علم برغبة رئيس الوزراء في الاطلاع على الخطة، وأنها ستعرض عليه قريباً.

في الخلفية يلوح في الأفق خوف من أن تقدم السلطة الفلسطينية على خلفية تصاعد هجمات المستوطنين على القرى العربية من البؤر الاستيطانية والمزارع في المناطق “أ” و”ب”، على تسليح لجان الدفاع المحلية في هذه القرى، ما قد يدفعها إلى إطلاق النار في الهجوم التالي. عملياً، يعود أحد أسباب عدم تحقق هذا السيناريو حتى الآن إلى رغبة قيادة السلطة الفلسطينية في منع تصاعد التوتر في الضفة الغربية، ما قد يؤثر على نتائج الانتخابات الإسرائيلية.

في زيارته لقيادة المنطقة الوسطى وما تلاها من تسريبات، حقق نتنياهو عدة إنجازات: طرح احتمالية انهيار السلطة الفلسطينية للنقاش العام، وصور نفسه كشخص يطالب الجيش بالاستعداد لأخطر الاحتمالات (الأمر الذي تجاهله عشية المذبحة في 7 أكتوبر)، وضمن تغطية إعلامية تظهر رئيس الأركان كشخص لم يعط اهتماماً كافياً للأمور. يشتبه بعض أفراد الجيش في وجود مشكلة أعمق تكمن هنا: نتنياهو يمهد الطريق لتدهور متعمد في الضفة الغربية، بهدف تحويل مسار الأجندة الانتخابية عن الانشغال الحالي بالإخفاقات التي مكنت من وقوع المذبحة في الغلاف.

الخميس، أصدر متحدث باسم الجيش الاسرائيلي بياناً حول “تقييم للوضع في مواقع متعددة” في اجتماع عقده رئيس الأركان في صباح ذلك اليوم. هناك قال زامير إن الجيش في “حالة تأهب قصوى في مواجهة تصاعد التوتر في أماكن مختلفة”، وأصدر تعليماته لقيادة الفرقة 98 بوضع الفرقة في حالة تأهب حتى تتمكن عند الحاجة من تولي مسؤولية نصف الضفة الغربية، في حين ستواصل فرقة “يهودا والسامرة” [الضفة الغربية] إدارة النصف الآخر. وقد سربت لوسائل الإعلام معلومات تقول إن الجيش يفحص إلغاء إجازات “تشري” لجنود الاحتياط المنتسرين في الخدمة العملياتية.

يمارس نتنياهو وزامير مناورة سياسية معقدة. من الواضح أن زامير يشك في نوايا الحكومة بسبب تراجع شعبية الائتلاف الحاكم في الاستطلاعات، ويرغب في تجنب زج الجيش في تعقيدات أمنية جديدة لها دوافع سياسية. ورداً على مناورة رئيس الوزراء، أشار رئيس الأركان إلى استعداد الجيش لأي سيناريو، لكنه في الوقت نفسه، لفت انتباه الرأي العام بشكل غير مباشر إلى المناورات السياسية للائتلاف. في غضون ذلك، يتعرض زامير لانتقادات يومية في القناة 14 التابعة للنظام، حيث يوصف بأنه عدو المملكة.

كل ذلك يتزامن مع تصريحات بعض الشخصيات البارزة، التي بدأت تلمح إلى احتمالية رفض جماعي لنتائج الانتخابات إذا انتهت بهزيمة كتلة نتنياهو. وحتى ذلك الحين، لم يخفِ كثيرون في اليمين، بمن فيهم سموتريتش وكبار قادة المستوطنات، الرغبة في اندلاع صراع أشد في الضفة الغربية. إلى جانب التأثير على الانتخابات، سيمكن هذا التطور إسرائيل من تبرير تحرك عسكري استباقي لإسقاط السلطة الفلسطينية، يتبعه احتلال أراض وتهجير جماعي للسكان، على شاكلة ما فعلته إسرائيل بقطاع غزة خلال السنوات الأخيرة.

وسائل الإعلام الإسرائيلية لا تهتم بما يحدث في الضفة الغربية إلا بعد وقوع أحداث كبيرة أو استفزازات صارخة مثل مسيرة المستوطنين في قرية تل، التي أدت إلى قتل إسرائيليين اثنين وأربعة فلسطينيين في الشهر الماضي، وتحطيم النائب تسفي سوكوت (الصهيونية الدينية) للنصب التذكاري في قرية مادما في الأسبوع الماضي. ولكن في الواقع، أصبح تعمُّد التصعيد ضد الفلسطينيين واضحاً، ومن المرجح أن يزداد سوءاً مع اقتراب موعد الانتخابات. وشهد يوم أمس (السبت) أيضاً هجمات للمستوطنين، أبرزها في قرية قصرة في جنوب نابلس. سيكون من المثير للاهتمام فهم ما تعرفه واشنطن وما تفهمه بشأن ذلك كله، وما إذا كانت الإدارة الأمريكية تأخذ في الحسبان احتمالية أن تأتي المصيبة التالية من الضفة الغربية.

هآرتس 30/8/2026



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *