نتفهم مخاوف الجزائر من “العبث الإماراتي” بمنطقتنا… والحل في تونس لن يأتي من أنقرة أو واشنطن


لندن- “القدس العربي”: قال رياض الشعيبي، المستشار السياسي لرئيس حركة النهضة التونسية، راشد الغنوشي، إن الخلاف مع الرئيس قيس سعيد لا يمكن أن يكون مبررًا للاستقواء بالخارج أو تسليم القرار الوطني لأي دولة أو قوة أجنبية.

كما أبدى تفهم الحركة لمخاوف الجزائر مما سماه “العبث الإماراتي” في المنطقة، لكن دعا -في المقابل- إلى التمييز بين الأمن الإقليمي والتدخل في الشؤون التونسية.

وكان زهير المغزاوي، أمين عام حركة الشعب، اتهم في حواره الأخير مع “القدس العربي”، حركة النهضة بـ”الترحيب بالتدخل الأجنبي للتخلص من سعيد ونظامه، لا لأنه يمثل خطرا على تونس، بل لأنه انتزع منهم مغانم السلطة”، وفق تعبيره.

“الخلاف مع قيس سعيد لا يمكن أن يكون مبررًا للاستقواء بالخارج أو تسليم القرار الوطني لأي دولة أو قوة أجنبية”

وعلق الشعيبي على تصريح المغزاوي بالقول: “هذا اتهام سياسي خطير، وهو يحتاج إلى أدلة لا إلى الانطباعات، حتى لا يكون مجرد استمرار لخطاب سياسي مشروخ وخادم لسلطة الاستبداد، عوض أن يكون معبّرا عن الحقيقة”.

وأضاف في حوار خاص مع “القدس العربي”: “موقفنا كان دائمًا واضحًا: نحن نرفض أي تدخل سياسي أجنبي في الشأن التونسي، كما نرفض أي وصاية خارجية على القرار الوطني. والخلاف مع قيس سعيد لا يمكن أن يكون مبررًا للاستقواء بالخارج أو تسليم القرار الوطني لأي دولة أو قوة أجنبية”.

لكن الشعيبي دعا- في المقابل- إلى التفريق بين التضامن الدولي مع المعتقلين والحريات وحقوق الإنسان، وبين طلب التدخل الأجنبي لتغيير السلطة.

وأوضح بقوله: “عندما تطالب منظمات وهيئات حقوقية دولية أو خارجية باحترام حقوق الإنسان في تونس، فهذا ليس تفويضًا لها لكي تملي على التونسيين ما يجب عليهم فعله في إدارة البلاد وطريقة حل أزماتها، أو أنها ستختار لنا رئيسنا أو حكومتنا. وإنما من نافلة القول التذكير دائما بكونية مبادئ حقوق الانسان، وضرورة احترامها بمقتضى القانون الإنساني والدولي والتزامات وتعهدات الدولة التونسية”.

واعتبر أن حديث المغزاوي عن رغبة النهضة في التخلص من سعيد لأنه “انتزع منها مغانم السلطة”، هو “اختزال مضلل للتاريخ السياسي للبلاد. فنحن نعارض الانقلاب على المسار الدستوري، ليس لأننا نريد استعادة مغانم سابقة، وإنما لأننا نعتقد أن تحويل الحكم إلى سلطة فردية وإلغاء التعددية السياسية يمتهن كرامة التونسيين ويرتهن حقهم في بناء مستقبل أفضل”.

وتابع الشعيبي: “بالمناسبة، نحن لم نطالب باستعادة وضع 2011 أو 2014، أو حتى 2019. المطلوب وطنيا هو بناء نظام سياسي جديد أكثر نضجًا، يقوم على التعددية والتوازن بين السلطات والشرعية الديمقراطية”.

وحول اتهام المغزاوي للنهضة بإخراج تصريحات الرئيس الجزائري عبد المجيد تبّون حول تونس من سياقها، قال الشعيبي: “الجزائر دولة جارة وشقيقة، واستقرار تونس يهمها بالتأكيد، كما أن استقرار الجزائر يهم تونس. وهذا أمر طبيعي بحكم الجغرافيا والتاريخ والمصالح المشتركة”.

واستدرك بالقول: “لكن حرص الجزائر على أمنها القومي لا يعني بالنسبة لنا أننا سنتعامل مع السياسة الجزائرية باعتبارها سياسة عدائية تجاه تونس، كما لا يعني في المقابل أن نقبل أي تدخل منها أو من أي طرف خارجي آخر في تحديد مستقبل تونس. وموقفنا واضح: العلاقات التونسية الجزائرية يجب أن تقوم على الاحترام المتبادل والسيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية”.

الشعيبي: أما التصريحات السياسية (للرئيس تبون)، فنحن  قرأناها في سياقها الكامل، لذلك نحن نتفهم مخاوف الأخوة الجزائريين من العبث الإماراتي في منطقتنا، بل ونشاركها نفس التخوفات

وأضاف الشعيبي: “أما التصريحات السياسية (للرئيس تبون)، فنحن  قرأناها في سياقها الكامل، لذلك نحن نتفهم مخاوف الأخوة الجزائريين من العبث الإماراتي في منطقتنا، بل ونشاركها نفس التخوفات. وإنما يجب أن نميّز جيدا بين الأمن الإقليمي ومساهمتنا في دعمه، وبين التدخل في شؤون تونس الداخلية ودعم سلطة فاقدة لكل شرعية وعاجزة عن الإنجاز ومخلة بالاستقرار الذي نريده، تحت ذرائع مختلفة”.

 واعتبر أن تونس تحتاج اليوم “علاقات متوازنة مع كل جيرانها وأصدقائها، وفي مقدمتهم الجزائر، تقوم على المصالح المشتركة، وعلى عدم تحويل تونس إلى ساحة صراع نفوذ إقليمي”.

وكان رئيس الحكومة السابق، هشام المشيشي، عبّر في حوار سابق مع “القدس العربي” عن رفضه فكرة تشكيل حكومة في الخارج، مؤكدا أن المعارضة يجب أن تكون بوسائل مشروعة بعيدا عن الدعم الخارجي.

وعلّق الشعيبي على ذلك بالقول: “أتفق مع المبدأ الذي يقول إن التغيير السياسي في تونس يجب أن يكون وطنيا، وأن المعارضة يجب أن تتحرك بوسائل سياسية وسلمية ومشروعة. وقد كنت دائمًا ضد فكرة أن تأتي الحلول السياسية إلى تونس جاهزة من الخارج. فتونس ليست دولة فاقدة للسيادة حتى يقرر الآخرون شكل نظامها أو حكومتها”.

لكنه اعتبر أنه “من حق المعارضة التونسية أن تشرح قضيتها للرأي العام الدولي، وأن تطلب من المنظمات والهيئات الحقوقية الدولية الضغط من أجل احترام حقوق الإنسان وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين. هذا جزء طبيعي من العمل السياسي والحقوقي في عالم اليوم”.

واستدرك بالقول: “أما تشكيل حكومة في الخارج، فهذه مسألة مختلفة. أرى أن تشكيل سلطة رمزية خارج البلاد، يزيد في تعقيد الأزمة في تونس ولا يساعد على حلها”.

“الغنوشي ليس بحاجة لأن يكون مواطنًا تركيًا حتى يكون الدفاع عن حقوقه مشروعًا كما أن التضامن الدولي مع قضايا الحرية ليس اختراعًا تونسيًا ولا تركيًا”

وتابع الشعيبي: “وبدلا من هذه الخطوة السياسية الخاطئة، أعتقد أن المهمة المركزية للمعارضة تتمثل في بناء توافق وطني تونسي حول مرحلة انتقالية جديدة، تكون مهمتها الأساسية إعادة فتح المجال السياسي، وإطلاق مسار عدالة وانتقال ديمقراطي، ثم تنظيم انتخابات حرة ونزيهة تعيد الكلمة للشعب التونسي”.

وكان عشرات الحقوقيين والنشطاء الأتراك نظموا وقفة احتجاجية أمام القنصلية التونسية في إسطنبول للمطالبة بالإفراج عن الغنوشي، تزامنت مع دعوة مماثلة من سياسيين بارزين على غرار الرئيس السابق عبد الله غُل، ورئيس البرلمان السابق مصطفى شنطوب. وهو ما اعتبره البعض محاولة للتدخل في الشأن الداخلي لتونس.

وعلّق الشعيبي بالقول: “أولًا، أريد أن أؤكد أن راشد الغنوشي ليس بحاجة إلى أن يكون مواطنًا تركيًا حتى يكون الدفاع عن حقوقه مشروعًا. هو سياسي تونسي، ورئيس سابق للبرلمان، ومعتقل في قضية سياسية، ومن الطبيعي أن تحظى قضيته باهتمام حقوقي وإعلامي دولي”.

واعتبر أن الوقفة الاحتجاجية المذكورة تأتي “في إطار التضامن الحقوقي والسياسي، ما دامت سلمية ولم تتضمن دعوة إلى فرض قرار على الدولة التونسية. ونحن نرفض أن يتدخل أي طرف أجنبي في تحديد مستقبل تونس السياسي. لكن رفض التدخل السياسي شيء، ورفض التضامن الحقوقي شيء آخر”.

وأضاف: “ثم إن التضامن الدولي مع قضايا الحرية ليس اختراعًا تونسيًا ولا تركيًا. الديمقراطية وحقوق الإنسان أصبحتا موضوعًا يتجاوز الحدود، وكل الدول الديمقراطية والمنظمات الحقوقية تتفاعل مع قضايا بعضها البعض”.

كما اعتبر الشعيبي أنه من حق غُل وشنطوب وغيرهما التعبير عن مواقفهم “كما من حقنا نحن أن نعبر عن مواقفنا تجاه قضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان في تركيا أو في أي مكان آخر”.

وأضاف: “في النهاية، الحل لن يأتي من أنقرة أو الجزائر أو واشنطن أو أي عاصمة أخرى. الحل يجب أن يكون تونسيًا”.

“في النهاية، الحل لن يأتي من أنقرة أو الجزائر أو واشنطن أو أي عاصمة أخرى. الحل يجب أن يكون تونسيًا”.

وتابع الشعيبي: “نحن نريد تونس دولة مستقلة في قرارها، ديمقراطية في نظامها، عادلة مع مواطنيها، وقادرة على إدارة خلافاتها الداخلية دون سجون سياسية ودون تدخلات أجنبية. وهذا هو جوهر موقفنا: لا للاستقواء بالخارج، ولا لاستخدام السيادة ذريعة لإسكات المعارضين للسلطة، ولا لتحويل تونس إلى ساحة صراع دولي أو إقليمي”.

وحول الوضع الصحي للغنوشي، قال الشعيبي: “بحكم تقدمه في السن وطول فترة سجنه والظروف التي يعيشها، يحتاج الغنوشي قبل كل شيء إلى رعاية صحية جدية ومنتظمة، ولا أعتقد أن الإضراب الطويل عن الطعام يمكن أن يمر دون آثار على صحته، خصوصًا في مثل هذه السن”.

وأضاف: “أما عن حياته داخل السجن، فهي بطبيعة الحال شديدة الصعوبة. لكن ما أعرفه عنه أنه قادر على المحافظة على توازنه النفسي والفكري، وأن يجعل من فترة السجن فرصة للتأمل والمراجعة والكتابة. وهو، رغم كل ما تعرض له، ما يزال متمسكًا بقناعته بأن ما يجري في تونس ليس مجرد خلاف سياسي عابر، وإنما أزمة عميقة تتعلق بمستقبل الدولة والنظام السياسي والحريات”.

وحول معركة الأمعاء الخاوية التي يخوضها عدد من السياسيين داخل السجن، قال الشعيبي: “الإضراب عن الطعام هو في الأصل وسيلة احتجاجية قصوى، يلجأ إليها المعتقل عندما يشعر أن كل وسائل التعبير الأخرى قد أغلقت أمامه. ولذلك فإن دخول شخصيات سياسية وحقوقية بارزة في معركة الأمعاء الخاوية يعكس، في تقديري، عمق الأزمة التي وصلت إليها البلاد داخل السجون وخارجها”.

وأضاف: “ما يقلقني اليوم ليس فقط عدد المضربين، وإنما أن يصبح الإضراب عن الطعام وسيلة شبه وحيدة لإسماع صوت المعتقلين. وهذا مؤشر خطير على إغلاق قنوات الحوار والإنصاف والعدالة”.

واعتبر أن معركة الأمعاء الخاوية “قد تتوسع إذا لم تقع معالجة جدية لأسبابها”.

واستدرك بقوله: “لكنني لا أرى أن المطلوب هو أن يتحول الإضراب إلى منافسة في عدد المضربين. فالمطلوب هو أن تتوقف الأسباب التي دفعتهم إليه، وأن تتم مراجعة الملفات القضائية في إطار ضمانات المحاكمة العادلة، وأن تنتهي سياسة العقاب الجماعي والتنكيل بالخصوم السياسيين”.

وحمل المسؤولية للسلطات “لأنها تملك أدوات القرار، وعليها أن تدرك أن حياة هؤلاء المعتقلين وسلامتهم الجسدية مسؤولية الدولة”.

من جهة أخرى، اعتبر الشعيبي أن تونس “تمر اليوم بأزمة مركبة: سياسية واقتصادية وأزمة ثقة بين الدولة والمجتمع. والخطر الحقيقي هو أن هذه الأزمات لم تعد منفصلة عن بعضها، وإنما أصبحت تغذي بعضها البعض”.

وأشار إلى أن ارتفاع الأسعار ونقص بعض المواد الأساسية وتراجع القدرة الشرائية “ليست مجرد مشكلات يومية يمكن التعامل معها بالمسكنات. بل هي أعراض لأزمة اقتصادية أعمق، تتعلق بضعف النمو والاستثمار والإنتاجية وتدهور المالية العمومية وغياب رؤية اقتصادية واضحة”.

وحذّر من أن “استمرار الوضع بهذه الطريقة سيزيد من حالة الاحتقان الاجتماعي، حتى وإن لم تظهر في شكل احتجاجات سياسية واسعة في كل لحظة. فغياب الاحتجاج لا يعني نهاية الأزمة. فالمجتمعات قد تصمت أحيانا، لكنها عندما تفقد الأمل في إمكانية الإصلاح من داخل المؤسسات، يمكن أن تنتقل بسرعة من الصمت إلى الانفجار. لذلك فإن أخطر ما يمكن أن يحدث في تونس هو استمرار التعثر السياسي والاقتصادي في الوقت نفسه”.

وتواجه المعارضة التونسية انتقادات كبيرة لأنها لم تتمكن حتى الآن من طي صفحة خلافاتها وتوحيد نفسها وإقناع الشارع التونسي. فيما يتحدث البعض عن نجاح نظام الرئيس قيس سعيد بـ”تدجين” التونسيين وخاصة بعد تراجع نسبة الاحتجاجات رغم تفاقم الأوضاع في البلاد.

واعتبر الشعيبي أن المعارضة التونسية “تتحمل -بلا شك- جزءًا من مسؤولية ضعف حضورها في الشارع. لقد عانت من التشتت، ومن الخلافات حول الأولويات، ومن غياب مشروع سياسي واجتماعي موحد قادر على مخاطبة التونسيين بلغة المستقبل وليس فقط بلغة رفض السلطة القائمة”.

لكنه أكد أن تحميل المعارضة وحدها مسؤولية الوضع “فيه قدر كبير من التجني. فنحن أمام سلطة تسيطر على مؤسسات الدولة والإعلام العمومي وأدوات القرار، وفي مناخ سياسي وقضائي شديد الصعوبة، مع وجود عدد كبير من القيادات السياسية في السجن أو في المنفى، أو في وضعيات قانونية مقيدة”.

ويرى الشعيبي أن المطلوب من المعارضة اليوم “ليس فقط أن تتوحد تنظيميًا، وإنما أن تتوحد حول مشروع وطني بديل: ماذا سنفعل في الاقتصاد؟ كيف سنعيد بناء المؤسسات؟ كيف سنعالج الفقر والبطالة؟ كيف نعيد الثقة في الدولة؟ وكيف نضمن ألا تعود تونس مرة أخرى إلى الحكم الفردي؟”.

كما رفض الحديث عن “تدجين” التونسيين من قبل نظام سعيد، وأوضّح بقوله: “أنا لا أفضل هذا التوصيف. فالتونسيون لم يفقدوا إرادتهم السياسية، لكنهم يعيشون حالة إنهاك وإحباط. المواطن الذي يبحث يوميًا عن الماء أو الدواء أو العمل أو لقمة العيش قد لا يجد الطاقة للنزول إلى الشارع. ثم إن انخفاض الاحتجاجات لا يعني أن السلطة نجحت في إقناع الناس. في الوضع التونسي الحالي، الصمت علامة على اليأس وليس على الرضا”.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *