نبش سرديات واتهامات بـ”الإقصاء” وشن حروب نفسية…  سجال إعلامي مغربي موريتاني


نواكشوط – “القدس العربي”: لم يعد ظهور ملف الصحراء الغربية إلى الواجهة مقتصراً على قرارات الأمم المتحدة أو التحركات الدبلوماسية المعتادة، في هذه المنطقة الساحلية الصحراوية الملتهبة، والتي تتقاطع فيها الحسابات الأمنية مع رهانات النفوذ الجيوسياسي.

فقد تأكد أن ملف الصحراء، بما له من حساسية سياسية، قابل للتصدر من خلال منافذ أخرى، حيث ظهر ضمن “حروب السرديات” التي تخوضها وسائل الإعلام والنخب السياسية والفكرية في المنطقة.

فعبر نافذة المقالات يشتعل حالياً جدل ساخن بسبب مقال مثير نشره الصحافي المغربي عبد الهادي مزراري تحت عنوان “موريتانيا تتأهب لقرار مصيري”، ودعا فيه حكومة نواكشوط، بشكل غير مباشر، إلى مراجعة “حيادها التاريخي” والاقتراب من الطرح المغربي في قضية الصحراء.

يشتعل حالياً جدل ساخن بسبب مقال مثير نشره الصحافي المغربي عبد الهادي مزراري تحت عنوان “موريتانيا تتأهب لقرار مصيري”

ومع كثرة المقالات التي ينشرها عشرات الكتاب المغاربة في معركتهم من أجل مغربية الصحراء، فإن مقال مزراري لم يمر بهدوء داخل الأوساط السياسية والإعلامية الموريتانية. لقد فجّر موجة ردود واسعة، كان أبرزها الرد المطول الذي كتبه أحمد أمبارك الإمام، رئيس مركز “ديلول” للدراسات الاستراتيجية والضابط السابق في الجيش الموريتاني، والذي اعتبر أن ما نشره مزراري ليس مجرد رأي صحافي، بل جزء من “حرب ناعمة” تستهدف موريتانيا وموقعها الإقليمي.

معركة السرديات

يرى الإمام أن بعض الأقلام المغربية لم تعد تتعامل مع موريتانيا باعتبارها دولة ذات سيادة اختارت الحياد، بل باعتبارها “هدفاً لإعادة التموضع السياسي”.

وفي قراءته، أكد أن المقال المغربي “يعكس وجود خطاب إعلامي منظم يسعى إلى الضغط على نواكشوط لتغيير موقفها، وتصوير الحياد الموريتاني باعتباره موقفاً مؤقتاً أو انتهازياً، ودفع الرأي العام الموريتاني نحو القبول التدريجي بالرؤية المغربية”.

وذهب أبعد من ذلك، حيث تحدث عن “خلية إعلام وحرب نفسية” موجهة نحو موريتانيا، معتبراً أن “تكرار الخطاب نفسه في وسائل إعلام مغربية متعددة يكشف وجود إرادة سياسية تتجاوز حدود حرية التعبير الفردية”.

يرى الإمام أن بعض الأقلام المغربية لم تعد تتعامل مع موريتانيا باعتبارها دولة ذات سيادة اختارت الحياد، بل باعتبارها “هدفاً لإعادة التموضع السياسي”

وأعاد الرد الموريتاني التذكير بنقطة شديدة الحساسية في تاريخ النزاع، وهي اتفاقية مدريد التي تقاسمت بموجبها موريتانيا والمغرب إدارة الإقليم بعد الانسحاب الإسباني عام 1979.

واستند الإمام إلى هذه الاتفاقية ليقول إن موريتانيا تمتلك أيضاً
سردية تاريخية وقانونية يمكن أن تستخدمها إذا تحولت المعركة إلى معركة روايات تاريخية، في إشارة إلى إقليم وادي الذهب الذي كانت نواكشوط تعتبره جزءاً من مجالها الجيوسياسي قبل انسحابها من النزاع سنة 1979.

وقد حمل هذا التذكير رسالة ضمنية مفادها أن الضغط على موريتانيا قد يدفع بعض نخبها إلى إعادة فتح ملفات ظلت مجمدة لعقود.

من بين أبرز النقاط التي أثارها الإمام حديثه عن بلدة لكويرة، المحاذية لمدينة نواذيبو العاصمة الاقتصادية الموريتانية، والتي اعتبر الكاتب أن من “حسن النيات” أن يدعم المغرب مستقبلاً ضمها إلى موريتانيا بعد انتهاء النزاع. ورغم أن هذا الطرح لا يمثل موقفاً رسمياً، فإنه يعكس حساسية موريتانية متزايدة تجاه الترتيبات الجيوسياسية على حدودها الشمالية، خصوصاً مع تنامي المشاريع المغربية في المنطقة.

المبادرة الأطلسية

وكان أكثر المحاور حساسية في رد الكاتب الموريتاني انتقاده الضمني للمبادرة الأطلسية التي أطلقها المغرب تجاه دول الساحل. ففي نظر الإمام، فإن إشراك مالي والنيجر وبوركينا فاسو، في مشروع استراتيجي أطلسي، دون موريتانيا، يحمل رسالة إقصاء جيوسياسي لدولة تمتلك واجهة بحرية مباشرة على الأطلسي، وتشكل معبراً تقليدياً نحو الساحل.

في نظر الإمام، فإن إشراك مالي والنيجر وبوركينا فاسو، في مشروع استراتيجي أطلسي، دون موريتانيا، يحمل رسالة إقصاء جيوسياسي

وقد أكد هذا المعطى أن التوتر بين نواكشوط والرباط لا يرتبط فقط بملف الصحراء، بل أيضاً بصراع النفوذ الاقتصادي والاستراتيجي في غرب إفريقيا.

وأعاد الكاتب الموريتاني في رده على مزراري قضية مقتل منقبين موريتانيين قرب المناطق العازلة بفعل ضربات جوية نسبت إلى القوات المغربية. وقد ظل هذا الملف حاضراً بقوة في الذاكرة الشعبية الموريتانية، بل إنه خلق حالة غضب داخل الرأي العام، خصوصاً مع اعتبار الضحايا مدنيين لا يشكلون تهديداً مباشراً.

هجوم آخر

وجاءت تعليقات الخبير الاستراتيجي المختص في قضايا الساحل والصحراء، محمد سالم اليعقوبي، على مقال مزراري قوية، حيث أكد أن الكاتب المغربي “يفتقر إلى التوازن والموضوعية والأمانة المهنية”، مرجّحاً أن المقال “موجَّه لخدمة غرض معيّن”، متجنباً الخوض في خلفياته “بشكل مباشر”.

وأضاف أن المقال يأتي ضمن “محاولة للتغطية على ما يوصف بالدور السلبي للمغرب في منطقة الساحل”، مشيراً إلى ما اعتبره دعماً من الرباط للسلطات في باماكو وتحريضها ضد أطراف إقليمية، من بينها الجزائر والأزواديون، بل وحتى موريتانيا، وذلك “ضمن سياقات دولية معروفة”.

جاءت تعليقات اليعقوبي، على مقال مزراري قوية، حيث أكد أن الكاتب المغربي “يفتقر إلى التوازن والموضوعية

وفيما يتعلق بالحديث عن احتمال سحب موريتانيا اعترافها بالجمهورية العربية الصحراوية، استبعد الخبير الموريتاني هذا الطرح، مؤكداً أن الجمهورية الصحراوية “تُعد عضوًا مؤسسًا في الاتحاد الإفريقي”، بعد الاعتراف بها سنة 1982، واستمرار عضويتها مع انتقال المنظمة القارية من منظمة الوحدة الإفريقية إلى الاتحاد الإفريقي سنة 1999.

وأشار إلى أن “قضيتي الصحراء الغربية وأزواد تمثلان ملفين بالغَي الحساسية بالنسبة لموريتانيا، بالنظر إلى ارتباطهما بالنسيج الاجتماعي والأبعاد الاستراتيجية للبلاد، إضافة إلى تأثيرهما المباشر على أوضاعها الداخلية، موضحًا أنهما، وإن لم تكونا قضيتين وطنيتين بالمعنى الضيق، فإنهما تحظيان باهتمام خاص ومكانة معتبرة في الوجدان السياسي الموريتاني.

حياد موريتانيا

رغم تصاعد الضغوط الإعلامية والدبلوماسية، تبدو موريتانيا حتى الآن متمسكة بخيار “إدارة التوازنات” بدل الانخراط في سياسة المحاور.

فالرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني يدرك أن أي تغيير جذري قد يترتب عليه توتر مع الجزائر، واهتزاز داخلي بين التيارات السياسية، وفقدان موقع الوسيط الإقليمي، وتعقيد البيئة الأمنية على الحدود الشمالية والشرقية.

والواقع أن نواكشوط تحاول الاستفادة من موقعها كدولة قادرة على التواصل مع جميع الأطراف، وهو ما يمنحها هامشًا دبلوماسيًا مهمًا في منطقة تعاني الاستقطاب الحاد.

معركة النفوذ

وقد أكد السجال بين الكاتب المغربي والخبير الموريتاني أن ملف الصحراء لم يعد مجرد نزاع حدودي أو قضية تصفية استعمار، بل تحول إلى عنوان لصراع أوسع على النفوذ الإقليمي، والممرات الاقتصادية، والشرعية الدبلوماسية، وإعادة رسم خرائط التحالفات في المغرب العربي والساحل.

أكد السجال  أن ملف الصحراء لم يعد مجرد نزاع حدودي أو قضية تصفية استعمار، بل تحول إلى عنوان لصراع أوسع على النفوذ الإقليمي

وفي قلب هذه المعادلة، تبدو موريتانيا حريصة على البقاء في “المنطقة الرمادية” التي أتقنت التحرك داخلها لعقود، حتى وإن كانت تلك المنطقة تضيق يوماً بعد آخر تحت ضغط التحولات الإقليمية والدولية. وبين خطاب مغربي يدعو إلى الحسم، ورؤية موريتانية ترى في الحياد ضمانة للبقاء، يبقى السؤال مفتوحاً: هل تستطيع نواكشوط الاستمرار في سياسة التوازن وسط منطقة تتجه بسرعة نحو الاستقطاب الحاد؟



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *