صنعاء- «القدس العربي»: تتجه جبهة البحر الأحمر نحو مزيد من التصعيد عقب إعلان «أنصار الله» حظر الملاحة على السعودية، وما أعقبه من بيان حكومي أعلن استئناف تصدير النفط، وبيان سعودي أدان الإعلان الحوثي، وقال إن المملكة «ستتخذ كافة الإجراءات اللازمة لحماية سفنها»، علاوة على بيان للتحالف هدد بالرد «بكل حزم وقوة».
في المقابل، جاء تعليق الحوثيين على بيان الخارجية السعودية يقول إن مضمون الأخير يؤكد سرديتهم بأن المملكة تحاصر اليمن، فيما تتواتر أخبار التصعيد، وبخاصة على صعيد انتقالها من التهديد للتنفيذ، وتغير مسار عدد من ناقلات النفط السعودية، مما يُنذر بمخاطر اتساع دائرة التوتر في المنطقة، واشتعال دائرة المواجهة في جبهة البحر الأحمر.
وفي هذا السياق، أظهرت بيانات شحن من مجموعة بورصات لندن أن ناقلتي نفط جرى تحميلهما بالخام السعودي للصين والهند هذا الأسبوع عادتا أدراجهما، الثلاثاء، في البحر الأحمر وتتجهان نحو قناة السويس، وذلك عقب تحذير من جماعة الحوثيين.
وحذّرت الجماعة، في رسالة بريد إلكتروني أرسلتها إلى شركات الشحن، من تحميل أو تفريغ البضائع في الموانئ السعودية، وقالت إن مثل هذه الأنشطة قد تؤدي إلى استهدافها «في أي مكان».
وأعربت الأمم المتحدة عن القلق البالغ إزاء التهديدات المتجددة الصادرة من الحوثيين ضد المملكة العربية السعودية وحرية الملاحة، محذرةً من مخاطر توسع نطاق التصعيد الإقليمي.
ودعا المتحدث باسم الأمم المتحدة، ستيفان دوجاريك، في تعليق على آخر المستجدات بشأن اليمن، إلى خفض التصعيد فوراً وحث جميع الأطراف على معالجة خلافاتها عبر الحوار والسبل الدبلوماسية. كما جدد التأكيد على ضرورة الالتزام الكامل بقرار مجلس الأمن رقم 2722 (2024) والقرارات اللاحقة ذات الصلة بهجمات الحوثيين على السفن التجارية.
اجتماع رئاسي
وفي اجتماعه الثلاثاء، برئاسة هيئة التشاور والمصالحة، أحاط رئيس مجلس القيادة الرئاسي في اليمن، رشاد العليمي، الاجتماع بمستجدات الأوضاع الوطنية، وجهود الهيئة في تعزيز التوافق الوطني، وإسناد مؤسسات الدولة في مواجهة التحديات الماثلة، وفي مقدمتها التصعيد المتواصل من جانب الحوثيين. وذكرت وكالة الأنباء اليمنية (سبأ) بنسختها التابعة للحكومة، أن العليمي تحدث عما اعتبره استمرار الحوثيين في محاولاتهم التصعيدية، الأمر الذي يحتم على الجميع الحفاظ على أعلى درجات اليقظة وتعزيز وحدة الصف، على حد تعبيره. وقال “إن نهج الابتزاز والتهديد والوعيد انتهى، وأن الدولة اليمنية لن تسمح بعد اليوم باستمرار هذا النهج، ومصادرة قرار الحرب والسلم، أو فرض إيقاع المرحلة على اليمنيين، والأمن الإقليمي والسلام العالمي”.
وأصدر العليمي، في وقت متأخر من مساء الإثنين، بيانًا دعا فيه “أبناء الشعب اليمني بمختلف مكوناتهم، إلى الالتفاف حول مشروع الدولة، ودعم القوات المسلحة والأجهزة الأمنية في معركة استعادة مؤسسات الدولة، وإنهاء الانقلاب”. وأعلن العليمي “العمل على استئناف تصدير النفط ابتداء من (الإثنين)، وتوجيه عائداته لخدمة المواطنين في جميع أنحاء البلاد، وفي مقدمة ذلك الوفاء بالالتزامات الأساسية للدولة، وصرف الرواتب، وتحسين الخدمات، وتعزيز الاستقرار الاقتصادي”.
واتهم الحوثيين باختيار التصعيد ومواصلة رفض المبادرات الإنسانية واستغلال معاناة اليمنيين، مؤكدا أن اليمنيين، مثلما انتصروا للجمهورية، سينتصرون للدولة.
كما رأس العليمي اجتماعًا لمجلس الدفاع الوطني. وناقش الاجتماع «جهوزية القوات المسلحة وكافة التشكيلات العسكرية لردع تصعيد الحوثيين»، وفق وكالة الأنباء اليمنية (سبأ) بنسختها التابعة للحكومة.
قراءات مختلفة
أثار بيان العليمي ردود فعل وقراءات يمنيّة مختلفة، توقف معظمها أمام قرار استئناف تصدير النفط. وقال الخبير الاقتصادي، وحيد الفودعي: “إذا كانت الدولة قادرة اليوم على حماية منشآت النفط واستئناف تصديره، فلماذا استمر توقفه طوال السنوات الماضية؟”، وأضاف: “المهم الآن ألّا يظل هذا الإعلان مجرد خطاب، بل أن يتحول سريعًا إلى تصدير فعلي ومستدام، تُوجَّه عائداته لصرف المرتبات وتحسين الخدمات، لا إلى جيوب الفاسدين”.
يرى الكاتب عبد الناصر المودع “أن عودة التصدير الرسمي للنفط لا يتوقع تنفيذه، فمن الناحية الأمنية، سيظل التصدير عبر الناقلات الكبيرة بالغ الصعوبة ما دامت الموانئ اليمنية معرضة لخطر الاستهداف من الحوثيين، فلا الشركات المالكة للناقلات مستعدة للمخاطرة بأصولها، ولا شركات التأمين ستوافق على تغطية رحلات تذهب إلى موانئ مهددة بالقصف. إلى جانب ذلك، لن يسمح للمستفيدين -وهم شبكة واسعة من أصحاب السلطة والنفوذ- أن يُحرموا من مليارات الدولارات التي يجنونها من توقف التصدير. ولهذا، فإن الحديث عن استعادة صادرات النفط اليمنية ليست إلا خطاباً سياسياً يُمنّي اليمنيين بتحسن أوضاعهم الكارثية”.
أما الصحافي عوض كشميم، فقال إن “بيان رشاد العليمي هو الرد السعودي على تهديد الحوثي باستهداف سفن السعودية، حين كرس خطابه حول إعلان تصدير النفط وصرف المرتبات لجميع اليمنيين الموظفين. وهذا ضمن بنود خارطة الطريق في حوار مسقط. هذا الالتزام من طرف الحكومة اليمنية بخصوص عائدات النفط والسماح بالتصدير مقابل التزام الحكومة لصرف جميع مرتبات موظفي الدولة شمالاً وجنوباً”.
الحوثيون يردون
في تعليقها على بيان وزارة الخارجية السعودية، قالت وزارة الخارجية في حكومة جماعة «أنصار الله»، الثلاثاء، إن “بيان خارجية النظام السعودي يتعامل مع الجمهورية اليمنية على أنها مناطق خاضعة لسيطرته، ولو كان جادًا في نفي ذلك لأعلن رفع يده تماماً عن اليمن”. وأضافت أن على ما وصفته بـ«النظام السعودي الإجرامي» أن “يرفع يده عن بلدنا وينهي عدوانه وحصاره، وما لم، فلْيَنتظر ما هو قادم”.
وقالت إن ما حدث من صراع بين السعودية والإمارات في المحافظات الجنوبية والشرقية «ومآلات هذا الصراع يؤكد سردية صنعاء في احتلال النظام السعودي لأجزاء واسعة من الأراضي اليمنية وسيطرته عليها، بما في ذلك الثروة النفطية والمعدنية».
وأشارت إلى “أن ربع مليون غارة بالطيران السعودي على الجمهورية اليمنية طوال 12 عاما يثبت لمن مازال لديه ذرة من الإنصاف حقيقة ما جرى”. وقالت إن “على النظام السعودي أن يعلم أن وضع مطار الرياض يجب أن يكون كوضع مطار صنعاء، ووضع ميناءي ينبع وجيزان وغيرهما يجب أن يكون كوضع ميناء الحديدة والعكس”.
وكانت وزارة الخارجية السعودية أعربت في بيانها «عن إدانة المملكة العربية السعودية بأشد العبارات لما تطرق له ما يُسمى المتحدث العسكري التابع لجماعة الحوثيين من اتهام المملكة بحصار الشعب اليمني الشقيق، وحظر الملاحة البحرية على المملكة”.
وقال البيان «إن المملكة عملت خلال السنوات الماضية مع الحكومة اليمنية الشرعية في التخفيف من معاناة الشعب اليمني الشقيق، بما في ذلك استمرار المشاريع التنموية ودعم ميزانية الحكومة اليمنية وتوفير المشتقات النفطية لتشغيل محطات الكهرباء، كما استقبلت الموانئ في شمال اليمن (الحديدة، والصليف، ورأس عيسى) خلال النصف الأول من عام 2026 أكثر من 300 سفينة تحمل مختلف المواد الغذائية والبضائع والوقود ومواد البناء، مع استمرار العمل بموجب قرار مجلس الأمن 2216 بمنع دخول الأسلحة والذخائر».
واتهم البيان، جماعة الحوثيين بالمحاولة “بشتى الوسائل إدخال الأسلحة والذخائر إلى اليمن لإطالة أمد سيطرتها على مقدرات الشعب اليمني”.
وأشار إلى ما اعتبره استهدافًا حوثيًا لمطار عدن بتاريخ 3/12 2020، واستهداف موانئ تصدير النفط في جنوب اليمن بتاريخ تشرين الأول عام 2024، ثم مصادرة أربع طائرات تابعة لشركة الطيران اليمنية، ورفض كل المبادرات لإعادة تسيير الرحلات من مطار صنعاء وآخرها المبادرة الأردنية. وأكّد “أن المملكة ستتخذ كافة الإجراءات اللازمة لحماية سفنها، بما يتوافق مع القانون الدولي واتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار للعام 1982”.
التحالف يُهدد
وأصدر التحالف العربي لدعم الحكومة المعترف بها دوليًا، بيانًا أكد فيه أن قيادة القوات المشتركة للتحالف “تتخذ وتنفذ كافة الإجراءات العملياتية الحازمة والصارمة وبما يتوافق مع القانون الدولي واتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار للعام (1982) لحماية سفننا البحرية بمضيق باب المندب”. واعتبر «أن السردية الحوثية بشأن الحصار مضللة»، مؤكدًا “أن قيادة القوات المشتركة للتحالف شرعت في تنفيذ إجراءات حماية سفن التحالف عبر مضيق باب المندب، وسيتم الرد على التهديدات الحوثية للسفن العابرة بكل حزم وقوة، باعتبار هذه التهديدات مخالفة صريحة للقانون الدولي وتنطوي تحت أعمال القرصنة البحرية”.
وأعلن الحوثيون، الإثنين، فرض حظر على الملاحة البحرية على السعودية. ويسيطر الحوثيون على شمال اليمن، بما في ذلك ساحل مضيق باب المندب الواقع عند مدخل البحر الأحمر.
ويمثل ميناء ينبع السعودي المطل على البحر الأحمر الطريق الرئيسي البديل لملايين البراميل يوميًا من نفط الشرق الأوسط، لتجنب مضيق هرمز المحاصر عند مدخل الخليج.
وأظهرت البيانات، وفق وكالة رويترز، أن ناقلة النفط الخام الضخمة (شين لونج يانج)، التي أكملت تحميل مليوني برميل من النفط الخام السعودي في ينبع كانت في الأصل متجهة للخروج من البحر الأحمر إلى الصين، لكنها غيّرت مسارها وتوجهت إلى قناة السويس بدلاً من ذلك.
وتُشير البيانات إلى تغيير ناقلة النفط (رودوس) من طراز (أفراماكس) مسارها واتجاهها إلى قناة السويس بعد أن كانت متجهة إلى الهند وعلى متنها نحو 700 ألف برميل من النفط الخام السعودي.
كما عادت ناقلة نفط عملاقة أخرى، وهي (نيو برايم)، التي كان مقررا أن تصل إلى ينبع في وقت لاحق هذا الأسبوع لتحميل النفط الخام، أدراجها قبالة سواحل عُمان.
مما سبق، يذهب الوضع نحو مزيد من التوتر. إلا أن المتابعين للشأن اليمني يدركون أن ما يتفاعل على السطح قد لا يعكس بالضرورة ما يجرى في الكواليس؛ فجهود الوساطة في مسقط مازالت مستمرة، وفق مصادر مختلفة. والبيانات المتداولة تبدو محاولات لتحقيق مزيد من الإنجازات التفاوضية. لكن الخطر الحقيقي يبقى قائمًا في انفجار الوضع وخروجه عن السيطرة في أي وقت، خاصة أن قوى إقليمية ودولية أخرى لن تبقى صامتةً طويلاً، والتصعيد في هذه الجبهة في حال انفجاره ستتداخل نيرانه سريعًا مع الحرب في جبهة مضيق هرمز، وهو ما حذّرت منه الأمم المتحدة.