ميشيل فوكو في برج البراجنة


ليس هذا العمود المقام المناسب لوقفة مفصلة، في الحدود الدنيا، حول الأنشطة الاحتفائية بالذكرى المئوية لولادة الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو (1926 ــ 1984)، التي صادفت الـ 15 من شهر تشرين الأول (أكتوبر) الجاري؛ فلم تقتصر على بلده فرنسا، بل شملت مواقع أخرى كثيرة في أوروبا والولايات المتحدة. وقد تكفي الإشارة إلى صدور عملَين لم يُنشرا من قبل: «موقع الإنسان في الفكر الغربي الحديث»، وهذه محاضرات تونس سنوات 1966 ــ 1967، في 324 صفحة، عن منشورات «دراسات عليا»؛ والثاني بعنوان «حملة الأطفال الصليبية»، في 304 صفحات، عن فلاماريون.
كذلك فإنّ الـ»كوليج دو فرانس»، حيث درّس فوكو ولمعت أطروحاته خلال سنوات 1970 إلى 1984، تنظم معرضاً بعنوان «فوكو: مغامرة فكرية» يتواصل حتى منتصف كانون الثاني (يناير) المقبل؛ يحتوي على موادّ متنوعة مكتوبة أو صوتية أو أرشيفية، فضلاً عن ممتلكات شخصية تخصّ الفيلسوف. وكانت الكلية قد استبقت الذكرى المئوية بمؤتمر دولي عنوانه «فوكو بلا حدود»، نوقشت خلاله ملفات عديدة ومتقاطعة، مساندة لأفكار فوكو ومناصرة، أو معارضة لها ومختلفة معها؛ فضلاً عن تلمّس حضوره اليوم في عالمنا المعاصر، على خلفيات شائكة تتجاوز مصائر ثنائية الخطاب/ السلطة التي اشتُهر بها، بين عناوين أخرى ليست أقلّ أهمية.
في المقابل تتوقف هذه السطور، بإيجاز لا مفرّ منه، عند النطاق الواسع لتأثيرات فكر فوكو، في ميادين متشابكة إجمالاً، وغير منتظَرة أحياناً، ولافتة تماماً لأنها مدهشة في بعض النماذج؛ كما في دراسة كتاب ناديا لطيف «اليد العاملة في مخيم برج البراجنة»، الذي صدر مؤخراً بالإنكليزية عن منشورات Spring Nature السويسرية؛ حيث تستأنس المؤلفة بمزيج من أفكار فوكو والفيلسوف الإيطالي جورجيو أغامبين، لدراسة علاقات السلطة وأنساق حوكمة اللجوء وستراتيجيات التحكم و»التخييم» الجَمْعي، في نموذج المخيم الفلسطيني على ساحل المتن الجنوبي في لبنان.
أيضاً، غير مألوف كثيراً في استلهام فوكو كتاب توني كولينز «صناعة الفيلم الوثائقي التعاوني»، الذي صدر بالإنكليزية عن منشورات راوتلدج في نيويورك؛ والذي يذهب إلى عمل فوكو الرائد «الانضباط والعقاب»، 1975، لتفحّص مظاهر تجسيد السلطة خارج مفهوم الامتلاك، وعبر شبكة العلاقات التي تضخّها من خلال الخطاب. هذا مبدأ فوكوي كلاسيكي، كما قد يصحّ القول، ولكنه في صناعة الفيلم الوثائقي يعني أنّ السلطة ليست في قبضة أحد، بقدر ما هي تتجوّل وتتحوّل بين مالكي الصوت، والظهور والتوكيل والتفويض خلال برهة محددة من سيرورة ما.
وفي جانب آخر من هذه الذكرى المئوية، يُستعاد إدوارد سعيد (1935 ـ 2003)، في كتابه النوعي الرائد «الاستشراق»، 1978، عند جوانب متنوّعة بدورها من تأثره العميق بثنائية فوكو حول الخطاب والسلطة/ القوّة، من جهة أولى مبكرة وتأسيسية؛ وكذلك، من جهة ثانية لاحقة، بتوظيف قسط غير قليل من نقد فوكو لمآلات عصر النهضة في تطوير نظريات النقد ما بعد الاستعماري، الذي تولى سعيد ريادة معظم ميادينه التنظيرية والتطبيقية. ذلك لأنّ دراسة الاستعمار، في ناظر أمثال سعيد وهومي بابا، أصبحت تدور حول دراسة الأدوار التي يختارها المستعمِر للمستعمَر، وهي ليست سوى شبكة تمثيلات الذات الاستعمارية و»الخطاب» و»نظام العلامة» و»النصّ بلا مؤلف».
وإذْ شدّد سعيد على عودة مقولة «الآخَر» كما أخضعها فوكو لمبضع التشريح والنقد، فلكي يساجل بأنّ حال «الآخَرية» لا تخصّ اللغة في عريها من جميع أنساق الإشارة، ولا الرغبة التي تسود الدولة البرّية بعيداً عن أية معارضة، ولا الموت الذي يسيطر على كلّ وظيفة؛ بل الآخر الذي يؤشّر على كينونة أنثروبولوجية ليس لها أن تولد بعيداً عن ضرورة خرساء، كوّنتها قرون من الإخضاع الغربي. في أطوار لاحقة من قراءة فوكو، سوف يفترق سعيد بالطبع على أسس جوهرية تخصّ الموقع الأَنْسني للذات الإنسانية عموماً، ولموقع المثقف من الحقيقة والواقع والسياسة خصوصاً؛ مع يقين، شخصي هنا ولكن تؤكده معطيات ووقائع كافية، بأنّ صمت فوكو حيال القضية الفلسطينية تحديداً لم يكن السبب القاطع وراء اشتداد خلاف سعيد معه.
ومن المعروف أنّ لقاء الرجلين جرى في باريس ربيع 1979، حين شارك سعيد في لقاء حول القضية الفلسطينية دعا إليه جان ـ بول سارتر وسيمون دو بوفوار، ولم يشارك فيه فوكو رغم أنه استضاف الجلسة في داره. وخلال حوارات على الهامش، لاحظ سعيد امتناع فوكو عن الخوض في الشؤون الفلسطينية، ضمن ما كان يقترب من حال عزوف عن الخوض في السياسة بصفة عامة، مع إيحاءات لا تخفى حول استنكار بعض مظاهر العداء للسامية خلال تواجده في تونس خلال حرب 1967. وفي كلّ حال، كانت مواقف فوكو من هذا الملفّ أحد أسباب خلافه مع فيلسوف فرنسي بارز مثل جيل دولوز، رغم صداقة عميقة جمعتهما، وتثمين عالٍ مشترك.
وقد لا تكون سخرية الأقدار، بل دروس التاريخ الأكثر مكراً ومغزى، وحصّة لا يُستهان بها من متانة فكر فوكو؛ أنه بعد 47 سنة على لقاء باريس ذاك، سوف يحضر في مخيم برج البراجنة كي يشهد، عبر أبحاث ناديا لطيف الميدانية، على مشهدية حاشدة بالمعنى والخطاب والسلطة؛ في واحد من التمثيلات الحيّة على القضية الفلسطينية، وجرائم الـ»ترانسفير» الصهيونية.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *