لندن- “القدس العربي”: نشرت صحيفة “الغارديان” مقالا للمعلقة زوي ويليامز قالت فيه إن موقف الروائية الأيرلندية سالي روني المؤيد لفلسطين شجاع وإنساني.
فتصميم مؤلفة رواية “أناس عاديون” على تأييد حركة “بالستاين أكشن” أو حركة العمل الفلسطيني، التي صنفتها الحكومة البريطانية هذا الصيف منظمة إرهابية، حتى لو عنى منع كتبها من البيع في بريطانيا، هو تحرك ساخر من قوانين مكافحة الإرهاب البريطانية.
وأضافت ويليامز أنه من الصعب أن يقوم كاتب ذائع الصيت في الذاكرة المعاصرة بالمخاطرة بالاعتقال في بريطانيا بسبب معتقداته السياسية، ومن الصعب تذكر كاتب يمكن نشر كتبه في أي مكان آخر غير المملكة المتحدة.
وقد قررت سالي روني دخول هذا النقاش وهي على دراية تامة بالأمر، وقالت في تموز/يوليو الماضي إن عائدات كتبها وعائدات المعالجة الدرامية لكتبها التي أنتجتها هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) ستذهب إلى منظمة “بالستاين أكشن”.
قررت سالي روني دخول هذا النقاش وهي على دراية تامة بالأمر، وقالت في تموز/يوليو الماضي إن عائدات كتبها وعائدات المعالجة الدرامية لكتبها التي أنتجتها هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) ستذهب إلى منظمة “بالستاين أكشن”
ومن هنا، لا تكمن شجاعة روني في المخاطرة بدخول السجن، إذ يوجد حل لذلك، أي تجنب دخول بريطانيا، وهو ما تفعله الآن. لكنها اختارت المسار الأصعب والممكن لهذه القضية.
ويمكن أن يكتب الكتاب المقالات ويوقعوا الرسائل دعما للشعب الفلسطيني، كما يستطيع الممثلون التعبير عن هذا الدعم في المقابلات، ويعبر الموسيقيون عنه من على خشبة المسرح، ودائما ما يكون لذلك ثمن، سواء كان ذلك علنا، كطردهم من جولة عالمية، أو استبعادهم من الفرص بطرق غير خفية.
لكن مثل هذه الأفعال، حتى وإن كانت توحي بدعم منظمة مصنفة كإرهابية، لا تعد انتهاكا صريحا لقوانين مكافحة الإرهاب.
ومن هنا، فإن ما فعلته روني كان أكثر من ذلك، فقد تكبدت خسائر مالية على أي حال، وذلك بتعهدها بتحويل عائدات مبيعات كتبها في بريطانيا لصالح “بالستاين أكشن“. ومع ذلك، يظل هذا ثمنا يمكن حسابه على الأقل، مقابل الخسائر في المبيعات والفرص الناجمة عن منعها فعليا من دخول بريطانيا، وعليه، فالخسائر لا تحصى.
وتقول ويليامز إن تقدير قيمة موقف روني، بصفتها تعيش في الثقافة التي تنتمي إليها والتي تركت بصمة واضحة في وصفها، وليس محاسبتها، يصعب تقديره بثمن. فصوتها الأدبي ومجموع أعمالها يجعلان هذا التدخل مميزا في نطاقه. ولم تكن روني يوما كاتبة غير سياسية، فقد كان كتابها “أناس عاديون” حادا في تناوله للطبقية، ولم يتردد كتابها “محادثات مع الأصدقاء” في تقديم تحليل ماركسي. لكن أعمالها عادة ما تكون حميمية، وغالبا ما تكون بيتية، وعن أناس عاديين، كما يشي عنوان روايتها “أناس عاديون”. وانطلاقا من سمعتها في التحدي الدقيق للتفاصيل اليومية، اتخذت روني موقفها الجريء، وبذلك تبنت فكرة أن الاهتمام بغزة هو خيار حياة وتغريد خارج السرب، وأصرت على أنه رد فعل إنساني طبيعي وعادي، وعاطفي ومهم، كالصداقة.
وبالتأكيد، يحق لنا قول هذا في وقت ما، إذ لا بد من السخرية من تشريعات مكافحة الإرهاب المطبقة بهذه الطريقة. فلا أحد في أي مكان يعتقد أن سالي روني تشكل خطرا على الدولة البريطانية أو أي دولة أخرى، تماما كما لا أحد يعتقد أن محامية حقوق الإنسان التي كانت صديقة والدة إد ميليباند البالغة من العمر 94 عاما خطيرة.
وضع كير ستارمر، المعروف بحذره وخبرته القانونية الواسعة، نفسه في مأزق لا يحسد عليه، حيث ارتفع عدد الاعتقالات بتهم الإرهاب بين عامي 2024 و2025 من 250 إلى ما يقرب من 3000 حالة
وفي مفارقة غريبة، فقد وضع كير ستارمر، المعروف بحذره وخبرته القانونية الواسعة، نفسه في مأزق لا يحسد عليه، حيث ارتفع عدد الاعتقالات بتهم الإرهاب بين عامي 2024 و2025 من 250 إلى ما يقرب من 3000 حالة. وفي المظاهرات المؤيدة لـ”بالستاين أكشن”، كان عدد المعتقلين ممن تجاوزوا الثمانين عاما أكبر من عدد من هم دون العشرين.
وتقول ويليامز إن تاريخ التضامن مع فلسطين، وبخاصة من أيرلندا، نوقش بتوسع بعد الرحلة المؤلمة لإد شيران، حيث اعتقد المغني أن فعل الدعم يمكن تجاوزه بهدوء بسبب أغنية مؤيدة لفلسطين، ومن دون خسارة فرقته بيوغا، العضو المؤسس لفنانين أيرلنديين من أجل فلسطين، وهو ما لم يكن صحيحا.
فلدى أيرلندا تاريخ طويل لنساء لم يخفن رفع أصواتهن والتدخل في قضايا سياسية.
وتضرب ويليامز مثالا بكفاح المرأة الأيرلندية ضد نظام الأبارتهايد في جنوب أفريقيا. فقد رفضت ماري مانينغ، العاملة في محلات “دانينس ستورز”، التعامل مع الحمضيات القادمة من جنوب أفريقيا العنصرية، في إضراب بدأته مع زميلات لها عام 1984 واستمر حتى 1987، وذلك تنفيذا لطلب اتحاد العمال الأيرلندي. وقد خسرت مانينغ، برفضها التعامل مع الجريب فروت الجنوب أفريقي، راتبها، وتقاضت 21 جنيها في الأسبوع دعما من الاتحاد. وقد بلغ الإضراب ذروته عندما قررت أيرلندا حظر استيراد البضائع من جنوب أفريقيا.
وأثار الإضراب الانتباه، وبخاصة أن الأسقف ديزموند توتو زار المضربات في طريقه إلى أوسلو لتسلم جائزة نوبل عام 1985، وقدم لهن الدعوة لزيارته في جنوب أفريقيا، وقبلن، حيث سافرت عدد منهن، لكن مُنعن من الدخول، وهو ما زاد من إثارة الانتباه الوطني والعالمي إلى نظام القمع العنصري.
وهنا صدى لما حدث عندما تستخدم دولة قوتها عند نقطة الجمارك لتلفت الانتباه إلى ضعفها، وبين كاتبة ومواطنة عادية تعتبر عائداتها المالية من أعمالها الأدبية أقل ما يمكن أن تقدمه من تضحية، ولكنها تظل رمزا قويا.