إهداء خريطة مغربية تضم بلدة لكويره



عبد الله مولود

نواكشوط ـ «القدس العربي»: عادت قضية لكويرة ذات الحساسية خاصة في الحسابات الموريتانية المغربية، إلى واجهة النقاش بعد إهداء خريطة تتضمن البلدة مضمومة للمغرب خلال لقاء عسكري بمراكش إلى واجهة النقاش، وبعد الكشف عن مقترح موريتاني لتوضيح الحدود النهائية لإقليم الصحراء الغربية المتنازع عليه.
فبلدة لكويره الواقعة في أقصى جنوب الصحراء الغربية، على مقربة من مدينة نواذيبو، العاصمة الاقتصادية لموريتانيا، ظلت منذ انسحاب نواكشوط من الصحراء عام 1979 خاضعة للإدارة الموريتانية، وفق الترتيبات التي أبقت وضعها معلقا إلى حين تسوية النزاع حول الصحراء الغربية.
ومن هنا، فإن إهداء خريطة مغربية تضم لكويرة لا يثير مجرد سجال بشأن تمثيل الحدود، بل يعيد إلى الواجهة ملفا شديد الحساسية يرتبط بالسيادة وترتيبات ما بعد الانسحاب الموريتاني، في وقت تتجدد فيه المطالب برسم الحدود بين موريتانيا والصحراء الغربية.
وبين رمزية الخرائط وحسابات الجغرافيا ومقتضيات التوازن الدبلوماسي، تجد نواكشوط نفسها أمام أسئلة دقيقة بشأن مستقبل هذا الملف وانعكاساته على علاقاتها مع الرباط ومسار النزاع الصحراوي.
ولم تعد لكويرة، البلدة المهجورة عند الطرف الجنوبي للصحراء الغربية، مجرد أطلال يطويها النسيان على ساحل الأطلسي، فبين رمزية الهدية المغربية التي حملت رسالة واضحة مفادها مغربية البلدة، ومضمون المبادرة الدبلوماسية المطالبة برسم الحدود، يبرز سؤال يتعلق بمستقبل نواذيبو، العاصمة الاقتصادية الموريتانية: كيف تحمي نواكشوط مصالحها عندما تدخل التسوية المحتملة للنزاع مرحلة البحث في الحدود والأمن والموارد؟ وخلال لقاء الخميس الثامن من أكتوبر/تشرين الأول، قدّم المفتش العام للقوات المسلحة الملكية المغربية وقائد المنطقة الجنوبية الفريق أول محمد بريظ، إلى قائد الأركان العامة للجيوش الموريتانية الفريق محمد فال ولد الرايس، تذكارًا يتضمن خريطة المغرب الشاملة وفق التصور الرسمي للرباط، للصحراء الغربية ومعها بلدة لكويرة.
وانعقد اللقاء على هامش معرض مراكش الدولي للطيران، وتناول تعزيز التعاون العسكري واستكشاف مجالات جديدة للشراكة الدفاعية بين البلدين الجارين.
وقرأت صحيفة «الصحيفة» المغربية في الخريطة تأكيدًا للموقف الترابي الذي تتمسك به الرباط، وسط النقاش المتجدد بشأن لكويرة، غير أن هذه الدلالة تبقى تفسيرًا إعلاميًا للحدث، ولم يثبت أن التذكار أُرفق برسالة رسمية بشأن البلدة.
كما أن قبول قائد الجيش الموريتاني هدية بروتوكولية لا يكفي للاستدلال على اعتراف بمضمونها أو تحول في موقف نواكشوط من نزاع الصحراء الغربية.
ويستمد الحدث أهميته من توقيته؛ فقد تزامن مع نشر معطيات عن التقرير الأخير للأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش بشأن الصحراء الغربية، المدرج في قائمة مجلس الأمن تحت الرمز «S/2026/781»، بتاريخ الأول من تشرين الأول/أكتوبر الجاري.

مطالبة برسم الحدود مع الصحراء تعيد فتح حسابات الجوار

وحسب التغطيات التي نقلت مضمونه، شدد وزير الخارجية الموريتاني محمد سالم ولد مرزوك، خلال مباحثات مدريد يومي الثامن والتاسع من فبراير/شباط الماضي، على تشكيل لجنة لتوضيح الحدود الدولية النهائية والدائمة للإقليم بطريقة توافقية.
وجاء المقترح ضمن مناقشات تناولت ترتيبات محتملة لمرحلة انتقالية، بينها ما يتعلق بالمؤسسات والأمن وتقاسم الموارد والمصالحة ونزع السلاح.
وتكمن دلالة المقترح في إدخال مسألة الحدود إلى تفاصيل تنفيذ أي تسوية مستقبلية، لكنه يظل مقترحًا مطروحًا في المفاوضات، ولا يعني الاتفاق على تشكيل اللجنة أو إقرار تعديل حدودي؛ كما أن طلب توضيح الحدود لا يعني المطالبة بضم جزء من الإقليم.
لكن النقطة المحورية في قراءة الموقف الموريتاني، هي أن التغطيات المنشورة تؤكد أن لكويرة لم تُذكر بالاسم في سياق المقترح، وربط المبادرة بها يستند أساسًا إلى الجغرافيا وحساسية موقعها.
وحذر الصحافي الموريتاني المهتم بالشأن المغاربي الشيخ أحمد أمين، في تصريح إلى موقه «هسبريس» الإخباري، من تحميل النص أكثر مما يحتمل، معتبرًا أن ضبط الحدود يختلف عن المطالبة بالسيادة، وأن المعطيات المتاحة لا تثبت عودة موريتانيا إلى المطالبة بالبلدة.
وتقع لكويرة على الجانب الغربي من شبه جزيرة رأس نواذيبو، في جوار العاصمة الاقتصادية الموريتانية، وتصفها مصادر صحافية بأنها تحت حراسة أو سيطرة موريتانية فعلية، رغم أنها ليست جزءًا رسميًا من الأراضي الموريتانية‘ ويطالب بها المغرب ضمن الإقليم الذي يعتبره تابعًا لسيادته، فيما تعدّها البوليساريو جزءًا من الصحراء الغربية.
ويجعل هذا التداخل بين الوضع الميداني والنزاع السيادي مستقبلها شديد الحساسية لنواكشوط.
وتحولت بلدة لكويرة المطلة على الساحل الأطلسي من مركز تجاري نشط في العهد الإسباني إلى أطلال مهجورة.
وكان مستقبل بلدة لكويره موضوعا لسجالات سابقة، فقد رأى وزير الإعلام السابق محمد ولد أمين، أن إعمارها من الجانب المغربي قد يحمل فوائد اقتصادية وسياحية لنواذيبو، بينما شدد معارضون لهذه القراءة على حساسيتها الأمنية والاقتصادية. وكشف السجال أن الاهتمام الحالي امتداد لنقاش أقدم حول طبيعة الجوار: هل يمكن أن يصبح مجالًا للتكامل، أم يتحول إلى منافسة على التجارة والخدمات والموقع البحري؟
وترتبط مصالح مدينة نواذيبو وأمنها ببلدة لكويره، فالمدينة تضم ميناء تصدير الحديد وأنشطة الصيد والتحويل والخدمات البحرية، وأي ترتيبات جديدة في محيطها تستدعي دراسة آثارها على حركة البضائع والأشخاص والاستثمار والمراقبة الساحلية. أما احتمال إنشاء منشآت اقتصادية في لكويرة مستقبلًا، فقد يفتح فرص تعاون أو منافسة، حسب طبيعتها وشبكات النقل والأسواق المرتبطة بها؛ وهي احتمالات تحتاج إلى تقييم، وليست نتائج محسومة لمشروع معلن.
ويمنح الحديد هذه الحسابات بعدًا وطنيًا، فشركة «سنيم» الموريتانية تدير سلسلة إنتاج ونقل تنتهي بميناء تحميل الخام في نواذيبو، وتمتلك خطًا حديديًا يزيد طوله على 700 كيلومتر، وبلغت مبيعاتها سنة 2024 نحو 14.226 مليون طن. وتوضح هذه الأرقام أن استقرار المحور الرابط بين مناطق الاستخراج والساحل يتعلق باستمرار نشاط اقتصادي واسع، وليس فقط بأمن مدينة حدودية أو بلدة مجاورة لها.
وكان المفكر والسياسي الراحل محمد يحظيه ولد ابريد الليل، قد حذر في مقابلة منشورة عام 2020 من انعكاسات استمرار النزاع على منشآت نقل الحديد. وتحدث عن مواقع حساسة تمتد، وفق تقديره، على نحو 650 كيلومترًا بمحاذاة الصحراء الغربية، وتقترب بعض نقاطها كثيرًا من الحدود.
وورد التحذير ضمن موقف سياسي ناقد للمغرب ومساند للصحراويين، لكنه أبرز الارتباط بين الجغرافيا الحدودية وأمن الاقتصاد الموريتاني.
أما المرجعية التاريخية، فتعود إلى مشاركة موريتانيا في ترتيبات مدريد سنة 1975، ثم انسحابها من المطالبة بالإقليم سنة 1979 وتوقيعها السلام مع البوليساريو.
ونص اتفاق الجزائر على تخلي نواكشوط عن المطالب الترابية وغيرها في الصحراء الغربية، مقابل إعلان البوليساريو عدم وجود مطالب ترابية لها في موريتانيا؛ كما طلبت نواكشوط احترام حيادها وحدودها المعترف بها دوليًا. ولا يتضمن النص المنشور نقل السيادة على لكويرة إليها.
وفي تفسير للدوافع الراهنة، نقل موقع «24 ساعة» المغربي عن دبلوماسي موريتاني مجهول أن طلب اللجنة يستهدف تفادي الغموض الحدودي، وأن اختزال المصالح الموريتانية في لكويرة يحجب امتدادها الأوسع، وهذه قراءة منسوبة إلى مصدر غير معلن، وليست بيانًا رسميًا، لكنها تضع النقاش أمام مسألة عملية: وضوح الحدود والاختصاصات يساعد على استقرار التسوية، خصوصًا عندما تتناول ترتيبات أمنية وموارد ومؤسسات انتقالية.
وهكذا، تعيد صورة مراكش ومبادرة الحدود طرح سؤال المصالح الموريتانية في جوار لم يتغير مكانه رغم تبدل السياسات.
وخرجت موريتانيا من حرب الصحراء، لكنها بقيت معنية بنتائجها وبمستقبل تسويتها؛ ويتجاوز الاختبار المقبل رمزية الخرائط إلى قدرة الدبلوماسية على تحويل القرب الجغرافي من مصدر قلق إلى مجال تعاون، ضمن حدود واضحة وضمانات تحمي نواذيبو وتؤمن مصالح البلاد.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *