القاهرة ـ «القدس العربي»: يحتفي مهرجان طوكيو السينمائي الدولي بمرور 100 عام على ميلاد المخرج المصري الكبير يوسف شاهين، من خلال برنامج استعادي خاص ضمن الدورة الـ39 للمهرجان، التي تقام في طوكيو من 26 الشهر الجاري إلى 4 الشهر المقبل.
ويأتي الاحتفاء ضمن قسم «التركيز العالمي» الذي يضم هذا العام عدداً من البرامج الخاصة، من بينها الاستعادة المخصصة ليوسف شاهين بمناسبة مئويتة.
ويقدم المهرجان ثمانية أفلام من مسيرة شاهين، في اختيار يعكس تنوع تجربته السينمائية وانتقاله بين الواقعية الاجتماعية، والسيرة الذاتية، والتاريخ، والقضايا السياسية والفكرية. ويتيح البرنامج للجمهور الياباني فرصة اكتشاف مراحل مختلفة من تجربة المخرج الذي ارتبط اسمه طوال عقود بالسينما المصرية والعربية وبالمهرجانات السينمائية الكبرى حول العالم.
ويحتل «باب الحديد» مكانة مهمة في هذه الرحلة، باعتباره أحد أبرز أفلام شاهين وأكثرها تأثيراً في تاريخ السينما المصرية. الفيلم الذي قدمه عام 1958 تجاوز الشكل التقليدي للفيلم المصري في ذلك الوقت، واقترب من عالم المهمشين وصراعاتهم النفسية والاجتماعية، مستخدماً محطة قطار القاهرة فضاءً تتقاطع داخله الرغبات والعنف والوحدة والهامش الاجتماعي.
ومن الواقعية الاجتماعية ينتقل البرنامج إلى مرحلة أكثر التصاقاً بالتحولات السياسية والفكرية التي عاشتها مصر، وصولاً إلى «عودة الابن الضال»، الذي حمل انعكاساً واضحاً لأسئلة مرحلة ما بعد هزيمة 1967، وما صاحبها من مراجعة للأفكار والمشروعات والأحلام التي شكلت وجدان جيل كامل.
وتحضر الإسكندرية، المدينة التي ولد فيها شاهين، من خلال مجموعة من أفلامه التي جعل منها المخرج جزءاً أساسياً من سيرته السينمائية. ففي «إسكندرية… ليه؟» يعود شاهين إلى سنوات شبابه الأولى، ويستعيد المدينة وعلاقته بها وبالسينما وبالحلم بالسفر إلى هوليوود، بينما يواصل في «حدوتة مصرية» و»إسكندرية كمان وكمان» تفكيك علاقته بنفسه وبالفن وبالبلد الذي شكل وعيه.
وتكشف أفلام السيرة الذاتية عند شاهين عن خصوصية مشروعه؛ فهو لا يقدم سيرته باعتبارها حكاية شخصية منفصلة عن التاريخ، بل يجعل حياته مدخلاً لقراءة مصر وتحولاتها السياسية والاجتماعية والثقافية. ولذلك تتداخل في أفلامه الذاكرة الشخصية مع الذاكرة الوطنية، ويصبح البحث عن الذات بحثاً في الوقت نفسه عن صورة بلد يتغير باستمرار.
ويمتد البرنامج إلى علاقة شاهين بالتاريخ من خلال «وداعاً بونابرت»، الذي تناول الحملة الفرنسية على مصر من زاوية تتجاوز الرواية التاريخية التقليدية، وطرح أسئلة حول صدام الثقافات والسلطة والمقاومة وعلاقة المصري بالآخر.
أما «المصير»، فيستعيد من خلال شخصية الفيلسوف الأندلسي ابن رشد معركة العقل في مواجهة التعصب، وهي القضية التي منحها شاهين بعداً معاصراً يتجاوز زمن الأحداث التاريخية. وقد تحول الفيلم إلى واحد من أشهر أعماله التي ارتبطت عالمياً بالدفاع عن حرية التفكير والتعدد وقبول الاختلاف.
ويأتي اختيار هذه الأفلام ليقدم صورة عن مخرج لم يتوقف عند مدرسة سينمائية واحدة، بل ظل طوال مسيرته يعيد اختبار أدواته وأفكاره. فشاهين انتقل من الواقعية إلى التجريب، ومن الحكاية الشعبية إلى السيرة الذاتية، ومن التاريخ إلى السياسة، وظل في كل هذه التحولات مشغولاً بالإنسان، وعلاقته بالمجتمع، والسلطة والحرية.
ويكتسب احتفاء طوكيو أهمية خاصة لأنه يعيد تقديم شاهين إلى جمهور آسيوي واسع من خلال مجموعة منتقاة من أفلامه، بدلاً من اختزال تجربته في فيلم واحد أو مرحلة واحدة. كما يؤكد البرنامج أن السينما المصرية قادرة، عبر تجارب مخرجين كبار مثل شاهين، على عبور الحدود الجغرافية والثقافية والوصول إلى جمهور عالمي بعد عقود من إنتاج أفلامها.