مهجرو رأس العين في سوريا يستعدون للعودة وسط دمار وألغام


دمشق – “القدس العربي”: تطوي رأس العين ملف النزوح الذي فرضته جولات القتال وتبدل السيطرة في شمال شرقي سوريا، حيث تستعد مئات العائلات المهجرة للعودة إلى المدينة وريفها ضمن أول قافلة منظمة، في إطار تنفيذ بنود اتفاق 29 يناير/ كانون الثاني، وذلك بعد استكمال عودة مهجري عفرين في ريف حلب، غير أن العودة المرتقبة لا تعني نهاية معاناة آلاف النازحين، إذ تكشف شهادات ميدانية لـ”القدس العربي” أن العائدين سيواجهون قرى مدمرة، وألغاما ومخلفات حرب، وغيابا للخدمات الأساسية، فيما يطالبون بضمانات أمنية وتعويضات تتيح لهم إعادة بناء حياتهم بعد سنوات من التهجير.

وأعلن معاون مدير الأمن الداخلي في الحسكة، محمود خليل، المعروف باسم “سيامند عفرين”، تأجيل انطلاق القافلة الأولى لعائلات مدينة رأس العين (سري كانيه) إلى يوم الإثنين المقبل، لعدم اكتمال الترتيبات اللوجستية الخاصة بعملية العودة.

وأوضح أن القافلة تضم 648 عائلة، وستنطلق فور استكمال التحضيرات من نقطة التجمع في بلدة توينة، المقابلة لمخيم واشوكاني في مدينة الحسكة، باتجاه مدينة رأس العين، تنفيذا لبنود اتفاق 29 كانون الثاني/يناير، وذلك بعد استكمال عودة جميع المهجرين إلى مدينة عفرين. وأضاف أن قوى الأمن الداخلي استكملت استعداداتها الأمنية واللوجستية لضمان وصول العائدين بأمان، بما يعزز الاستقرار والتلاحم المجتمعي في مناطق العودة.

وفي موازاة الاستعدادات لانطلاق أولى قوافل العودة، يقول نازحون وناشطون من الحسكة لـ “القدس العربي” إن الطريق إلى الديار لا يزال محفوفا بالمخاطر، إذ ينتظر انتشار واسع للألغام ومخلفات الحرب العائدين، إلى جانب أكوام هائلة من الأنقاض التي تغطي القرى والبلدات المدمرة، التي تستقبلهم في قراهم وبلداتهم المدمرة، ما يهدد بتحويل رحلة العودة إلى بداية لمعاناة جديدة.

تحديات العودة

وحول أعداد النازحين والتحديات التي تواجه رحلة العودة، قال الناشط الميداني سراج الحساوي لـ”القدس العربي” إن عدد النازحين من مدينة رأس العين يناهز 12 ألف نازح، ينتمون إلى مكونين رئيسيين هما العرب والكرد، ويشكل العرب نحو ثلثي النازحين، فيما تنحدر الغالبية منهم من أرياف رأس العين وريف تل تمر الغربي.

قال الناشط الميداني سراج الحساوي لـ”القدس العربي” إن عدد النازحين من مدينة رأس العين يناهز 12 ألف نازح

وأشار إلى أن فقدان المساكن، يشكل أولى هذه التحديات، إذ دمرت أو جرفت معظم قرى العائدين في ريف تل تمر وريف رأس العين الجنوبي خلال سنوات سيطرة “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد). كما لا تزال الألغام والأنفاق والسواتر الترابية والعبوات الناسفة والمفخخات منتشرة في تلك المناطق، بعدما زرعت خلال سنوات المواجهات باعتبارها كانت خطوط تماس عسكرية، إلى جانب غياب الخدمات الأساسية، وتدمير البنية التحتية، وعدم تأهيل المدارس وشبكات المياه والكهرباء والطرق والمرافق العامة لاستقبال السكان.

وأشار إلى أن ملف النزوح لا يقتصر على من غادر مدينة رأس العين، إذ لا تزال المدينة تؤوي عشرات العائلات التي نزحت إليها خلال سنوات الثورة بسبب مواقفها من النظام السابق أو بسبب مواقفها من “قسد”، فيما حال استمرار سيطرة الأخيرة على مناطقهم الأصلية دون تمكنهم من العودة حتى الآن.

مناطق سيطرة “قسد”

ويعجز مهجرو ونازحو أحياء غويران والعزيزية والنشوة في مدينة الحسكة عن ترك مدينة رأس العين والعودة إلى منازلهم حسب المصدر، الذي عزا السبب إلى استمرار سيطرة “قسد” على تلك الأحياء، “رغم إعلانات الدمج ضمن مدينة الحسكة”. وقال إن العمل جار لمعالجة هذا الملف وتأمين عودة الأهالي، إلا أن الهواجس الأمنية لا تزال قائمة لدى كثير منهم، مشيرا إلى أن الوضع ذاته ينطبق على نازحي ومهجري أرياف القامشلي والمالكية وغيرها من المناطق الخاضعة لسيطرة “قسد”.

وحول مطالب الأهالي، قال الحساوي إن العائدين يدعون إلى توفير بيئة آمنة ومستقرة تضمن عودتهم من دون خوف أو تهديد، وتعويض المتضررين عن الأضرار التي لحقت بمنازلهم وممتلكاتهم، والمساهمة في إعادة بناء المنازل المدمرة، أسوة بما قدم لنازحي مدن ريف حلب الذين حصلوا على دعم مالي قبل عودتهم لمساعدتهم على بدء حياة جديدة.

العودة إلى المجهول

ومن داخل مخيم توينة في ريف الحسكة، يقول عيسى أبو يزن، وهو أحد سكان المخيم، لـ”القدس العربي”، إن القوافل المقرر انطلاقها يوم الإثنين ستقل نحو 460 عائلة تستعد حاليا لمغادرة مخيم الطلائع، وجميعهم من أبناء قرى علوك، وأم عشبة، والأسدية، وخراب الشعير، والأميرط، والمناجير، والأهراس، والعامرية.

وستشمل المرحلة التالية أهالي قريتي الكوزلية وتل تمر، غير أن هذه المناطق لا تزال غير صالحة للسكن بسبب انتشار الألغام، مشيرا إلى أن أحد أبناء المنطقة انفجر به لغم أثناء زيارته لقريته أمس، ما أدى إلى بتر ساقيه.

تعويضات لا تكفي

ويقول أبو يزن إن المنظمات أبلغت الأهالي بأنها ستقدم تعويضا بقيمة ألف دولار لكل عائلة، إلا أن السكان يرون أن هذا المبلغ لا يكفي للانتقال من المخيم إلى قرى جرفت بالكامل وتفتقر إلى أبسط الخدمات، ولا سيما أن نازحين من ريف حلب، وبعد تقدير الحد الأدنى من تكاليف العودة، حصلوا على خمسة آلاف دولار للعائلة لمساعدتهم على بدء حياتهم الجديدة.

يقول أبو يزن إن المنظمات أبلغت الأهالي بأنها ستقدم تعويضا بقيمة ألف دولار لكل عائلة، إلا أن السكان يرون أن هذا المبلغ لا يكفي للانتقال من المخيم إلى قرى جرفت بالكامل

ويشير إلى أن مخيم توينة يضم نحو 2500 خيمة، حيث يطالب الأهالي برفع قيمة التعويضات بما يتيح لهم، على الأقل، إزالة ركام منازلهم، موضحا أن تكلفة ترحيل الأنقاض من كل منزل مدمر لا تقل عن 300 دولار للمنزل، فضلا عن الحاجة إلى إزالة الأنفاق والألغام في قرية الكوزلية ومحيطها وصولا إلى قرية أم الخير وعلى امتداد خط الجبهة السابق.

فوق الأنقاض

ويصف أبو يزن واقع الحياة في المخيم قائلا: “الناس هنا عايشة من قلة الموت، من دون عمل وبمستوى عال من البطالة”، قبل أن يطرح السؤال الذي يختصر هواجس كثير من النازحين: “وين راجعين؟”.

ويوضح أن جميع العائلات النازحة، ووفق الخطة التي أبلغتهم بها المنظمات المشرفة على ملف العودة، ستضطر إلى حمل خيامها معها ونصبها مجددا فوق أراضيها بعد إزالة أنقاض المنازل المدمرة، في ظل غياب أي مساكن صالحة للسكن.

ويعتبر أن هذا الواقع لا يمكن القبول به، قائلا: “لا بد لنا أن نحاول تعمير بيوتنا، فماذا تكفينا ألف دولار مقدمة من المنظمات الدولية والإنسانية؟”، ويضيف: سأعمل على تشييد مأوى بسيط في حي الكوزلية باستخدام المواد البدائية من اللبن والطين إلى حين توافر الإمكانات اللازمة لإعادة إعماره، آملا “أن تتحول العودة يوما من خيمة فوق الركام إلى منزل يستعيد فيه وعائلته حياتهم الطبيعية”.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *