لا يمضي بنا دحمان الحراشي إلى الجزائر فحسب، بل يأخذنا إلى القلب الجزائري الذي كان يغني من أعماقه وينطق بلسانه ويعزف على إيقاع نبضه. أمام هذا الفنان يطول الوقوف ويتجدد الإعجاب، ويمتد التأمل في تجربة فنية مبهرة، ومشروع موسيقي متكامل أتمه صاحبه على أفضل وجه، رغم الرحيل المبكر، فكان العطاء كبيراً، وكانت الموهبة أو المواهب المتعددة تتدفق بلا انقطاع، تفيض إبداعاً جميلاً لا يخبو وهجه وبريقه، بل يزداد تألقاً على مرّ السنين وينجلي أثره وقيمته.
أول ما يلفت الانتباه عند تناول فن دحمان الحراشي، هو مدى أصالة هذا الفن وجزائريته الخالصة، والأصالة سر من أسرار الفنون على ما يبدو، فهي القادرة على كسب رضا الجمهور المحلي إذا خاطبت ذوقه بشكل سليم، وهي التي تستطيع أيضاً إرضاء فضول الجمهور الخارجي، الذي يحصل إلى جانب المتعة الفنية، على معرفة جانب من جوانب ثقافة بلد آخر، وقد أرضى الحراشي هذا وذاك بلا شك.
دحمان الحراشي رمز فني كبير من رموز الفن في الجزائر، تجاوز كونه مطرباً محبوباً ذا جماهيرية واسعة، وأصبحت أغانيه بشكل أو بآخر جزءاً من روح الهوية الجزائرية، وعاملاً مشتركاً من عوامل الوجدان الجمعي للشعب الجزائري. ولد باسم عبد الرحمن عمراني، وعاش في الفترة من عام 1925 حتى عام 1980، كان أبوه مؤذن الجامع الكبير في العاصمة الجزائرية، وربما ورث عنه جمال الصوت. أما لقب الحراشي فجاء نسبة إلى الحي الذي عاش فيه مع عائلته، حي الحراش الذي يعد من الأحياء الشعبية التاريخية في الجزائر العاصمة، وقد ذكر هذا الحي في بعض أغانيه كأغنية «بلاد الخير»، وأغنية «بهجة بيضا». سافر الحراشي إلى فرنسا منذ الأربعينيات وأقام هناك لسنوات طوال، وكان يغني في المقاهي الجزائرية في باريس، قبل أن يعود ويستقر في وطنه مرة أخرى، لذا تحتل الغربة التي اختبر شعورها جيداً، مساحة معتبرة من أعماله.
فنان من الشعب
أتى فنه من الشعب والأرض وشق طريقه حتى نال الاعتراف وحصل على ما يستحقه من مكانة، لا بشيء سوى صدق الإحساس وقوة الموهبة وبراعة الإبداع. اختص الحراشي بلون فني جزائري خالص هو «الشعبي»، وكلمة شعبي هنا لا تشير إلى الفن الشعبي بمفهومه التقليدي، وإنما تشير إلى نوع معين من أنواع الموسيقى والغناء في الجزائر، فهو ليس تراثاً شعبياً أو فناً فولكلورياً، وبالطبع ليس مرادفاً للابتذال والرداءة كما حدث مؤخراً في بعض البلدان، حيث أصيب وصف «الشعبي» بما أصيب به من تشويه. لم يبتكر الحراشي هذا الفن، فقد سبقه إليه من أسسوا وطوروا وأقاموا الأركان، لكنه صار قطباً من أقطابه، وأضاف إلى مكتبته السمعية مئات الأغنيات. أشهر تلك الأغنيات وأكثرها سماعاً وانتشاراً خارج الجزائر هي أغنية «يا الرايح»، التي أعادت غناءها مجموعة من المطربين في الوطن العربي والعالم، وتم توظيف لحنها في بعض الإعلانات التجارية.
كان دحمان الحراشي مطرباً وملحناً وعازفاً وكاتباً، في عالمه الفني المستقل بذاته نجد موسيقى رائعة تفرض حضورها وشخصيتها المتفردة منذ أول نغماتها، موسيقى تنبعث من المكان، تحمل روحه وملامحه وتعبر عن بعض خصائصه، موسيقى عاصمية حضرية تماماً، هي موسيقى المدينة لا موسيقى الجبل أو الريف أو أي منطقة أخرى. موسيقى تتنسم عبير البحر المتوسط، تمتزج بالشمس والهواء وتنفتح على الآفاق، تعلن عن هويتها الجزائرية بوضوح، لكنها تضم من العناصر الفنية ما يجعلها صالحة للسماع والتذوق في كل مكان، كما لو كانت موسيقى كوزموبوليتانية.
كان الحراشي يتمتع بقدرة لا نهائية على تأليف الثيمات الموسيقية، فكلما استمعنا إلى أغنية من أغانيه وجدنا ثيمة رائعة متميزة، كما لو كانت كل أغنية ثيمة أو كل ثيمة أغنية، ويمكن القول إن الثيمات من أكبر عناصر الإمتاع في موسيقاه، بالإضافة إلى طريقته البارعة في تكوين النسيج النغمي. كما كان يميل إلى صياغة الجمل والعبارات اللحنية القصيرة التي تخلق إيقاعاً حيوياً متقداً، ونلمح لديه أيضاً تعبيرية موسيقية لم يكن يبالغ في توظيفها، حيث لا يسمح بها القالب الفني الذي كان يؤلف من خلاله والنظام العام لأغنية الشعبي.
موسيقى الحراشي هي أول ما يواجهنا عند الاستماع إليه في كثير من الأحيان، إذ تسبق الغناء عادة وتنفرد ببعض التقاسيم، كما تلعب دوراً بانفراداتها بين المقاطع، فهي لا توصل اللحن بقدر ما تطوره وتتفاعل مع الكلمات المغناة، وتشحن العاطفة وترفع الحالة الشعورية عند السامع أو تنشطها وتزيد من انتباهه. أما شكل الأغنيه عنده، فنجد أنها تبدأ بموال قصير أو ببعض التقاسيم كما ذُكر من قبل، وربما نغمة أو نغمتين قبل أن ينفتح اللحن على مفاجآته المدهشة، ثم تتوالى المقاطع والفواصل اللحنية بنظامها المعتاد، حتى الوصول إلى الخاتمة التي تكون سريعة مختصرة في أغلب الأوقات، وتعتمد على تنغيم صوتي بطيء. وأحياناً يحدث تحول إيقاعي للحن نفسه في الجزء الأخير من الأغنية، وربما كان هذا من التأثيرات الأندلسية.
صوت دحمان الحراشي صوت جميل قريب من الناس، أو يبحث عن مكانه وسط الناس لا داخل المسارح والقاعات المغلقة، عندما تستمع إلى هذا الصوت تشعر بأنك تسير بالخيال في شوارع الجزائر.
المندول الجزائري
يرتبط فن الشعبي الجزائري بآلة المندول، التي تم تطويرها عن آلة الماندولين، ينسب ابتكار هذه الآلة الجزائرية إلى الفنان الجزائري محمد العنقا، الذي يعد من رواد هذا الفن. والمعروف أن الماندولين بدورها آلة تم تطويرها عن العود، وأنها آلة عربية الأصل والجذور، فعندما انتقل العود من الأندلس إلى أوروبا، ظهر عود الرينسانس في عصر النهضة، وهو الأقرب شكلاً إلى العود العربي التقليدي، ثم ظهر العود الباروكي في عصر الباروك، بحجمه الضخم وعنقه الطويل جداً المثبت عليه عدد كبير من الأوتار. وظهرت كذلك آلة الماندولين التي تشبه العود لكنها صغيرة الحجم وذات صوت فريد، ومرت بأطوار مختلفة إلى أن استقر شكلها الإيطالي، ومع هجرة الإيطاليين إلى أمريكا ظهرت الماندولين الأمريكية، وفي الجزائر تحولت الماندولين إلى المندول، وهكذا كانت في تحول مستمر وتبدل من العرب إلى أوروبا، ومن أوروبا إلى العرب مرة أخرى.
يتميز المندول الجزائري بحجمه الكبير وأوتاره المعدنية المزدوجة، وبصوته الرخيم الأكثر رزانة وشجناً من رشاقة الماندولين وخفتها. المندول هو العلامة الأساسية البارزة التي تميز فن الشعبي، لذا كان رفيق دحمان الحراشي في مشواره، وكم كان بارعاً في العزف على هذه الآلة عارفاً بأسرارها، وكم جرت ألحانه على أوتارها سلسة منسابة، ويشعر السامع أحياناً بأن المسافة بين أوتار المندول وروح الحراشي تكاد تكون منعدمة، لذا كانت تستقبل أفكاره الموسيقية بهذا الوضوح. كان الحراشي يعزف أيضاً على آلة البانجو بما لها من شكل مميز وصوت ذي قدرات تعبيرية أخرى.
من موهبة إلى أخرى
صوت دحمان الحراشي صوت جميل قريب من الناس، أو يبحث عن مكانه وسط الناس لا داخل المسارح والقاعات المغلقة، عندما تستمع إلى هذا الصوت تشعر بأنك تسير بالخيال في شوارع الجزائر. صوت متمكن لكنه لا يستعرض هذا التمكن صعوداً وهبوطاً في أجوبته وقراراته، سرعان ما يلمس الشعور ويمتلك الآذان. ربما لا نتحدث عن صوت طربي معقد ذي قدرات هائلة، فطبيعة اللون الذي كان يغنيه بجمله القصيرة وإيقاعاته السريعة إلى حد ما، لا يتطلب حنجرة واسعة المدى. وإنما يبحث في المقام الأول عن المقدرة التعبيرية ومهارة رسم الصور الشعورية وإيصال المعنى وتحقيق الأثر، بالإضافة إلى القليل من درامية الأداء أحياناً في لمحات خاطفة. هو صوت قوي رخيم، فيه خشونة، صوت رجل من الشعب، أو ابن البلد كما يقال، يتمتع بقدرة على التنغيم بطرق وأساليب معينة خاصة بالجزائر، وربما كان لها بعض الجذور الأندلسية. صوت وقور يخالطه الشجن بلا تكلف في إظهار الحزن، ولا يخلو في الوقت نفسه من الفرح، أو الرضا الذي قد يكون الوصف الأدق هنا، كما يتسم صوته بديمومة الطاقة والحيوية، التي تمكنه من مسايرة اللحن والإيقاع. عندما يغني الحراشي نشعر كما لو أنه يجلس وسط الناس في حي جزائري بعد صلاة المغرب، حيث التواصل البشري في هدوء وحسن الإنصات والإصغاء، هذا الإحساس بالتواصل يخلقه الحراشي الذي كان حريصاً في كثير من الأحيان على مخاطبة سامعه والتوجه إليه بالحديث مباشرة، فيقول «يا الرايح» أو «يا الغافل» على سبيل المثال، ورغم أنه كان يغني بصوت عال واضح، يشعر المستمع أحياناً بأنه يهمس في أذنه.
كان دحمان الحراشي يؤلف أشعار أغانيه بلهجة الجزائر العامية، حيث يصيغ من الكلمات الشائعة المتداولة على الألسنة، قصائد غنائية لا تخلو من جميل الصور وبديع التراكيب وعميق المعاني. كلمات تغنى بلسان الناس ولهجتهم، تدور معانيها في إطار البيئة والثقافة والمخيلة العامة، لكنه يقدمها بإبداع ساحر، فالبساطة هي قمة التعقيد الفني أحياناً. ما خطه قلم الحراشي من كلمات أغانيه يثير الإعجاب حقاً، وتلك الأغاني هي أشبه بديوان أو كتاب يضم أفكاره ومشاعره وما كان يحرك قلمه ويدفعه نحو الكتابة، وتأملاته في دنيا الحياة وأحوال البشر، هو كتاب الحكمة الشعبية وخلاصة تجربة واحد من الناس وما استطاع أن يكّونه من رؤية في النهاية. الغريب أن الحراشي كان يستطيع أن يكتب أغنية كاملة تدور كل كلماتها في إطار النصيحة، فتبدو كأنها مجموعة من النصائح المتتالية، ورغم ذلك تشد الأغنية سامعها، بل ويحسن الإصغاء إليها بانتباه مضاعف، بينما يقول في داخله يبدو أن الفن يحتمل النصيحة المباشرة أحياناً، إذا كان فناً حقيقياً مكتمل العناصر الفنية والجمالية. تحررت الأغنية عند دحمان الحراشي بشكل كبير من قالب الأغنية العاطفية التي كان لها الغلبة دائماً في الغناء العربي. وانطلقت نحو مواضيع وأفكار وكلمات قلما نستمع إليها في ما نعرفه من أغان عربية.
هناك أغنيات الغربة وعلى رأسها أغنية «يا الرايح»، التي يقول مطلعها المعروف: «يا الرايح وين مسافر تروح تعيى وتولي.. آش حال ندموا العباد الغافلين قبلك وقبلي». هي من أجمل أغنياته بلا شك، بلحنها الرائع وإيقاعها الحيوي الذي يسير بلا توقف كدوامة الغربة التي لا يستطيع المرء الخروج منها بسهولة. في هذه الأغنية نكون مع الموسيقى فقط لأول دقيقة ونصف قبل أن نستمع إلى الغناء، حيث تبدأ ببعض التقاسيم ثم دخول اللحن بثيمته المدهشة، يتحدث الحراشي بلسان من عرف الغربة وخاض آلامها، ويخاطب سامعه الذي لا تزال تراوده الأحلام ويناديه المجهول. ومن جميل ما يقول أيضاً في هذه الأغنية: «يا مسافر نعطيك وصايتي اديها ع البكري.. شوف ما يصلح بيك قبل ما تبيع وتشري.. يا النايم جاني خبرك كيما صرى لك صرى لي.. هكدا راد وقدر في الجبين سبحانه العالي».
من الأغنيات البارزة كذلك في أعمال دحمان الحراشي، تلك التي تتناول صفات البشر والعلاقات بين الناس، تُنكر الأخلاق الكريهة وتتطلع إلى الكريم من الخصال. تتساءل لماذا تغير الناس إلى الأسوأ، ولماذا الغدر والحسد والطمع وسوء العشرة كما في أغنية «اللي يحب صلاحو».
كما تتناول أغنية «زوج حمامات في قصر» الغربة أيضاً، لكن بشكل مختلف إلى جانب بعض الأفكار الأخرى، وهي من أجمل وأطول أغانيه إذ تمتد إلى ما يقرب من عشر دقائق. صيغت هذه الأغنية كقصة مشوقة تروي حديثاً متخيلاً بين حمامتين أو فتاتين، احداهما تحلم بالسفر وتسافر بالفعل، والأخرى تقنع بالعيش المستقر، ويستمر الحوار حول الاختيارات والعواقب. لكن السفر والغربة ليس هو الموضوع الوحيد أو الأساسي، فالأغنية تركز على توضيح الفارق بين من تركض وراء حياة اللهو، ومن تنعم بالستر في بيتها. تبدأ الأغنية بموال جميل، ثم يأخذنا مطلعها مباشرة إلى خيال واصف حيث يقول: «سبحان الله رات عيني زوج حمامات في قصر.. مقابلين السما والبحر.. واحدة مزينة بالحناني.. الأخرى ما هي محنية».
من الأغنيات البارزة كذلك في أعمال دحمان الحراشي، تلك التي تتناول صفات البشر والعلاقات بين الناس، تُنكر الأخلاق الكريهة وتتطلع إلى الكريم من الخصال. تتساءل لماذا تغير الناس إلى الأسوأ، ولماذا الغدر والحسد والطمع وسوء العشرة كما في أغنية «اللي يحب صلاحو». ومن أجمل الأغنيات التي تمتلئ بالنصائح أغنية «قيس قبل ما تغيس»، ويقول في مطلعها: «قيس قبل ما تغيس.. آسيدي قبل ما تغيس.. استغفر الله كل خطرة ونعل إبليس»، يتكرر هذا المطلع بين كل مقطع وآخر من مقاطع الأغنية، تنصح الأغنية بصون النفس ورعايتها والتزام الوقار والحرص والحذر المطلوب، والتفكير ملياً قبل الإقدام على أي شيء وتأمل العواقب، فيقول مثلاً: «اللي فعله ما يليق.. آسيدي عمره ما يفيق.. طيّح قدره في حياته ورجع رخيص». وكذلك أغنية «خبي سرك» التي يقول فيها: «خبي سرك يا الغافل.. واقرا حذرك لا تبين سرك للغير.. الناس تطول الكلام والحيط بودنيه». وأغنية «نوصيك يا الغافل» التي تقول: «نوصيك يا الغافل بالاك نسيبك.. إيلا رجعت ساكن عنده في الدار.. ترجع معاه حاصل ويفرغ جيبك.. ما تصيبش الهنا وتشبع مرار.. يرميك في حصيدة ويقول نزيدك.. ومع زوجتك يشعل النار».
وهناك من أغانيه ما يشبه المثل الشعبي، كأغنية «اللي يزرع الريح»، حيث يقول: «اللي يزرع الريح كل يوم يحصد غير غباره.. كل ما يعتر يطيح من فعاله وظلام نهاره». ومن أجمل أغانيه الأخرى ذات المواضيع المتنوعة، «آش اداني نخالطه»، «والله ما دريت بالغدرة»، «ما زال في حياتي نسمع ونشوف»، وأغنية «اللي راح وولى» التي غناها في فيلم «صحة دحمان».
في حب الوطن
كما يحب المرء وطنه ويستمتع بالغناء له، يجد متعة أيضاً في الاستماع إلى حب الآخرين لأوطانهم، وقد غنى دحمان الحراشي لوطنه الحبيب أجمل الأغنيات، التي صاغ ألحانها وكلماتها ببصمته الفنية الفريدة وبأسلوبه الخاص. احتفالاً باستقلال بلاده غنى للجزائر العاصمة أغنية «بهجة بيضا»، التي يذكر فيها مدن ومناطق وأحياء الولاية، ولكل مكان ومعلم من المعالم التي ذكرها قصته وتاريخه بطبيعة الحال. يخاطب الحراشي الجزائر العاصمة قائلاً: «بهجة بيضا ما تحول ورسمك عنده قيمة.. راني بعتلك مرسول وآجيبيني يا عاصمة». ويقول: «فيك قدر والديان والنسمة فيك ناعمة.. ورد ياسمين وسيسان هديك دنيا ما نسينا.. هدروا عليك في اليمن الجزاير راكي زينة.. زادت مصر والشام ما نخطيك حتى بليلة». في ختام الأغنية ينتقل الحراشي من الوطني إلى الديني بشكل رائع، فيقول: «سهل لي يا رحمن.. برضاك انت تعافينا.. المذاهب أربع أركان.. في الشهادة ما تنسينا.. الله يجمعنا باحسان.. واللي ماتوا بالرحيمة».
وكما غنى للجزائرالعاصمة، غنى للجزائر الدولة كلها من شمالها إلى جنوبها ومن شرقها إلى غربها أغنية «بلاد الخير»، يقول مطلع هذه الأغنية: «كيفاش ننسى بلاد الخير.. كيفاش يصبر قلب اتهنى.. كيفاش صغري جايز فقير.. ووطني غني ما يفنى». ومنح لحنها إيقاع السفر والتجوال بين المناطق والولايات، يذكر مستغانم وتلمسان ووهران وقسنطينة وغيرها من الأماكن، كما يذكر العديد من أولياء الله الصالحين. في القسم الأخير من الأغنية يذهب الحراشي قليلاً خارج الجزائر ويتجه شرقاً وغرباً، فيقول: «من الرباط لتونس آش ندير.. دين الإسلام باهي جمعنا.. يا متاجر زيد في التيسير.. اعلم ما كان وخبرنا.. الله على كلش قدير.. والبركة بيها زرنا». أما الخاتمة فيجعلها دينية أيضاً ويقول: «يا بهجة مثلك عيد صغير.. رمضان وعاشورا سنة.. في مولد النبي البشير.. الإخوة جات تغافرنا.. الصلاة على الهادي النذير.. يوم الآخرة يشفعنا». هكذا كان دحمان الحراشي، ابن الجزائر الذي ظل يغني من قلب جزائري خالص مهما اختطفته سنوات الغربة.
كاتبة مصرية