في أواسط تشرين الأول/ أكتوبر 2025 اضطر مبعوثا البيت الأبيض ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر إلى عقد لقاءات مع وفد من حركة المقاومة الإسلامية «حماس» في شرم الشيخ، فكسرا بذلك صيغة «تحريم» كانت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد فرضتها على الحوار المباشر مع طرف فلسطيني يدير قطاع غزة منذ سنة 2007.
ومؤخراً، وبعد لقاء مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في مدينة العلمين، اجتمع كوشنر مع القيادات العليا في «حماس»، وعلى رأسهم خليل الحية بصفته الرسمية كرئيس للمكتب السياسي للحركة، حيث ضمّ الاجتماع نيكولاي ملادينوف المدير التنفيذي لـ»مجلس السلام» ورئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير العضو في إدارة المجلس.
وبالأمس توجه كوشنر وفريقه إلى دولة الاحتلال الإسرائيلي، ساعياً إلى انتزاع موافقة بنيامين نتنياهو على خريطة طريق كان ملادينوف قد اقترحها، ولم تكن من حيث التدابير العملية على الأرض سوى تدشين لعمليات البدء في تنفيذ المرحلة الثانية من خطة ترامب للتهدئة في قطاع غزة. وكان رئيس حكومة الاحتلال قد ربط قبول البنود بشروط تعجيزية، على غرار استكمال النزع التامّ لسلاح «حماس» قبل الشروع في الانسحاب من 70% من أرض القطاع يحتلها الجيش الإسرائيلي راهناً.
وإذ يصل كوشنر اليوم إلى المنطقة بوصفه أحد كبار مبعوثي الرئيس الأمريكي، فضلاً عن كونه صهراً له وممثل عائلة مقرّبة تماماً من ترامب لاعتبارات المال والأعمال وليس القرابة أو السياسة، فإنه في الجانب الآخر من شخصيته يأتي أيضاً بصفته «المهندس» الأول خلف ما سُمّي في الماضي «صفقة القرن» حول قطاع غزة، وما تجسد لاحقاً وعملياً في اتفاقيات أبراهام التطبيعية الشهيرة بين دولة الاحتلال وكل من الإمارات والبحرين والمغرب والسودان.
وفي ضوء التطورات التي أعقبت توقيع سلسلة الاتفاقيات تلك، أواخر العام 2020، فإن مجيء كوشنر إلى المنطقة اليوم يبدو أقرب إلى وقوف على أطلال «الهندسة» التي كان قد اقترحها، وعهد بتنفيذها إلى الرئيس ترامب نفسه الذي يواصل حكم أمريكا، ويجهد لإقناع تابعه نتنياهو بقبول خطة تهدئة وضعها البيت الأبيض ذاته، في مسعى لإنقاذ دولة الاحتلال من شفير هاوية دأبت على الانحدار نحوها.
وإذا عزّت الأمثلة على الأطلال التي تنتهي إليها «هندسة» كوشنر للسلام في المنطقة عموماً، وبصدد «صفقة العصر» حول قطاع غزة خصوصاً، فيكفي مثال واحد حديث العهد هو توقيع الإمارات على بيان مشترك أصدره وزراء خارجية ثماني دول عربية وإسلامية، يندد بسياسات نتنياهو. وإلى جانب قطر والسعودية وتركيا وباكستان وأندونيسيا، ثمة مغزى كبير في وجود مصر والأردن ضمن اللائحة، وكلتاهما سبق أن وقعتا اتفاقيات سلام مع دولة الاحتلال.
مرجّح بالطبع أن كوشنر لا يقوم إلا بخدمة الحدود الدنيا، ليس لأنّ الإدارة الأمريكية غارقة في مستنقع المآلات العبثية المستعصية لحربها ضد إيران فقط، بل أساساً لأنّ نتنياهو لم يرضخ إلا جزئياً لخطة ترامب، ولأن سيفاً مسلطاً على رأسه عنوانه انتخابات الكنيست المقبلة وما تنطوي عليه احتمالات الهزيمة من عواقب سياسية وقضائية وخيمة.