الخرطوم – ” القدس العربي”: منذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل/نيسان 2023 بين القوات المسلحة السودانية وقوات “الدعم السريع”، تحولت الأزمة من نزاع داخلي على السلطة إلى قضية إقليمية ودولية معقدة تتشابك فيها المصالح السياسية والاقتصادية والأمنية.
وخلال السنوات الثلاث الماضية، لم يكن المجتمع الدولي صاحب موقف موحد تجاه الحرب، بل ظهرت تباينات واضحة في طبيعة التعاطي مع الصراع، بين الدعوات الإنسانية لوقف القتال، والوساطات السياسية، والعقوبات الاقتصادية، والاتهامات المتبادلة بشأن الدعم العسكري المباشر وغير المباشر لبعض أطراف الحرب. وترك هذا التناقض أثرا عميقا على مسار النزاع، وأسهم بصورة أو بأخرى في إطالة أمده وتعقيد فرص الوصول إلى تسوية سياسية مستقرة.
وفي هذا السياق، يرى أستاذ العلوم السياسية، مصعب محمد علي، في حديثه لـ”القدس العربي”، أن الحرب السودانية تأثرت بصورة واضحة بالمواقف الدولية، سواء عبر الدعم السياسي والدبلوماسي، أو من خلال الوساطات والمساعدات الإنسانية، أو عبر التهديد بالعقوبات.
يرى مصعب أن موقف المجتمع الدولي ساهم في إبقاء الحرب ضمن الاهتمام العالمي وفتح الباب امام تسويات سياسية تنهي حالة الحرب
لكنه يشير في الوقت نفسه إلى أن تأثير المجتمع الدولي ظل محدودا بسبب تضارب المصالح الدولية وغياب موقف موحد قادر على الدفع من أجل إنهاء الحرب.
وأشار إلى أن الحرب أصبحت جزءا من الصراع حول الموارد، وبعض الأطراف الدولية تسعى لفرض نفوذها في المنطقة من خلال السودان وترى أن حالة الحرب تساعدها على ذلك، ومن بينها الموارد والبحر الأحمر.
ويرى مصعب أن موقف المجتمع الدولي ساهم في إبقاء الحرب ضمن الاهتمام العالمي وفتح الباب امام تسويات سياسية تنهي حالة الحرب. لكن ضعف الإرادة الداخلية يؤثر على دور المجتمع الدولي الإيجابي تجاه الحرب في السودان وهذا يودي الى استمرارها.
وبين أن بيانات الخارجية السودانية الأخيرة تعكس توجها واضحا لدعم تحولات الخطاب الدولي في اتجاه سياسة الخرطوم وروايتها السياسية والعسكرية حول الحرب من خلال إدانة الهجمات على المدنيين ومن خلال التأكيد على سيادة السودان ووحدة أراضيه. وربط استمرار الحرب بالتدخلات الخارجية وتصنيف الدعم السريع منظمة إرهابية. وهذا يعني أن المعركة لم تعد عسكرية فقط بل أخذت “منحى دبلوماسيا”.
ومنذ بداية الحرب، سارعت جهات دولية وإقليمية إلى إطلاق مبادرات لوقف إطلاق النار. فقد دعت الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي و”إيغاد” إلى هدنة إنسانية والعودة إلى طاولة التفاوض، كما رعت السعودية والولايات المتحدة محادثات جدة بين الجيش السوداني وقوات “الدعم السريع”. غير أن تلك الجهود لم تحقق اختراقا حقيقيا، إذ سرعان ما انهارت الهدن المعلنة وعادت المعارك بوتيرة أعنف.
الصراع لم يعد مجرد خلاف سياسي أو عسكري محدود، بل تحول إلى حرب متعددة الأبعاد تشمل النفوذ الاقتصادي، والسيطرة على الموارد
وهو ما أرجع إلى غياب الثقة بين طرفي الحرب، بالإضافة إلى ضعف أدوات الضغط الدولية، فضلا عن تعدد المبادرات وتنافس الوسطاء أنفسهم على إدارة الملف السوداني.
وطبيعة الحرب ذاتها جعلت الوصول إلى تسوية أمرا معقدا. فالصراع لم يعد مجرد خلاف سياسي أو عسكري محدود، بل تحول إلى حرب متعددة الأبعاد تشمل النفوذ الاقتصادي، والسيطرة على الموارد، والتحكم في الموانئ والمناطق الاستراتيجية، إلى جانب التنافس على الشرعية السياسية داخليا وخارجيا. ولهذا يرى مراقبون أن بعض القوى الإقليمية والدولية تنظر إلى السودان باعتباره ساحة نفوذ مهمة في منطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر، وهو ما انعكس على مواقفها من الحرب.
وخلال السنوات الماضية، وُجهت اتهامات لعدة أطراف خارجية بتقديم أشكال مختلفة من الدعم العسكري أو اللوجستي للأطراف المتحاربة، سواء بصورة مباشرة أو عبر شبكات إقليمية معقدة. وتحدثت تقارير دولية عن وصول أسلحة وذخائر إلى أطراف النزاع عبر دول مجاورة أو حلفاء إقليميين، بينما نفت الدول المتهمة رسميا تورطها في دعم أي طرف. كما أشارت تقارير أممية إلى وجود انتهاكات محتملة لحظر السلاح في بعض مناطق السودان، خاصة إقليم دارفور، الأمر الذي زاد من تعقيد الأزمة وأضعف فرص احتواء النزاع.
وقد أدى هذا الواقع إلى بروز تغيرات متتالية في مواقف بعض الدول والمنظمات حسب التطورات العسكرية أو الحسابات السياسية الآنية. ففي أوقات معينة تركز القوى الدولية على ضرورة وقف إطلاق النار وحماية المدنيين، ثم تعود لاحقا للتركيز على قضايا النفوذ أو التوازنات الإقليمية أو مكافحة الهجرة غير الشرعية والإرهاب. وهذا التذبذب خلق انطباعا لدى قطاعات واسعة من السودانيين بأن المجتمع الدولي يتعامل مع الأزمة وفقا لمصالحه الخاصة أكثر من اهتمامه الحقيقي بإنهاء الحرب.
الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي تبنيا خطابا يركز على الانتهاكات الإنسانية وضرورة محاسبة المسؤولين عنها
الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي تبنيا خطابا يركز على الانتهاكات الإنسانية وضرورة محاسبة المسؤولين عنها، وفرضت واشنطن عقوبات على شخصيات وشركات مرتبطة بالطرفين المتحاربين. كما أدانت تقارير غربية الانتهاكات الواسعة ضد المدنيين، خصوصا في دارفور والخرطوم ومناطق النزوح. غير أن هذه العقوبات لم تنجح في وقف الحرب أو تغيير موازين القوى بصورة حاسمة، لأن الأطراف المتحاربة ظلت تجد دعما سياسيا أو اقتصاديا من قوى أخرى، إلى جانب استمرار الاقتصاد الموازي المرتبط بالذهب والتجارة العابرة للحدود.
في المقابل، تبنت بعض الدول الإقليمية سياسة أكثر حذرا، إذ حاولت الحفاظ على علاقاتها مع مختلف الأطراف السودانية تحسبا لأي تغيرات مستقبلية. وقد أدى ذلك إلى حالة من الغموض السياسي، حيث بدت بعض المواقف مزدوجة؛ فمن جهة تعلن دعم الحل السلمي ووحدة السودان، ومن جهة أخرى تتهم بالتغاضي عن تدفق السلاح أو التمويل أو تقديم تسهيلات غير مباشرة لبعض الأطراف.
ومن الجوانب المهمة في الحرب السودانية أن البحر الأحمر أصبح جزءا من الحسابات الدولية المتعلقة بالصراع. فالسودان يمتلك موقعا استراتيجيا بالغ الأهمية على الساحل الغربي للبحر الأحمر، وهو ما يجعله محط اهتمام لقوى إقليمية ودولية تسعى لتعزيز نفوذها العسكري والتجاري في المنطقة. ولذلك فإن استمرار الحرب لا يرتبط فقط بالصراع الداخلي على السلطة، بل يتداخل مع تنافس دولي أوسع حول الموانئ وخطوط التجارة والطاقة والأمن البحري.
البحر الأحمر أصبح جزءا من الحسابات الدولية المتعلقة بالصراع
ويؤكد علي في حديثه لـ “القدس العربي” أن الحرب السودانية أصبحت جزءا من الصراع على الموارد والنفوذ في المنطقة، مشيرا إلى أن بعض الأطراف الدولية ترى في استمرار الحرب فرصة لتعزيز حضورها السياسي والاقتصادي داخل السودان. كما يعتقد أن غياب الإرادة الداخلية الموحدة يحد من فعالية أي دور إيجابي يمكن أن يمارسه المجتمع الدولي، لأن الحل النهائي لا يمكن أن يفرض بالكامل من الخارج دون وجود توافق سوداني داخلي.
ومن الناحية الإنسانية، كشفت الحرب عن محدودية الاستجابة الدولية مقارنة بحجم الكارثة. فالأمم المتحدة وصفت الأزمة السودانية بأنها من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم، مع نزوح ولجوء ملايين السودانيين إلى دول الجوار، وانهيار أجزاء واسعة من النظام الصحي والخدمي. لكن في الوقت نفسه، واجهت منظمات الإغاثة صعوبات كبيرة في إيصال المساعدات بسبب استمرار المعارك، وتعرض قوافل إنسانية وعاملين في المجال الإغاثي لهجمات مباشرة أو عمليات نهب.
كما ساهم الانقسام الدولي في تعطيل صدور مواقف أكثر حزما داخل المؤسسات الدولية. ففي مجلس الأمن الدولي مثلا، لم تتمكن القوى الكبرى من الوصول إلى توافق شامل حول آليات ملزمة لوقف الحرب، بسبب اختلاف أولويات الدول المؤثرة. وبينما ركزت بعض الدول على حماية المدنيين، اهتمت أخرى بالحفاظ على توازناتها الإقليمية أو مصالحها الاقتصادية والعسكرية.
خلال الفترة الأخيرة، اتجهت الحكومة السودانية إلى تعزيز خطابها الدبلوماسي الخارجي، عبر التركيز على مفاهيم السيادة الوطنية ورفض التدخل الخارجي
وخلال الفترة الأخيرة، اتجهت الحكومة السودانية إلى تعزيز خطابها الدبلوماسي الخارجي، عبر التركيز على مفاهيم السيادة الوطنية ورفض التدخل الخارجي، مع السعي لإقناع المجتمع الدولي بأن استمرار الحرب مرتبط بدعم خارجي تتلقاه قوات الدعم السريع. كما طالبت الخرطوم بتصنيف الدعم السريع تنظيما إرهابيا، في خطوة تعكس تحولا في طبيعة المعركة من مواجهة عسكرية ميدانية فقط إلى صراع سياسي ودبلوماسي على مستوى الساحة الدولية.
وفي المقابل، تحاول أطراف أخرى تقديم نفسها باعتبارها منفتحة على الحلول السياسية، وتتهم الجيش بإطالة أمد الحرب عبر رفض بعض المبادرات أو التمسك بالخيار العسكري. وهذا التراشق السياسي والدبلوماسي جعل المجتمع الدولي يتعامل مع روايات متعددة ومتضاربة، الأمر الذي صعب الوصول إلى تصور موحد للحل.
رغم أن المبادرات الدبلوماسية قائمة، ولا تزال المنظمات الإنسانية تضغط من أجل فتح الممرات الإنسانية، كما أن بعض الدول تواصل الدعوة إلى استئناف التفاوض باعتباره الخيار الوحيد لإنهاء الحرب، لكن التجربة خلال السنوات الماضية أظهرت أن المجتمع الدولي، رغم حضوره المكثف، لم يتمكن من لعب دور حاسم في إنهاء الحرب.