من إسرائيل إلى المغرب… خيوط احتيال عالمي تقوده شركة إسرائيلية


برلين- «القدس العربي»: كشف تحقيق نشرته مجلة «دير شبيغل» الألمانية، الخميس دور شركة تكنولوجيا إسرائيلية في تزويد شبكة احتيال دولية ببرامج تُظهر أرباحاً وهمية للمستثمرين، بينما تتدفق أموالهم إلى جيوب المحتالين. وتأتي التفاصيل بعد إدانة المدير السابق للشركة أمام القضاء الألماني، فيما تمتد ملاحقة أحد مموليها إلى المغرب، حيث يُحتجز بانتظار تسليمه.

في قلب القضية تقف شركة «إيرسوفت»، التي عملت من مدينة رمات غان الإسرائيلية، ومديرها السابق شاي بن حمو، المحكوم بالسجن أربع سنوات بتهمة المساعدة على الاحتيال. وخلف واجهات التداول الأنيقة، تكشف القضية كيف أمكن تحويل حلم تحسين الدخل وتأمين المستقبل إلى وسيلة لاستنزاف مدخرات أشخاص وثقوا بما يرونه على شاشاتهم.

امتدت الملاحقات من إسرائيل إلى المغرب، حيث يُحتجز روني حجاج، أحد ممولي شركة «إيرسوفت» الإسرائيلية، بانتظار تسليمه إلى ألمانيا

وامتدت الملاحقات من إسرائيل إلى المغرب، حيث يُحتجز روني حجاج، أحد ممولي شركة «إيرسوفت» الإسرائيلية، بانتظار تسليمه إلى ألمانيا بناء على طلب من الادعاء العام في بامبرغ، وفق مجلة «دير شبيغل». ويأتي توقيفه في إطار تعقب الجهات التي تقف خلف الشركة، بعدما أُدين مديرها السابق بالمساعدة على الاحتيال.

برمجيات إسرائيلية لصناعة الأرباح الوهمية

لم تكن الحيلة مجرد مكالمة من مستشار مالي مزيف. فقد جمعت إعلانات الإنترنت ومراكز اتصال في أوروبا الشرقية وبرمجيات تمنح الخديعة مظهر الاستثمار الاحترافي. وكان المستثمر يدخل إلى حسابه، يتابع الرسوم البيانية، ويرى رصيده يتضخم، من دون أن يعرف أن الأرقام قابلة للتعديل بإرادة أشخاص يعملون خلف الشاشة.

لم تكن الحيلة مجرد مكالمة من مستشار مالي مزيف. فقد جمعت إعلانات الإنترنت ومراكز اتصال في أوروبا الشرقية وبرمجيات تمنح الخديعة مظهر الاستثمار الاحترافي

ويبيّن تحقيق «دير شبيغل»، المنجز بالتعاون مع تسع وسائل إعلام دولية ضمن مشروع «FakeTrade» الذي نسقته شبكة التعاون الاستقصائي الأوروبية، أن برامج الشركة الإسرائيلية أتاحت التحكم بالنتائج المعروضة، وتقسيم العملاء إلى مجموعات تُظهر حساباتها أرباحاً أو خسائر وفق رغبة المشغّلين.

وبعض أدوات التلاعب احتاج إلى تدخل من «إيرسوفت» نفسها لتفعيلها. كما كشفت المراسلات طلبات صريحة من مستخدمين للاستفسار عن كيفية تعديل نتائج الصفقات، وردوداً من الدعم الفني ترشدهم إلى الوظائف المناسبة. وقدمت الشركة أيضاً خدمات إنشاء مواقع للمنصات، ما جعل دورها يتجاوز بيع برنامج ثم الانفصال عما يحدث داخله.

وتشير المادة إلى أن تحذيرات وصلت إلى بن حمو بشأن منصات تستخدم برامجه في الاحتيال. وأُغلقت مواقع، لكن جرى توفير بدائل بأسماء جديدة، بما يسمح باستمرار النشاط خلف واجهة مختلفة. وهكذا، كان تغيير الاسم كافياً لمنح الخديعة فرصة أخرى لاستقبال ضحايا جدد.

443 منصة وملف قضائي محدود

وأدار بن حمو الشركة بين عامي 2015 و2021، وتعاملت خلال تلك الفترة مع 443 منصة. غير أن الملف القضائي الألماني تناول 24 منصة فقط، ولا يعني إجمالي عدد العملاء ثبوت الاحتيال على جميع المنصات التي استخدمت برامج الشركة.

وامتدت قائمة الضحايا في ألمانيا وإيداعاتهم إلى 71 صفحة من لائحة الاتهام. وتقتصر هذه الحصيلة على الحالات التي شملتها التحقيقات، والأشخاص الذين تقدموا ببلاغات.

وكانت الشركة تحصل عادة على نسبة تتراوح بين خمسة وثمانية في المئة من الأموال المودعة لدى المنصات، بحسب التحقيق، ما أتاح لها معرفة حجم المبالغ التي تتدفق إلى عملائها.

ومن بين المتضررين رجل الأعمال الألماني لارس كيسيبوم، الذي خسر نحو 290 ألف يورو بعدما أودع أمواله في منصة «فيبونتيكس». وبدأ بنحو عشرة آلاف يورو، ثم زاد تحويلاته بعدما تابع أرباحاً متصاعدة في حسابه الإلكتروني.

ولم يكتشف كيسيبوم الاحتيال إلا بعد اتصال من الشرطة أبلغه بأن اسمه ظهر ضمن ضحايا الشبكة. وكان الشخص الذي يتواصل معه يقدم نفسه باسم «كارل هاينتس»، بينما كان يعمل من مركز اتصال في العاصمة البلغارية صوفيا.

وعندما يطلب العملاء سحب أموالهم، كان المحتالون يلجأوون إلى إظهار خسائر تمحو الأرصدة، أو يطالبون برسوم إضافية بزعم أنها ضرورية لصرف الأرباح، قبل قطع الاتصال بالضحية.

تساؤلات بشأن تحرك السلطات الإسرائيلية

ونقلت «دير شبيغل» عن محامي بن حمو، فيليكس دور، تقديره أن السلطات الإسرائيلية ربما تركت هذه الأنشطة تستمر طويلاً، في ظل الأهمية الوطنية لصناعة البرمجيات، وحرص العصابات، بحسب روايته، على تجنب استهداف أشخاص داخل إسرائيل. وهذا تقدير للمحامي، وليس نتيجة قضائية تثبت حماية السلطات للشبكة.

محامي بن حمو: ربما تركت السلطات الإسرائيلية هذه الأنشطة تستمر طويلاً، في ظل الأهمية الوطنية لصناعة البرمجيات، وحرص العصابات، على تجنب استهداف أشخاص داخل إسرائيل

وقال الضحية الكندي ترافيس ب.، الذي خسر أكثر من 24 ألف دولار، إنه تواصل مع الجهة الرقابية الإسرائيلية بشأن الشركة منذ أيار/مايو 2017، ضمن جهود لتعقب الجهات المسؤولة عن خسارته.

وفي أيلول/سبتمبر 2023، نفذت الشرطة الإسرائيلية مداهمات لمقار ومنازل مرتبطة بالقضية، في إطار تحقيقات قادها الادعاء الألماني في بامبرغ. وأسفرت العملية عن ستة توقيفات، بينهم بن حمو، الذي لم يبق طويلاً رهن الاحتجاز آنذاك.

وتعثرت متابعة القضية بعد أحداث تشرين الأول/أكتوبر 2023، قبل أن يُوقف بن حمو أثناء توقفه في باريس في أيلول/سبتمبر 2024، استناداً إلى مذكرة توقيف أوروبية، ما أتاح تقديمه للمحاكمة في ألمانيا.

اعتراف وتعويضات وملاحقات

وبعد 15 يوماً من جلسات المحاكمة، أقر بن حمو بأنه أصبح على علم باستخدام البرامج لاستدراج العملاء بأرباح وهمية، لكنه استمر في تشغيل الشركة. وجاء اعترافه ضمن تفاهم قضائي، ودفع 1.2 مليون يورو للمتضررين، وقدم للمحققين معلومات عن أشخاص وعلاقات داخل الشبكة.

وكان الادعاء قد سعى إلى إدانته بالاحتيال المنظم ضمن عصابة وبصورة احترافية، لكن المحكمة انتهت إلى إدانته بالمساعدة على الاحتيال. وأثار الحكم بالسجن أربع سنوات استياء ضحايا توقعوا عقوبة أشد بالنظر إلى حجم خسائرهم. فيما تتواصل الملاحقة بحق روني حجاج، أحد ممولي «إيرسوفت»، المحتجز في المغرب بانتظار تسليمه. ولم يرد هو وأفراد من عائلته على أسئلة فريق التحقيق بشأن الاتهامات، فيما لا يزال من غير المحسوم لدى المحققين ما إذا كانت الإجراءات قد أنهت نشاط الشركة في إسرائيل.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *