من أعماق البحر إلى ترميم البيوت… صيادو غزة ينتشلون الأسمنت من بقايا باخرة غارقة منذ سنوات



إسماعيل عبدالهادي

في مشهد يعكس قسوة الحياة في قطاع غزة، يتجه صيادون فلسطينيون قبالة سواحل مخيم الشاطئ غرب مدينة غزة إلى باخرة متهالكة غرقت منذ سنوات، بحثا عن بقايا الأسمنت العالق في جوفها، في محاولة لتحويل ما تركه الزمن في أعماق البحر إلى مادة تساعدهم على إصلاح منازلهم المتضررة.
ولم تعد رحلة الصيادين إلى البحر مقتصرة على البحث عن الأسماك وتأمين لقمة العيش، بل باتت تحمل أبعادا جديدة فرضتها ظروف الحرب والحصار ونقص مواد البناء، إذ أصبح البحر رغم مخاطره، مساحة للبحث عن كل ما يمكن الاستفادة منه، في مواجهة واقع معيشي بالغ الصعوبة.
وعلى مقربة من شاطئ مخيم الشاطئ، تبدو الباخرة الغارقة «ساتيا» منذ خمسين عاما، شاهدة على سنوات من التحولات التي شهدها الساحل الغزي، بعدما استقرت في قاع البحر، وتآكلت أجزاء منها بفعل المياه والوقت، فيما بقيت بقايا من حمولتها محط اهتمام صيادين، يحاولون استخراج ما يمكن انتشاله من الأسمنت، واستخدامه في ترميم مساكنهم المتضررة.
وتتجاوز الحاجة إلى الأسمنت في غزة أعمال البناء الجديدة، لتشمل إصلاحات أساسية تتعلق بسلامة المساكن وإمكانية استخدامها، فالكثير من العائلات لا تطمح في الوقت الراهن إلى بناء منزل جديد، بقدر ما تسعى إلى إصلاح غرفة أو تدعيم جدار أو إغلاق فتحة تركها القصف، بما يوفر الحد الأدنى من الحماية والخصوصية.
وتحت وطأة هذه الظروف، اضطر بعض الصيادين إلى البحث عن مصادر أخرى للاستفادة من خبراتهم البحرية، أو استغلال ما يتاح لهم من إمكانات للبقاء على قيد الحياة، ولم يعد البحر بالنسبة إليهم مجرد مساحة للصيد، بل أصبح مكانا تتقاطع فيه محاولات كسب الرزق، مع البحث عن موارد تساعدهم على مواجهة الأضرار التي خلفتها الحرب.
وحول الباخرة المتهالكة، يتجمع عشرات الغواصين يعملون كخلية نحل على تفتيت الأسمنت، لتسهيل انتشاله على قوارب بدائية بعضها من بقايا الثلاجات المتهالكة، حيث يستخرج الصيادون كميات وفيرة من قطع الأسمنت وتجميعها لبيعها إلى تجار مختصين.
يقول الصياد حسين محمد «كنا على علم مسبق بوجود أطنان من الأسمنت داخل قاع الباخرة، لكن وفرة الأسمنت قبل الحرب، لم تدفعنا إلى التفكير باستخراج هذا الأسمنت الذي مضى عليه سنين طويلة وأصبح كتل صلبة».
ويشير في حديثه لـ«القدس العربي» إلى أنه ترك مهنة صيد الأسماك مؤقتا، ولجأ إلى استخراج الأسمنت في ظل الطلب الواسع عليه من قبل التجار والمواطنين، ممن يبحثون عن مواد لتصليح بيوتهم خاصة قبل حلول فصل الشتاء.
وبين أنه يخرج يوميا قرابة طن من حجارة الأسمنت، وذلك بعد رحلة غطس شاقة تحت الماء، باستخدام مطرقة حديدية يتم من خلالها تفتيت الكتل لتسهيل انتشالها، حيث يواجه الصياد صعوبات خلال عمله، أبرزها عدم توفر مركب لنقل الأسمنت، فبات يستخدم قطعة من ثلاجة متهالكة، ينقل عليها القطع إلى شاطئ البحر.
ويضيف بعد تجميع أكوام من قطع الأسمنت، يتم بيعها بالوزن إلى التجار، حيث يباع الكيلو غرام الواحد من هذا الأسمنت بـ 3 شواقل أي ما يعادل دولارا واحدا، ويقوم التجار بطحن القطع وبيعها للمواطنين.
يقول نقيب الصيادين نزار عياش، يحاول بعض الصيادين الاستفادة من الموارد المتاحة حولهم، حتى وإن كانت بقايا مواد عالقة في باخرة غارقة منذ سنوات، فالأسمنت الذي كان جزءا من حمولة سفينة انتهى به المطاف إلى قاع البحر، قد يتحول بالنسبة إليهم إلى فرصة نادرة للمساهمة في إصلاح جدران متصدعة، أو ترميم أجزاء من منازل لم تعد صالحة للسكن كما كانت قبل الحرب.
وأشار في حديثه لـ«القدس العربي» إلى أن محاولة انتشال الأسمنت من الباخرة الغارقة، تعتبر صورة من صور التدبير القسري الذي يلجأ إليه الغزيون في مواجهة نقص الإمكانات، فبدلا من شراء مواد البناء من الأسواق، يحاول الصيادون الوصول إلى ما تبقى من الحمولة والاستفادة منه، في مشهد تختلط فيه خبرتهم البحرية بحاجتهم الملحة إلى ترميم مساكنهم.
وأضاف لا تعكس هذه المحاولة مجرد البحث عن مادة للبناء، بل تكشف حجم التحولات التي طرأت على حياة السكان، إذ باتت أعمال الترميم تبدأ أحيانا من البحر، بدلا من أسواق مواد البناء، التي تعاني من شح الإمدادات وارتفاع الأسعار.
وبين مخاطر العمل في البحر والحاجة إلى توفير مواد الترميم، تجعل الصيادين أنفسهم أمام معادلة صعبة، الاستمرار في البحث عن وسائل للعيش، ومحاولة توفير ما يساعد أسرهم ومحيطهم على تجاوز جانب من آثار الدمار.
بدوره يقول المهندس المعماري محمد مصطفى قد لا يكون هذا الأسمنت فعالا بالشكل المطلوب لأعمال الإنشاء والبناء، لفقدانه نسبة كبيرة من الخواص الأصلية، بعد تعرضه للمياه ومرور سنوات طويلة عليه، لكن يفيد السكان في محاولة ترميم بعض التصدعات، إلى جانب الفراغات التي تدخل القوارض والحشرات على منازل المواطنين.
وأضاف في حديثه لـ«القدس العربي»: أن منع الاحتلال إدخال الأسمنت إلى غزة، ضاعف من معاناة المواطنين، لذلك يلجأ الغزيون إلى استخدام بدائل من الطين وبعض التركيبات الأخرى التي من شأنها تلبية احتياجات المواطنين.
وبين أن أزمة مواد البناء تطيل معاناة النازحين، لكن شح مواد البناء وصعوبة إدخالها إلى القطاع، يجعلان هذه الإصلاحات مكلفة وشاقة، ولا سيما بالنسبة إلى الأسر التي فقدت مصادر دخلها، أو أنفقت ما لديها من مدخرات خلال النزوح المتكرر.
وتركت الحرب على غزة وراءها منازل مدمرة وعائلات أنهكها النزوح، ولم يعد ترميم البيت مجرد عمل إنشائي، بل أصبح خطوة نحو استعادة شيء من الاستقرار والحياة، وقد تبدأ هذه الخطوة، بالنسبة إلى بعض الصيادين من بقايا إسمنت ترقد منذ سنوات في أعماق البحر، في انتظار من ينتشلها ويمنحها فرصة جديدة، لتصبح جزءا من جدار يحمي عائلة من قسوة الواقع.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *