من أسطورة القوافل إلى أيقونة التراث المهدّد



عبد الله مولود

نواكشوط ـ «القدس العربي»: بين كثبان الصحراء الكبرى وعلى ضفاف نهر النيجر، تنهض تمبكتو كواحدة من أكثر المدن إثارة للخيال في تاريخ أفريقيا والعالم الإسلامي؛ مدينة حملت لقب أرض الـ333 ولياً، وعبرت قروناً من التجارة والقوافل والعلوم والتصوف، قبل أن تتحول في زمننا الراهن إلى أيقونة لتراث مهدّد ومحاولة يائسة لحماية الذاكرة من نيران التطرف وسيف الإهمال.
من أسطورة بعيدة في مخيلة الرحّالة الأوروبيين والعرب إلى ملف ساخن على طاولة اليونسكو والمنظمات الثقافية؛ تعود تمبكتو اليوم إلى صدارة الأخبار بوصفها سؤالاً مفتوحاً عن قدرة العالم على إنقاذ ما تبقّى من إرث الحضارة وملتقى الثقافات عبر العصور.
تقع هذه المدينة في شمال مالي، عند تخوم الصحراء الكبرى وبالقرب من نهر النيجر، لكنها تتجاوز جغرافيتها الضيقة لتصبح رمزاً لذاكرة طويلة من العلم والتصوف والتجارة والتعايش؛ كان اسمها وحده، لسنوات طويلة، مرادفاً للبعد والغموض، حتى صار يقال في العامية العربية «رايح لتمبكتو» للدلالة على المكان البعيد الذي لا يُطال، بينما هي في الحقيقة نقطة التقاء لطرق وقصص وحضارات.
نشأت تمبكتو في القرن الثاني عشر الميلادي تقريباً، كمحطة صغيرة على طريق القوافل التي تقطع الصحراء بين الشمال والجنوب؛ واختارها الطوارق بداية كمخيم موسمي، ثم فرض موقعها نفسه على خريطة التجارة الصحراوية، بما أنها تشرف على مسالك متعددة تؤدي إلى مراكش وطرابلس والقاهرة من جهة، وإلى ممالك الذهب في أعماق أفريقيا من جهة أخرى.
ومع مرور الزمن، تحوّل المخيم إلى بلدة، ثم إلى مدينة تنبض بالحياة، يتلاقى فيها ملح «تغازة» القادم من الشمال مع ذهب بوركينا وفوتا وجينيه، ويتقاطع فيها التجار العرب والبربر مع قبائل السونغاي والفولاني وسكان الساحل الأفريقي.
ولم تكن هذه الحركة التجارية مجرد تبادل للسلع، بل رافقها عبور للأفكار والكتب واللغات، وصارت السوق بوابةً إلى عالم واسع، لا مجرد فضاء للبيع والشراء.
وبلغت تمبكتو ذروة مجدها في ظل إمبراطورية مالي، خصوصاً في عهد منسا موسى في القرن الرابع عشر؛ ذلك الإمبراطور، الذي ما يزال اسمه حاضراً في كتب التاريخ بسبب رحلته الشهيرة إلى الحج وما أحاط بها من حكايات عن الذهب والكرم، أولى تمبكتو عناية خاصة، فشجّع بناء المساجد واستقطاب العلماء، ورسّخ صورتها كحاضرة للعلم والتجارة معاً.
ثم جاء عهد إمبراطورية سونغاي في القرنين الخامس عشر والسادس عشر ليضاعف من هذا الحضور، فتحولت المدينة إلى عاصمة فكرية لفضاء واسع يمتد من شواطئ الأطلسي إلى ضفاف النيجر، وصارت حلقات الدرس فيها تقارن بما كان يجري في الأزهر والقرويين والقيروان.
في قلب هذه المدينة بزغت ملامح هوية فريدة، تتجاور فيها العمامة الفقهية مع السبحة الصوفية، ويتقاطع العقل التجاري مع النزوع الروحي.
و من هنا جاء لقب «مدينة 333 ولياً»، وهو تعبير رمزي قبل أن يكون إحصاءً دقيقاً؛ فهذا الرقم في المخيال الشعبي يدل على الكثرة والبركة، وعلى حضور العشرات بل المئات من العلماء والمتصوفة الذين عاشوا في تمبكتو أو مرّوا بها أو دفنوا في ترابها. أضرحتهم، المنتشرة في أزقة المدينة وحولها، ليست مجرد قبور، بل محطات في ذاكرة جماعية تستدعي سير الزهاد والفقهاء والقضاة الذين لعبوا أدواراً حاسمة في حياة الناس، حكماً وفتوى ووساطة وإصلاحاً.
وهكذا تبلورت صيغة خاصة من التدين، يمزج الإسلام المالكي بعمق أفريقي وروح صوفية، جعلت المدينة فضاءً للزيارة والذكر والاحتفال بالمواسم الدينية والمحلية.
ولم تكن تمبكتو مدينة للأولياء فحسب، بل كانت أيضاً واحدة من أهم عواصم المخطوط في العالم الإسلامي؛ فالمكتبات العائلية التي توارثتها الأسر جيلاً بعد جيل، ما تزال تحتفظ بآلاف النصوص المكتوبة بالعربية وفي بعض الأحيان بلغات أفريقية بحروف عربية.
وتغطي هذه المخطوطات مجالات واسعة، من الفقه والحديث والتفسير، إلى النحو والبلاغة والشعر، مروراً بالحساب والفلك والطب التقليدي والقانون والعقود التجارية. ومن خلال هذا التراث الورقي يتضح أن غرب أفريقيا لم يكن هامشاً خاملاً كما حاولت بعض السرديات الاستعمارية أن تصوّره، بل كان مشاركاً فاعلاً في إنتاج المعرفة، يكتب ويناقش ويجادل ويؤلف، ويوثّق يوميات مجتمع كامل بلغة العلم والدين.
ومن بين أسماء العلماء الذين حملوا اسم تمبكتو إلى آفاق بعيدة يبرز أحمد بابا التنبكتي، الفقيه والمؤرخ الذي عاش في القرن السادس عشر، وكتب في الفقه والتراجم والتاريخ، ووجد نفسه في قلب عاصفة سياسية عندما تعرّضت المدينة للغزو المغربي سنة 1591.
ونقل أحمد بابا إلى مراكش، وصودرت أجزاء من مكتبته الكبيرة، في مشهد يجمع بين السياسة والثقافة، ويكشف إلى أي حد كانت السيطرة على تمبكتو تعني السيطرة على مركز نفوذ رمزي ومعرفي، لا مجرد مدينة على ضفة نهر.
وفي المشهد العمراني، تبدو تمبكتو مدينة طينية، لكنها تحمل في بساطة موادها عمقاً هندسياً وذاكرة متصلة بالأرض؛ فالمساجد الثلاثة الكبرى، جينغاريبير وسانكوري وسيدي يحيى، شواهد حية على فن بناء متكيّف مع الصحراء، يعتمد الطين المجفف والأخشاب المحلية، ويعطي للفراغات الداخلية القدرة على مقاومة الحرّ والتقلبات المناخية.
ولا تصان هذه المباني المدرجة على لائحة التراث العالمي لليونسكو، بأموال المنظمات الدولية فقط، بل بأيدي سكان المدينة الذين يشاركون في أعمال الترميم الدورية، في ما يشبه طقساً جماعياً يجمع بين العمل والاحتفال، فتتحوّل الصيانة إلى فعل رمزي يعيد ربط المجتمع بجدرانه وتاريخه.
غير أنّ هذا الإرث لم يكن في منأى عن عواصف العصر؛ ففي عام 2012 عاشت تمبكتو واحدة من أشد محنها الحديثة، عندما سيطرت عليها جماعات متطرفة مسلّحة.
ولم يستهدف الهجوم الموقع الاستراتيجي فقط، بل استهدف فكرة المدينة نفسها: نموذج التدين الصوفي، واحترام الأضرحة، والاحتفاء بالمخطوط، وكل ما يرمز إلى تسامح وتراكب في الطبقات الدينية والثقافية.
وتحوّلت الأضرحة إلى أهداف للتخريب، واعتبرها المسلّحون «بدعاً»، فهدموا بعضها وأهانوا رمزية الأولياء في مخيال السكان.
وفي الوقت نفسه، أصبح التراث المكتوب في خطر مباشر، إذ باتت المخطوطات مهددة بالحرق والنهب والضياع.
وأمام هذا الخطر، تحرك أهل تمبكتو وعاملون في مجال التراث في سباق مع الزمن، فنُقلت آلاف الوثائق سراً في صناديق خشبية وأكياس حبوب، ورُحّلت عبر النهر أو على طرق ترابية إلى مناطق أكثر أمناً في الجنوب.
وكانت تلك واحدة من أجرأ عمليات إنقاذ التراث في التاريخ الحديث، وقد سارعت اليونسكو وشركاء دوليون إلى دعمها لاحقاً، ثم إلى المساهمة في إعادة بناء عدد من الأضرحة المهدمة، في رسالة مفادها أن ما تهدمه الحرب يمكن لليد البشرية أن تعيده، وأن الذاكرة أقوى من الرصاص.
ورغم هذا كله، ليست تمبكتو اليوم مجرد صفحة من الماضي؛ فالمدينة تعيش تناقضاً لافتاً؛ فهي من جهة تعاني العزلة الجغرافية والهشاشة الأمنية وتراجع السياحة وضغوط التغير المناخي والتصحر على محيطها الزراعي والرعوي، ومن جهة أخرى تحضر بقوة في الخطاب الثقافي العالمي بوصفها رمزاً للتراث المهدّد وذاكرة العلم في أفريقيا المسلمة.
وبين هذين الحدّين تتأرجح حياة سكانها اليومية، بين التمسك بالتقاليد واستقبال التحديات، وبين الحاجة إلى التنمية والحد الأدنى من الاستقرار، والتشبث بصورة المدينة التي تدرَّس اليوم في الجامعات كمثال فريد على ازدهار المعرفة في قلب الصحراء.
وليست تمبكتو، أرض 333 ولياً، أسطورة مكتملة ولا حكاية منتهية، فهي نص مفتوح يكتبه أهلها كل يوم، بين جدار من الطين يُرمَّم، ومخطوطة تُنقَّى من غبار السنين، وزائر يقصد مسجداً عتيقاً ليقرأ في مئذنته تاريخ عالمٍ كان، وربما يمكن أن يكون من جديد، إذا أُعطيت للمدينة فرصة عادلة لتعيش بعيداً عن فوهات البنادق وتحت ضوء المعرفة التي صنعت مجدها الأول.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *