الناصرة- “القدس العربي”: “الشمس تشرق، السماء زرقاء، وسلاح الجو الإسرائيلي يواصل قتل الأطفال في غزة على أساس يومي”. هذا ما يؤكده تحقيق تنشره صحيفة “هآرتس” العبرية في ملحقها الأسبوعي اليوم الجمعة.
ويستذكر التحقيق أن البيوت في غزة مهدمة، ويعيش 1.7 مليون نسمة في الخيام بلا ماء وكهرباء وشبكة صرف صحي، وسط تفشي المكاره الصحية والأمراض المعدية، وعشرات الآلاف يتجولون مع جرح مفتوح. كما يقول إن الشمس كاوية، والحرارة داخل الخيام غير محتملة، وفوق كل ذلك يستمر سلاح الجو الإسرائيلي بقتل الأطفال، منوها إلى أن 274 ولدا قتلوا منذ وقف النار في أكتوبر الماضي، أي أن إسرائيل تقتل ولدا فلسطينيا في غزة كل يوم.
وتذكر الصحيفة العبرية بأن قوات الاحتلال قتلت منذ بدء الحرب على غزة أكثر من 21 ألف طفل، أغلبيتهم العظمى قتلوا بقنابل ألقتها طائرات ومسيرات، فيما قتل بعضهم برصاص قناصة أو جراء انهيار مبان أو من الشظايا، ومات قسم منهم متأثرين بجراح لم تتمكن المرافق الصحية المتبقية من تقديم المساعدة لهم.
البيوت في غزة مهدمة، ويعيش 1.7 مليون نسمة في الخيام بلا ماء وكهرباء وشبكة صرف صحي، وسط تفشي المكاره الصحية والأمراض المعدية
وتتابع “هآرتس” في هذا المضمار: “كما مات قسم من الأولاد جراء الجوع والمرض، لكنهم غير مشمولين في قائمة الأولاد القتلى هنا”.
وتقول الصحيفة إن الولد الأخير الذي قتل حتى كتابة هذه السطور هو معتز أبو شعر، ابن العشر سنوات، الذي كان والده وشقيقه قد قتلا قبل نصف عام.
وعن مقتل أبو شعر تضيف: “كان الطفل معتز يوم الإثنين يجلس داخل خيمة في منطقة المواصي عندما طاله رصاص إسرائيلي. قبل هذه الجريمة بيوم واحد قتلت الطفلة تالا أبو مطر، ابنة التاسعة، وقد نشرت صورتها وهي تبتسم مرتدية قميصا رسم عليه أرنب وأزهار، وإلى جانب صورتها هذه كان جثمانها ممددا داخل كيس، فيما بدا أحد أقاربها يلاطف وجهها المحتقن”.
أطفال غزة تحت حصار المرض
وتنشر مؤسسة الدراسات الفلسطينية اليوم تحقيقا في هذا المضمار تحت عنوان “أطفال غزة تحت الحصار”، افتتحته بالقول: “داخل خيمة مهترئة بمدينة دير البلح وسط قطاع غزة، يستيقظ الطفل اليتيم “ع. م” على حكة لا تفارقه منذ أسابيع، فيمرر أصابعه الصغيرة فوق البثور الحمراء المنتشرة على جسده في محاولة منه لتخفيف حرقتها، بينما تراقبه جدته بعينين مثقلتين بالعجز؛ إذ لم يعد همها مقتصرا على توفير الطعام أو حماية أحفادها من خطر النزوح فقط، بل أيضا باتت تخوض معركة يومية مع الأمراض التي تزحف بين الخيام وتطارد أجساد الأطفال”.
وتتكفل الجدة البالغة من العمر 60 عاما برعاية حفيدها “ع. م” وعشرة أطفال آخرين من أحفادها الأيتام، بعد أن فقدت خلال الحرب ثلاثة من أبنائها وزوجاتهم في مجازر متنوعة ارتكبها جيش الاحتلال خلال رحلة نزوحهم الطويلة.
ويذكر تقرير مؤسسة الدراسات الفلسطينية أن هذه الرعاية تتم في مساحة ضيقة تفتقر إلى أدنى مقومات النظافة والسلامة البيئية، بحيث لا يتوفر فيها الحد الأدنى من شروط الحياة الصحية. وبين حرارة الصيف الخانقة، وشح المياه، والاكتظاظ الشديد في مخيم النزوح، تتسع دائرة الإصابات الجلدية والأمراض المعدية بين الأطفال، في وقت تعجز فيه العائلات عن تأمين العلاج أو حتى اتباع سبل الوقاية.
مع استمرار النزوح وتراجع الخدمات الأساسية، تحولت الخيام داخل قطاع غزة إلى بيئة خصبة لانتشار الأمراض والأوبئة، لتضيف إلى معاناة الأطفال طبقة جديدة من الألم تتجاوز آثار الحرب المباشرة
وتضيف: “ليست هذه القصة استثناء في مخيمات النزوح المنتشرة في قطاع غزة، إنما تمثل نموذجا لواقع يعيشه آلاف الأطفال الذين وجدوا أنفسهم محاصرين بين فقدان ذويهم من جهة، وتدهور الأوضاع الصحية التي يعيشون فيها من جهة أخرى. فمع استمرار النزوح وتراجع الخدمات الأساسية، تحولت الخيام داخل قطاع غزة إلى بيئة خصبة لانتشار الأمراض والأوبئة، لتضيف إلى معاناة الأطفال طبقة جديدة من الألم تتجاوز آثار الحرب المباشرة”.
أوضاع كارثية
وحسب تحقيق “المؤسسة” بقلم فاطمة بشير، لا تعكس إصابة الطفل “ع. م” واقعا فرديا بقدر ما تكشف جانبا من أزمة صحية متفاقمة داخل مخيمات النزوح في قطاع غزة، فقد تحولت الخيام المكتظة إلى بيئة مؤاتية لانتشار الأمراض المعدية بين الأطفال.
وتنوه إلى أن التقارير الحديثة لوكالة الغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) تشير إلى استمرار ارتفاع معدلات الإصابة بالأمراض الجلدية والطفيليات الخارجية، وعلى رأسها الجرب، إلى جانب تزايد حالات الجدري المائي والإسهال المائي الحاد بين الأطفال والبالغين على حد سواء.
ويتقاطع تحقيق “المؤسسة” مع تقرير “هآرتس”: “لا تبدو هذه الأمراض منفصلة عن البيئة التي نشأت فيها، فبحسب تقييمات أممية شملت أكثر من 1600 موقع نزوح في قطاع غزة، سجلت أكبر حالة انتشار كثيف للقوارض والحشرات في نحو 80% من مواقع النزوح، بينما ظهرت الأمراض الجلدية المعدية في 48% من تلك المواقع، ويربط مختصون بين هذا الواقع وتراكم النفايات في أماكن سكن المواطنين داخل القطاع، بالإضافة إلى تجمع المياه العادمة وصعوبة تنفيذ عمليات المكافحة البيئية في ظل نقص المواد اللازمة لذلك”.
وتزداد خطورة المشهد الصحي مع استمرار تراجع المقومات الأساسية للحياة داخل مخيمات النزوح، فقد حذرت الأونروا من أن أنظمة إنتاج المياه وضخها، بالإضافة إلى خدمات إدارة مياه الصرف الصحي وجمع النفايات، تواجه خطر التعطل بسبب النقص الحاد في الوقود وقطع الغيار، الأمر الذي يهدد بتفاقم المخاطر الصحية وانتشار مزيد من الأمراض المعدية بين النازحين، وخصوصا الأطفال الذين يشكلون الفئة الأكثر هشاشة في المجتمع.
وتضيف “المؤسسة” محذرة: “في ظل هذه الأوضاع، أكدت وزارة الصحة الفلسطينية أن الخيام في غزة لم تعد مأوى مؤقتا للنازحين، بل تحولت إلى فضاءات تتقاطع فيها عوامل المرض كافة، من الاكتظاظ وضعف الخدمات الصحية، إلى تلوث البيئة المحيطة وسوء التغذية، وهو ما يجعل آلاف الأطفال في قطاع غزة عرضة لدائرة متواصلة من العدوى والمعاناة الصحية التي يصعب كسرها في غياب تدخلات إنسانية وصحية عاجلة”.
تحديات صعبة
وتؤكد مؤسسة الدراسات الفلسطينية أن هذا الانتشار المتزايد للجدري المائي والجرب بين الأطفال النازحين يعكس حجم التدهور الصحي والبيئي الذي تعيشه مراكز الإيواء وخيام النزوح داخل قطاع غزة، بحيث تتداخل عوامل الاكتظاظ الحاد، ونقص المياه النظيفة، وتراجع خدمات الصرف الصحي، مع محدودية الرعاية الطبية، لتشكل بيئة مثالية لانتشار الأمراض المعدية.
من جهتها، تؤكد طبيبة طوارئ في مستشفى شهداء الأقصى أنها تستقبل يوميا عشرات الحالات لأطفال يعانون جراء الجدري المائي والجرب، بالإضافة إلى العديد من الأمراض الجلدية حديثة الظهور.