منتدى الأعمال الموريتاني الأمريكي ينطلق في نواكشوط للبحث عن شراكة اقتصادية أوسع



 عبد الله مولود

نواكشوط ـ «القدس العربي»: تملك موريتانيا موارد يبحث عنها المستثمرون الأمريكيون، لكنها تبحث بدورها عن شراكات تمنح هذه الموارد قيمة أكبر داخل اقتصادها، وبين هذين الطموحين، تتواصل في نواكشوط أعمال المنتدى الاقتصادي الموريتاني الأمريكي، وسط تطلع إلى تحويل التواصل بين رجال الأعمال إلى مشاريع إنتاجية ووظائف، وتوسيع علاقة تجارية ما تزال تميل بوضوح لصالح الصادرات الأمريكية.
وتكشف بيانات مكتب الممثل التجاري الأمريكي حجم هذا التفاوت، إذ بلغت صادرات الولايات المتحدة من السلع إلى موريتانيا 167.1 مليون دولار خلال عام 2025، مقابل واردات منها بقيمة 6.5 ملايين دولار فقط، أما إجمالي المبادلات من السلع والخدمات فبلغ نحو 240.6 مليون دولار، بزيادة 26.5 في المئة عن العام السابق، بما يؤكد نمو العلاقة الاقتصادية، ويبرز في الوقت نفسه حاجة موريتانيا إلى تعزيز موقعها بوصفها منتجة ومصدرة.
وأطلق وزير الشؤون الاقتصادية والتنمية، الدكتور عبد الله ولد سليمان ولد الشيخ سيديا، أعمال المنتدى المنظم بالتعاون بين الاتحاد الوطني لأرباب العمل الموريتانيين ومجلس الأعمال الموريتاني الأمريكي ومجموعة «واشنطن إنسايت»، بمشاركة وفد من رجال الأعمال وممثلي الشركات والمؤسسات الاقتصادية الأمريكية.
وتغطي أجندة اللقاء قطاعات الطاقة والتعدين والزراعة والصيد والصناعات الغذائية والبنية التحتية والنقل والخدمات اللوجستية، إلى جانب التحول الرقمي والاتصالات والصحة والتعليم والخدمات المالية، ويعكس هذا التنوع رغبة في توسيع الشراكة إلى مجالات تتجاوز استغلال الموارد الطبيعية، لتشمل الخدمات والتكنولوجيا وتطوير القدرات الإنتاجية.
وفي كلمة افتتاحية، اعتبر وزير الشؤون الاقتصادية الموريتاني أن البعثة تمثل محطة بارزة في العلاقات بين الولايات المتحدة وموريتانيا، وتتيح للمستثمرين الاطلاع ميدانيًا على التحولات الاقتصادية والتواصل مباشرة مع صناع القرار والشركاء الموريتانيين.
وربط الوزير تنظيم المنتدى بتوجه الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني نحو تعزيز الشراكات الدولية، مذكّرًا بمشاركته العام الماضي في اجتماع بالبيت الأبيض مع الرئيس الأمريكي وأربعة قادة أفارقة، خُصص لبحث التعاون مع القارة.
وعرض الوزير الإصلاحات التي تنفذها حكومة المختار ولد اجاي لتحسين مناخ الأعمال وتعزيز الأمن القانوني للاستثمار، مشيرًا إلى قانون الاستثمار، والإطار المنظم للشراكة بين القطاعين العام والخاص، ودور وكالة ترقية الاستثمارات، كما شدد على أهمية الأمن والاستقرار في طمأنة المستثمر على نفسه وممتلكاته.
غير أن أبرز ما حملته مداخلته كان تحديد طبيعة الاستثمار المطلوب: تحويل الموارد إلى قيمة مضافة محلية، عبر الصناعات التحويلية وسلاسل القيمة ونقل المعرفة وتأهيل الكفاءات الوطنية.
ويضع هذا التوجه معيارًا لتقييم الشراكات المقبلة، وهو قياسه بمقدار ما تضيفه الشراكات إلى الإنتاج والمهارات والتشغيل داخل البلاد.
وفي هذا السياق، رحب الوزير بما وصفه بتمديد الكونغرس الأمريكي، خلال سبتمبر/أيلول الماضي، العمل بقانون النمو والفرص الاقتصادية لإفريقيا «أغوا» حتى 31 ديسمبر/كانون الأول 2028، لفائدة 32 دولة من بينها موريتانيا، معتبرًا أنه يوسع فرص وصول صادراتها إلى السوق الأمريكية معفاة من الرسوم الجمركية.
وكانت واشنطن قد أعادت أهلية موريتانيا للاستفادة من البرنامج اعتبارًا من يناير/كانون الثاني 2024.
وتفتح هذه التسهيلات أفقًا تجاريًا مهمًا، لكن الاستفادة منها تتطلب منتجات قادرة على المنافسة، تستوفي شروط الجودة والمنشأ والمواصفات المطلوبة، ومن ثم، فإن بناء قدرة تصديرية في الصناعات الغذائية والمنتجات البحرية وغيرها يظل جزءًا أساسيًا من معادلة الشراكة.
ومن الجانب الأمريكي، قال أوسكار راهم، النائب الأول للرئيس المكلف بالشؤون الدولية في مجموعة «واشنطن إنسايت»، إن البعثة تمثل بداية مسار جديد للتعاون، مؤكدًا أن الهدف هو تحويل الإمكانات إلى شراكات واستثمارات تخلق الوظائف والنمو. وشدد على أن نجاح العلاقات الاقتصادية الدولية يقوم على الثقة والالتزام طويل الأمد، وأن الشركات المشاركة تسعى إلى اتفاقيات تجارية وشراكات تكنولوجية ومشاريع مشتركة.
بدورها، أكدت القائمة بالأعمال في السفارة الأمريكية، كورينا ساندرز، أن توسيع العلاقات التجارية والاقتصادية مع موريتانيا أولوية للسفارة، مشيرة إلى أن الشركات الأمريكية تقدم، إلى جانب رأس المال، التكنولوجيا والخبرة ومعايير متقدمة في الإدارة والشفافية.
ووصف رئيس اتحاد أرباب العمل، محمد زين العابدين ولد الشيخ أحمد، الوفد الأمريكي بأنه أكبر بعثة تجارية أمريكية تزور موريتانيا من حيث الحجم ومستوى التمثيل، موضحًا أن الزيارة تستكمل اتصالات بدأها وفد موريتاني في واشنطن. وأعلن موافقة السلطات على منح رجال الأعمال الأمريكيين تأشيرات متعددة الدخول تصل صلاحيتها إلى خمس سنوات، لتسهيل متابعة أعمالهم واستثماراتهم.
ويأتي هذا التحرك في وقت أصبحت فيه موريتانيا جزءًا من سوق الغاز الطبيعي المسال العالمية؛ فشركة «كوسموس إنرجي» الأمريكية شريك في مشروع «السلحفاة الكبرى آحميم» المشترك بين موريتانيا والسنغال، الذي أعلن تحميل أول شحنة من الغاز المسال في أبريل/نيسان 2025.
وتوفر هذه التجربة خلفية عملية لتوسيع التعاون في خدمات الطاقة والصيانة والتدريب والتجهيزات.
أما في الزراعة والمعادن والاقتصاد الرقمي، فإن الفرص المحتملة تشمل تحسين الإنتاج والري والتخزين والتصنيع، ورفع كفاءة العمليات الصناعية وتطوير الخدمات؛ وتظل هذه مجالات مطروحة للاستكشاف، ويتوقف انتقالها إلى مشاريع على دراسات الجدوى والتمويل والاتفاقات التنفيذية.
وأكد المدير العام للوكالة الموريتانية لترقية الاستثمارات، التاه أحمد مولود، أن موقع موريتانيا الأطلسي وقربها من أوروبا واتصالها بخطوط الملاحة يمنحها فرصة لتكون بوابة نحو إفريقيا، لكن ترجمة هذه الميزة الجغرافية إلى نشاط اقتصادي تتطلب بنية تحتية وخدمات نقل وطاقة واتصالات قادرة على دعم المستثمرين.
وتنسجم هذه الحاجة مع تشخيص البنك الدولي، الذي شدد في تقريره عن النمو والوظائف على ضرورة تنويع الاقتصاد، وتطوير المهارات والبنية التحتية وتحسين المنافسة والإطار التنظيمي، مع الإشارة إلى أن المشاركة في القوى العاملة تقل عن 50 في المئة.
ودعا نائب رئيس مجلس الأعمال الموريتاني الأمريكي، سيدي محمد ولد كاعم، إلى بناء شراكات تدمج الخبرات الأمريكية بالكفاءات المحلية؛ فيما أعلن رئيس «واشنطن إنسايت» إسماعيل شيخون، أن مشاركة شركات من كاليفورنيا ويوتا وتكساس ونبراسكا وأركنساس، استهدفت عقد لقاءات مباشرة ومشاريع في الطاقة والزراعة والتحول الرقمي والتجارة الإلكترونية.
وعلى هامش الافتتاح، وقع النائب الأول لرئيس اتحاد أرباب العمل، محمد الأفضل ولد بتاح، وإسماعيل شيخون رئيس «واشنطن إنسايت»، مذكرة تفاهم لتطوير العلاقات بين رجال الأعمال. وهي خطوة أولية مهمة، لكنها لا تكفي وحدها لقياس حجم الاستثمارات المرتقبة، في غياب تفاصيل معلنة عن التمويل والمشاريع والجداول التنفيذية.
وبين التفاؤل الذي عبر عنه المشاركون، يبقى الاختبار في مرحلة المتابعة، فالمنتدى يفتح الأبواب، لكن العقود والتمويل والتشغيل هي التي ستحدد أثره، وإذا نجحت الشراكات في ربط التكنولوجيا الأمريكية بالإنتاج والكفاءات الموريتانية، فقد تصبح هذه الزيارة بداية تحول يمنح موريتانيا نصيبًا أكبر من القيمة التي تولدها مواردها.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *