متابعة/المدى
عند الساعة السادسة من صباح الأربعاء، تحولت ناقلة النفط العملاقة «نيو أندروس» إلى نقطة اشتعال جديدة في المياه الإقليمية العراقية، بعد تعرضها لضربة بطائرة مسيّرة بينما كانت تحمل نحو مليوني برميل من زيت الوقود العراقي.
وأدى الهجوم إلى اندلاع حريق على متن الناقلة التي ترفع علم بنما، قبل أن تتدخل قوارب الإنقاذ العراقية وتنجح في السيطرة على النيران، من دون تسجيل إصابات بين أفراد الطاقم البالغ عددهم 22 شخصاً، وفق معلومات نشرتها منصة «الطاقة» المتخصصة.
ولم يصدر، حتى وقت إعداد التقرير، توضيح رسمي من وزارة النفط العراقية بشأن الأضرار التي لحقت بالشحنة أو الناقلة، كما لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن الهجوم، فيما فتحت الجهات المختصة تحقيقاً لتحديد ملابساته والجهة التي تقف خلفه.
ووقع الاستهداف في منطقة تستخدم لتنفيذ عمليات نقل الشحنات من سفينة إلى أخرى، المعروفة بنظام «STS»، ما دفع فرق الإنقاذ والدوريات البحرية إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لتأمين الموقع وتقييم الأضرار.
ويمنح موقع الهجوم الحادث أهمية تتجاوز سلامة السفينة وطاقمها، إذ وقع داخل المياه الإقليمية العراقية وطال ناقلة محملة بمنتوج نفطي عراقي، وسط اعتماد بغداد بصورة أساسية على الموانئ الجنوبية ومناطق التحميل البحرية لتصدير النفط الخام والمنتجات النفطية.
وتزامن الحادث مع اضطرابات أمنية متصاعدة في شمال الخليج وخليج عُمان، إذ أفادت وكالة عمليات التجارة البحرية البريطانية بتعرض عدد من السفن التجارية لإطلاق نار خلال نشاط عسكري شهدته المنطقة ليلاً.
وقالت الوكالة إنها لم تتمكن من تأكيد وقوع إصابات أو آثار بيئية ناجمة عن الحوادث المبلغ عنها، ما أبقى جانباً من تفاصيلها قيد المتابعة والتحقق.
كما تلقت الوكالة بلاغاً عن واقعة على بعد نحو 24 ميلاً بحرياً من ميناء راشد في الإمارات، بعد رصد سفينة وهي تميل خلال رسوها، وسط احتمال تسرب المياه إليها نتيجة إصابتها بمقذوف لم تحدد طبيعته.
حوادث متكررة في المياه العراقية
لا يمثل استهداف «نيو أندروس» الحادث الأول من نوعه في المياه العراقية خلال العام الجاري، فقد شهد ميناء البصرة في 16 تموز الماضي سقوط طائرة مسيّرة بالقرب من ناقلة نفط ترفع علم ليبيريا.
ولم تنفجر الطائرة آنذاك، كما لم تسفر الواقعة عن إصابات أو أضرار مادية، إلا أن السلطات اتخذت إجراءات احترازية تضمنت إخلاء منطقة التحميل وسحب ناقلتين من الميناء، بالتزامن مع فتح تحقيق لمعرفة مصدر الطائرة.
وفي آذار الماضي، تعرضت ناقلة النفط الخام «سونانغول ناميبي»، التي ترفع علم جزر البهاما، للاستهداف بقارب ملغوم يمكن التحكم فيه عن بُعد قرب ميناء خور الزبير.
ويكشف تكرار هذه الحوادث خلال أشهر قليلة عن انتقال جانب من المخاطر الإقليمية إلى مناطق تحميل وتصدير المنتجات العراقية، الأمر الذي قد يرفع مستويات التأمين على السفن ويزيد كلفة النقل، فضلاً عن احتمال تردد بعض الناقلات في دخول مناطق تشهد تهديدات متكررة.
ولا يقتصر تأثير أي اضطراب في حركة الناقلات على الشركات المالكة للسفن، بل قد يمتد إلى مواعيد تحميل الشحنات وتصديرها ووصول عائداتها، في وقت تمثل فيه الإيرادات النفطية المصدر الرئيس لتمويل الموازنة العراقية.
ناقلة عملاقة وشحنة تقترب من مليوني برميل
تُصنف «نيو أندروس» ضمن ناقلات النفط الخام العملاقة من فئة «VLCC»، ودخلت الخدمة في كانون الأول 2005 بعد بنائها في حوض تابع لشركة كاواساكي بمدينة ساكايدي اليابانية.
وكانت تحمل اسم «أوتواسان» منذ بنائها قبل تغييره إلى «نيو أندروس» عام 2020. ويبلغ طولها نحو 333 متراً وعرضها 60 متراً، فيما تصل حمولتها الساكنة إلى قرابة 302.5 ألف طن، وتبلغ سعة خزاناتها نحو 351.6 ألف متر مكعب.
وتعني طبيعة الناقلة وحجم شحنتها أن الحادث كان يمكن أن يقود إلى خسائر بشرية ومادية وبيئية واسعة لو لم تتم السيطرة على الحريق، ولا سيما أنها كانت تحمل كمية تقترب من مليوني برميل من زيت الوقود العراقي.
ولم تتضح بعد طبيعة الأضرار التي لحقت بهيكل الناقلة أو خزاناتها، كما لم تُعرف وجهة الشحنة أو ما إذا كان الهجوم سيؤثر في استكمال رحلتها.
هرمز يفقد معظم حركته المعتادة
جاء استهداف الناقلة وسط تراجع حاد في حركة السفن عبر مضيق هرمز، الذي يمثل البوابة البحرية الرئيسة لصادرات النفط العراقية القادمة من الموانئ الجنوبية.
وأظهرت بيانات شحن أولية عبور ست سفن محملة بالسلع المضيق يوم الثلاثاء، مقارنة بتسع سفن في اليوم السابق، وبمتوسط بلغ نحو 12 سفينة يومياً خلال الأيام العشرة الماضية.
وبحسب بيانات شركة «كبلر»، دخلت خمس من السفن الست المضيق، في حين خرجت منه سفينة واحدة فقط، وشملت الحركة ناقلة من فئة «باناماكس» وأخرى متوسطة الحجم.
وقبل اندلاع الحرب في 28 شباط، كان هرمز يشهد مرور نحو 125 سفينة تجارية كبيرة يومياً، بينها ناقلات للنفط والغاز، كما كان يعبر من خلاله نحو 20% من الإمدادات اليومية العالمية من النفط الخام والغاز المسال.
وتزامن انكماش حركة الملاحة مع تصاعد المواجهات العسكرية، إذ أعلنت إيران مهاجمة عشر سفن قرب المضيق، بعد إعلان الولايات المتحدة تعطيل خمس ناقلات نفط مرتبطة بطهران. وبحسب المعلومات المنشورة، تعرضت أربع ناقلات للقصف في خليج عُمان خارج هرمز، فيما استُهدفت ناقلة خامسة قرب جزيرة خارك، مركز التصدير الرئيس للنفط الإيراني.
الصادرات العراقية تدخل دائرة الخطر
يضع استهداف ناقلة محملة بمنتوج عراقي التهديدات البحرية أمام بغداد بصورة مباشرة، بعدما كانت المخاوف تتركز على تأثير المواجهات الإقليمية في عبور مضيق هرمز وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين.
فالحادث لم يقع عند مدخل المضيق أو في خليج عُمان، بل داخل المياه العراقية وفي منطقة مرتبطة بعمليات تحميل المنتج النفطي، ما يطرح أسئلة بشأن مستوى حماية الممرات البحرية والمنشآت القريبة منها وقدرة أنظمة المراقبة على اكتشاف المسيّرات واعتراضها.
وقد يؤدي استمرار الاعتداءات إلى فرض إجراءات أمنية إضافية حول مناطق التحميل، وإبطاء حركة السفن، ورفع أجور النقل والتأمين البحري. كما يمكن لأي توقف طويل أو عزوف للناقلات عن دخول المياه العراقية أن ينعكس على الصادرات والإيرادات العامة.
وتزداد خطورة ذلك في ظل محدودية البدائل المتاحة فوراً أمام العراق، إذ ما تزال الموانئ الجنوبية تمثل منفذه الأوسع لتصدير النفط ومنتجاته، بينما تحتاج مشروعات تنويع طرق التصدير باتجاه الشمال وسوريا والأردن إلى وقت واستثمارات واتفاقات تشغيلية.
وبينما نجحت فرق الإنقاذ في إخماد حريق «نيو أندروس» من دون خسائر بشرية، فإن الحادث ترك إنذاراً يتجاوز السفينة نفسها: المنتجات النفطية العراقية لم تعد بعيدة عن دائرة الاستهداف، وأمن المياه الجنوبية بات مرتبطاً بصورة مباشرة بأمن الموازنة واستمرار تدفق الإيرادات إلى البلاد.
المصدر: وكالات