بقيت أيام معدودة على إجراء الانتخابات الإسرائيلية، ويسود التوقّع بأنّها لن تحسم الصراع على السلطة بين معسكر نتنياهو ومعسكر التغيير، الذي يرأسه حاليا جادي آيزنكوت. وتتقلص باستمرار نسبة المترددين بين المعسكرين، ويدور التنافس على الأصوات في كل معسكر على حدة، حيث يحاول الحزبان الكبيران، الليكود بزعامة نتنياهو وحزب «يشار» بقيادة آيزنكوت، استقطاب المزيد من الناخبين من حلفائهم في إطار المزاحمة على من يكون الحزب الأكبر بعد الانتخابات، ما قد يكون له تأثير في الحصول بعد الانتخابات على توكيل بتشكيل الحكومة من قبل رئيس إسرائيل. وقد أثارت حملة الحزب الأكبر غضبا كبيرا عند بقية الأحزاب، التي شرعت في شن هجوم مضاد، يهدف إلى منع تسرّب الأصوات في اللحظة الأخيرة.
الأهداف المتفق عليها بين المعسكرين تعني استمرار الحرب، فمن يريد القضاء بالكامل على حماس وحزب الله والنظام الإيراني، لن يحقق ذلك بالوسائل السلمية وسيلجأ إلى العنف والحرب والدمار
لقد تبلورت الخريطة السياسية الإسرائيلية الحالية بعد حملات الانقلاب على القضاء والاحتجاجات ضده، وهبطت قوة الليكود حينها بنسبة الثلث. وقد أدّى رد الفعل الأولي بعد السابع من أكتوبر إلى تراجع إضافي في قوة الليكود. لكن مع مرور الوقت وبسبب الانزياح القوي نحو اليمين في المجتمع الإسرائيلي وحالة الحرب الدائمة، عاد معسكر نتنياهو إلى ما كان له من قوة قبل الحرب وبعد حملة الانقلاب على القضاء، إلى معدّل 52 مقعدا في الكنيست (مقابل 68 حاليا)، وهو لن يستطيع تشكيل حكومة، ولكن معسكر التغيير أيضا لا يحظى في الاستطلاعات على ما يكفيه للفوز بأغلبية برلمانية.
المثير أن مفعول الانقلاب على القضاء على التوازنات السياسية في إسرائيل، يفوق تأثير السابع من أكتوبر والحروب التي تلتها. يعود ذلك في ما يبدو إلى أن مسألة المحاكم والقضاء تمس هوية الدولة وهوية الطبقة الوسطى تحديدا، فيما مسألة الأمن والحرب هي في جوهرها موضع إجماع لا موضوع خلاف، وما قاله يئير لبيد، هذا الأسبوع، عن أهداف إسرائيل الأمنية لا يختلف عمّا يردده نتنياهو: القضاء على حماس وحزب الله والنظام الإيراني. الفرق بين نتنياهو ومعارضيه بشأن الحرب هو حول سوء الإدارة والتوظيف السياسي وليس حول جرائم وغايات الحرب. من جهة أخرى لا تعكس الاصطفافات الحزبية عشية الانتخابات القريبة، الانزياح الكاسح نحو التطرّف اليميني في المجتمع الإسرائيلي، بسبب الانقسام حول نتنياهو الشخص، الذي يمنع نشوء تحالفات «طبيعية» بين قوى اليمين في المعارضة والائتلاف.
آيزنكوت
ثارت هذا الأسبوع ضجة كبيرة حول ما قاله يانون ماجال الإعلامي الإسرائيلي المقرّب من نتنياهو وأحد أهم أبواقه، حين تطرّق بشكل مهين لآيزنكوت قائلا: «هو قرد.. خلفه نخب أشكنازية تديره وتوجّهه. هو قرد، واسمه مزراحي مغربي». كان الهدف من التصريح إظهار آيزنكوت بمظهر الشخص الضعيف الخاضع لتأثيرات النخب الأشكنازية، لكن النتيجة كانت عكسية، حيث اتُهم ماجال وخلفه نتنياهو بتغذية توجهات عنصرية ضد اليهود الشرقيين، ما أجبر حتى نتنياهو على القول إن التصريح «غير لائق».
حملة آيزنكوت الانتخابية تستند إلى ميزاته الشخصية، التي لها أثر في نفوس الإسرائيليين: أولا، هو شرقي ولأول مرّة هناك منافس من أصول شرقية -مغربية له حظوظ بالفوز، وتجري محاولات لإقناع اليهود الشرقيين الذين تؤيد غالبيتهم الساحقة نتنياهو بالانتقال للتصويت إلى مرشّح يشبههم؛ ثانيا، هو جنرال وعسكري شغل منصب رئيس الأركان، وكان له دور مركزي في صياغة الاستراتيجية الأمنية الإسرائيلية في العقد الأخير، وتحاول حملة آيزنكوت تسويقه بأنّه لا يقل عن نتنياهو في المسائل الأمنية؛ ثالثا، هو قدم تضحية شخصية، حيث قتل ابنه في الحرب على غزة، وقتل أيضا اثنان من أبناء إخوته، ويُعرض ذلك مقابل نتنياهو الذي لا يضحي بشيء ولا يشارك أبناؤه في الجيش؛ رابعا، تعرض حملة آيزنكوت الانتخابية مرشّحها بأنّه شخص متواضع ومستقيم، لا يبحث عن الثروة والمصالح الشخصية، مقابل نتنياهو المتهم بالفساد وبالبذخ وبمراكمة ثروة لا يعرف أحد من أين حصل عليها.
لقد استطاع آيزنكوت أن يتفوّق على نتنياهو في سؤال من هو الأفضل كرئيس وزراء، ويحصل بالمعدل في الاستطلاعات على 47% مقابل 37% لرئيس الوزراء الحالي، وهذا فرق كبير لم يسبق له مثيل من حيث تفوق مرشح على رئيس حكومة. لكن السؤال الأكبر هل يستطيع آيزنكوت استغلال هذه الشعبية لكسر حالة التعادل يوم الانتخابات؟ لا يبدو هذا ممكنا، لأن حملته الانتخابية هادئة ومنضبطة وحتى مملة، والهدف كان مراكمة بطيئة للقوة، من دون الوقوع في أخطاء، وهذا التوجّه لا ينتج انقلابات انتخابية في اللحظات الأخيرة.
نتنياهو
يدير نتنياهو بنفسه الحملة الانتخابية، ويكاد يظهر فيها لوحده، اعتقادا منه أن بقية المرشحين منفّرين لأصوات المترددين. ويركّز في حملته على الأجندة الأمنية واستمرار الحروب وعلى أن المواجهات العسكرية المقبلة تتطلب قائدا مجرّبا مثله، وليس شخصا قليل التجربة السياسية مثل آيزنكوت. ويظهر نتنياهو في شرائط مسجلة متحدثا من قواعد سلاح الجو الإسرائيلي، ومن لقاءات ميدانية مع جنود للتأكيد على الأمن ثم الأمن وبعدها الأمن، اعتقادا منه أنها ورقته الرابحة. يواجه نتنياهو مشكلتين قد تضعفانه في الانتخابات. الأولى هي نسبة تصويت منخفضة نسبيا في القواعد الانتخابية لحزبه ومعسكره، والثانية، إمكانية خسارة مئات الآلاف من الأصوات بسبب عدم عبور قوائم يمينية نسبة الحسم، فهناك حزبان على الحافة هما «عمخا يسرائيل» بقيادة عوفر فينتر وحزب «الاحتياطيون» برئاسة يوعز هندل ويرون زليخا، ما يعرّض معسكر نتنياهو إلى خطر خسارة خمسة مقاعد على الأقل وفقدان أي إمكانية لتشكيل حكومة. ومع ذلك، يجب الإشارة إلى أن نتنياهو استطاع في الماضي تفادي الخسارة في الانتخابات، في اللحظة الأخيرة، من خلال القيام بخطوات غير متوقّعة لم تؤخذ في الحسبان، ومع أن هذا صعب جدا هذه المرة لكنه ليس مستحيلا.
ترامب
لم يؤثر دعم ترامب لنتنياهو على استطلاعات الرأي العام، ويعود ذلك إلى معرفة الجميع بشخصيته المتقلبة، وإلى أنه لم يعد يتمتع بالشعبية التي حظي بها عند شن الحرب المشتركة على إيران، خاصة أن غالبية الإسرائيليين تعتقد أنه أنهى الحرب على إيران وعلى لبنان «قبل الأوان». وذهب عدد المحللين إلى أنه حتى لو كان لتصريح ترامب بعض التأثير فهو سيتلاشى حتى يوم الانتخابات. لقد دعم ترامب نتنياهو في مرات سابقة من خلال تقديم «هدايا» انتخابية وازنة منها، الاعتراف بضم الجولان، وبالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة إليها، ووقف دعم الأونروا ومنح الشرعية للمستوطنات وغيرها الكثير. وقد ساهمت هذه الهدايا في عدم خسارة نتنياهو للانتخابات، ولكن لا يبدو أن تأييد ترامب سينقذه هذه المرّة. لقد دعم ترامب مرشحين في مواقع أخرى وهم لم يفوزوا بالانتخابات منها، دعم أوربان اليميني في هنغاريا.
من الواضح أن الانتخابات الإسرائيلية ليست شأنا إسرائيليا داخليا، إذ ان نتائجها ستؤثّر على فلسطين وعلى الإقليم بهذا الشكل أو ذاك. فالمعارضة الإسرائيلية إن فازت ستحظى بمساندة وبشرعية دولية أكثر من حكومة نتنياهو، ما يمنحها قوّة أكبر في محاولاتها لفرض الإملاءات الإسرائيلية في غزة والضفة ولبنان وإيران. لكن بقاء نتنياهو خطير جدا، لأنه حكومته تنوي المضي في مشاريع الضم والترحيل. في كلتا الحالتين لن تنتهي الحروب حتى لو أخذت أشكالا مختلفة. الأهداف المتفق عليها بين المعسكرين تعني استمرار الحرب، فمن يريد القضاء بالكامل على حماس وحزب الله والنظام الإيراني، لن يحقق ذلك بالوسائل السلمية وسيلجأ إلى العنف والمزيد من العنف والحرب والدمار.
كاتب وباحث فلسطيني