رباعي الإبادة يريد التضحية بعرَّابه


مفهوم «كبش الفداء» ممتد تاريخيا اختزلته الحضارات القديمة في كبِّ أدران المجتمع في ماعون واحد يتحمل كل القذارة، ليتطهَّر ما دونه.
يعبّر المفهوم عن غريزة إنسانية خالدة كثيرة الانتشار إلى اليوم.
البحث عن كبش الفداء. هذا ما يسعى إليه البعض في المؤسسة السياسية في الحزب الديمقراطي الأمريكي. تخوض المؤسسة تلك المعركة أملا في الظفر بفرصة العودة إلى المشهد السياسي بعد أن أيقنت، أولاً أن الرئيس الحالي أحرق نفسه وحظوظ حزبه في الانتخابات المقبلة، وثانياً أن غزة هي التي قضت على فرص كامالا هاريس في الانتخابات الماضية.
اهتدت الجماعة إلى الرئيس السابق جو بايدن ليكون كيش الفداء المثالي. لا شك في أن بايدن هو رمز العجز والتواطؤ مع إسرائيل في حرب الإبادة التي شنتها على غزة، لكن من الظلم تحميله وحده وزرها كاملا. هناك شركاء معه من البطانة الضيقة المحيطة به. يرقى نصح هؤلاء الشركاء، وعدم نصحهم له، وصمتهم المتعمد على جرائم إسرائيل، إلى مشاركة في جرائم قد تستوجب محاكمات دولية.
قليل من هذا التواطؤ يكشفه كتاب عنوانه «تــجاوز الخــط الأحمر» CROSSING THE RED LINE صدر حديثا في الولايات المتحدة للصحافي الأمريكي من أصل باكستاني أكبر شاهد أحمد.
من خلال شهادات كثيرة من داخل مواقع صنع القرار، وتفاصيل صغيرة، يوثّق الكتاب كيف سمحت إدارة بايدن لإسرائيل بمواصلة حربها على غزة، رغم تزايد الأدلة على الانتهاكات وسقوط أعداد هائلة من الضحايا المدنيين؛ وكيف وفرّت لها بعد ذلك الغطاء من المساءلة السياسية والقانونية.
يكرر الكتاب ما هو معروف: بايدن تبنّى استراتيجية احتضان إسرائيل والليونة معها معتقدا أن ذلك سيمنحه نفوذا يخفف بشاعة حربها. لكن التخاذل وغياب الضغط السياسي والتهديد الجاد باستخدام المساعدات العسكرية شجع إسرائيل على مواصلة حربها الضارية بكل أريحية.
ما ليس معروفا ويكشفه الكتاب لأول مرة، وهذا الأخطر، التواطؤ الكبير لأقرب مساعدي بايدن في التغطية على جرائم إسرائيل. مجموعة صغيرة تتصرف بمنطق الشلة وكما يروق لها، تسببت في استمرار الحرب على غزة بتلك الوحشية التي تابعها العالم. في كل موقف يتعاونون في البحث عن مخرج غايته ليس إنهاء الحرب وإنما النهائية حماية إسرائيل.
هي شلة من كبار مساعدي الرئيس، لكن الكتاب يحدد أسماء يتحملون المسؤولية الأكبر. هم أربعة، أبرزهم وزير الخارجية أنطوني بلينكن، مستشار الأمن القومي، جيك سوليفان، ثم مساعد مستشار الأمن القومي، جون فينر. الثلاثة يقودهم السياسي المخضرم المكلف بملفات الشرق الأوسط وما يسمى حروب الإرهاب في الإدارات المتعاقبة، منذ جورج بوش الابن إلى بايدن، بريت ماكغورك.

 لقد تسبب بايدن والرباعي في تصويت الناخبين لترامب فعاد إلى البيت الأبيض وأرسوا أنماطاً من الإفلات من العقاب أدت بدورها إلى مزيد من إراقة الدماء

في شهادته للمؤلف، يقول أحد كبار المسؤولين إن رؤية ماكغورك لحرب إسرائيل على غزة عنوانها «الأمر مريع، لكن ذلك ما جنوه (الفلسطينيون) على أنفسهم».
في قراءة للكتاب، يصف موقع مجلة «ريسبونسبل ستيتكرافت» الصادرة عن معهد كوينسي في الولايات المتحدة، يصف ماكغورك بأنه «الشرير الرئيسي في القصة».
هذا الرباعي متهم (في الكتاب على الأقل) بعرقلة جهود التدقيق في الانتهاكات الإسرائيلية رسميا، والتقليل من شأن التحذيرات المتعلقة بالمجاعة ومعاناة الفلسطينيين، والتشكيك في الروايات والشهادات والصور القادمة من غزة. ومتهم أيضا بتجاهل نصائح ومشورة فرق العمل المساعدة له، وبتجاهل احتجاجات الناخبين الذين أوصلوا بايدن إلى الرئاسة.
حتى داخل الإدارة نفسها والفريق الواحد، تجرأ الرباعي على قمع زملاء في مناصب مرموقة أرادوا إسماع صوت مختلف وانتقدوا السياسة المتّبعة تجاه غزة. وقد نجح في إسكات رئيسة الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (يوإس أيد) سامانثا باور، والسفيرة لدى الأمم المتحدة ليندا توماس غرينفيلد.
حتى عندما قتلت إسرائيل 7 من موظفي «المطبخ المركزي العالمي» في نيسان (إبريل) 2024، 6 منهم غربيون بينهم أمريكي، لم تجرؤ الإدارة على قول شيء، لأن قوة الكبح التي يقودها الرباعي داخل الإدارة حالت دون ذلك. بعد أقل من شهر من قتل موظفي الإغاثة السبعة، اجتاح الجيش الإسرائيلي رفح بتشجيع من البيت الأبيض عجزت التصريحات العلنية «الغاضبة» عن التغطية عليه.
جاء في «ريسبونسبل ستيتكرافت» أن سلاح دفاع الرباعي عن نفسه، ومعه دائرة من المتواطئين بطرق ومستويات مختلفة، عبارة واحدة مفادها «ليس من العدل إلقاء اللوم على موظفين بيروقراطيين ملزَمين بتنفيذ نزوات رئيس متغطرس».
ليس واضحا هل ستنجح جهود التضحية ببايدن وجعله كبش فداء. لكن واقع الحال أن الرجل سهَّل لهم المهمة من خلال تردده في اتخاذ مواقف حاسمة، وحماسه الزائد تاريخيا لإسرائيل على حساب العرب والفلسطينيين. وواقع الحال أيضا أن التضحية ببايدن أقل كلفة للرباعي، وللحزب الديمقراطي أيضا، من التضحية بغيره. فعلاوة عن أنه انتهى سياسيا، الرجل منتهي صحيا، ذهنيا وبدنيا، والضرب فيه كالضرب في جثة ميّت.
لهذا من السهل أن ينجح الرباعي في إعادة تدوير نفسه للرجوع مع إدارات ديمقراطية مقبلة. فمن سيمنعهم؟ ذاكرة الناخب الأمريكي قصيرة وهامش حركته ضيّق. ومَن البديل إذا ما مُنع الرباعي والديمقراطيون؟
لقد تسبب بايدن والرباعي في تصويت الناخبين لترامب فعاد إلى البيت الأبيض. وأرسوا أنماطاً من الإفلات من العقاب أدت بدورها إلى مزيد من إراقة الدماء في عهد ترامب.
بعد أقل من أسبوعين تجري انتخابات التجديد النصفي ويجد العالم نفسه مضطرا للدخول مجددا في دوامة الحسابات السياسية الأمريكية وموقع كل حزب من الحزبين فيها على المدى النظور. لكن في نهاية المطاف، الفرق بين الحزبين كالفرق بين بين الطاعون والكوليرا.
هذه معضلة فلسطين مع مَن يسكن البيت الأبيض ومبنى الكابيوتل، مهما كان وبغض النظر من أين أتى. وهذا حظ إسرائيل معهم.

٭ كاتب صحافي جزائري



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *