مفهوم المجايلة إبداعياً ونقدياً


عندما نطلق مصطلح جيل، علينا دراسة مختلف المؤثرات السياسية والفكرية والاجتماعية والأدبية، التي كوّنته، وصاغت نفسيات أفراده، وندرس في الوقت نفسه المنتج الأدبي والفكري الذي أثمره هذا الجيل، مع الأخذ في الحسبان مدى التوافق بين أعضائه، فقد يكون هناك معاصرون مجايلون، ولكنهم مختلفون، أو معارضون، أو متمردون، أو تقليديون، ومن هنا يتحدد القاسم المشترك في فهم سمات الجيل ما بين التأثيرات، والمنجزات.
إلى جانب أن هناك ما يسمى «صراع الأجيال» كما يذكر غالي شكري، وهو ظاهرة عالمية إنسانية، على الرغم من وجود تباينات في الجيل الواحد، في مدارسه المختلفة، فهناك – كما يشير شكري- فروق بين المدرسة الإنكليزية والفرنسية في التيار الأدبي الذي ظهر في الخمسينيات والستينيات في القرن العشرين، وكان الصراع مع الأجيال السابقة، على مستوى القناعات والفلسفات والأفكار والإبداعات، ففرنسا تنظر إلى نفسها بوصفها الأب الروحي لمختلف الموجات الأدبية الطليعية، في المسرح والشعر والفن التشكيلي، بينما تنافسها الثقافة الإنكليزية في فلسفاتها، وإبداعاتها، وترى أن مبدعيها ليسوا تابعين للفرنسيين. ولكن حتما هناك توافقات في الجيل الواحد، وإن تنافست البلدان، وتعددت الألسنة، وتمايزت الإبداعات.
ويشير محمد حافظ دياب إلى الجيل الأدبي الكوني بوصفه كتلة إنسانية من مختلف الثقافات والمجتمعات، يشعر أعضاؤها بالانتساب إلى الوحدة الأنثروبولوجية للأشكال التخيلية، وفي قلب هذا الجيل، تكونت تجمعات وطنية وإقليمية وعالمية تعمل في مجال الأدب، وتشترك في الأهداف العامة والرموز وتبادل المعلومات والإحساس بالتضامن، وتوسيع نطاق المبادلات والتدفقات العالمية للإبداع، عن طريق ترجمته ونشره، موردةً اطراد حجم ونفوذ هذا الجيل، وتعدد أدواره وقنواته، مثل حماية الموروث الأدبي، وضمان القواعد المنظمة لحقوق الملكية، وكفالة حرية التعبير في الاشتغال بالأدب.

أما قضية الصراع فهي أمر متوقع، إن لم يكن من ظواهر المجايلة، فلا بد أن يقول الجيل الجديد كلمته في إبداعات الأجيال السابقة، ولا بد لممثلي الأجيال السابقة أن يناقشوا ما جاء به اللاحقون، وهي ظاهرة صحية في نهاية الأمر، فالجديد لا يعني أبدا أنه قد أصاب، والقديم ليس متكلسا أو تقليديا، فربما يأتي جيل جديد بطروحات فكرية ونقدية لا تصمد أمام نقاشات الجيل السابق، والعكس صحيح، بأن يتعرض منجز الجيل السابق لنقد شديد يجعله يهوي أمام ملاحظات الجيل اللاحق. وإن كنا نرى أن الاختلاف أو التصارع يجدد الفكر، ويثري الإبداع، بل إنه يكون سببا في تمايز المبدعين أنفسهم، فهناك مبدعون ومفكرون يؤثرون في الأجيال اللاحقة، أو يُقرَأون بقراءات جديدة، وفق زوايا مختلفة.
لقد ظهرت المجايلة النقدية في الأدب العربي مواكبةً لحركة الإحياء الأدبي، التي لم تكن تقليدا للغرب، كما يتوهم البعض، عندما ينعتونها بأنها تشابه الكلاسيكية الغربية، وإنما – كما يذكر شكري عياد- نشأت استجابة لحاجات جماهيرية جديدة من القراء، من دون الخروج عن النظام العام للأخلاق والثقافة والقيم العربية الإسلامية، وكان النقد مواكبا، ولاحقا؛ راصدا ومقيّما، فالقاعدة في النقد أنه يلاحق الإبداع، والقاعدة في التاريخ (النقدي) ملاحظة القوانين المطردة، وأيضا التقاليد الأدبية السائدة.

أما سمات أجيال النقاد العربي في العصر الحديث فمختلفة، فالجيل الأول في نهاية القرن التاسع عشر، اعتمد على التراث العربي الإسلامي من خلال مفاهيم البلاغة العربية التقليدية، كما نرى في كتاب «الوسيلة الأدبية إلى العلوم العربية» للشيخ حسين المرصفي (1875-1897)، و»منهل الرواد» لقسطاكي الحمصي (1907) وكلها سعت إلى تقديم البلاغة القديمة في طرح جديد، يساهم في قراءة النصوص المعاصرة، وأيضا القديمة وتذوقها (استقبال الآخر: الغرب في النقد العربي الحديث، سعد البازعي)، تبعه جيل جديد ارتبط بظهور الجامعات العربية، وعودة المبعوثين إلى الجامعات الغربية، حيث شاعت المناهج التاريخية والاجتماعية، مثل مناهج لانسون، وسان بيف، وهيبوليت تين، التي تربط الأدب بسياقه التاريخي والاجتماعي، وتأثر بها طه حسين، وسعى إلى تطبيقها في دراساته الأدبية عن المتنبي وأبي العلاء المعري، وإن وظّف البلاغة العربية وذائقته الشخصية، والمذهب الانطباعي في دراساته، وفي المقابل، نقل العقاد وجماعة الديوان، ثم مدرسة أبوللو الشعرية مقولات المدرسة الرومانسية الغربية، وتعزيز الاتجاه الوجداني في الأدب العربي، والدعوة إلى الوحدة العضوية في النص الأدبي بوصفها أساسا للفكر النقدي الغربي، وامتد تأثيرها إلى شعراء في العالم العربي.

وفي سنوات الأربعينيات والخمسينيات ظهر النقاد المتخصصون، الذين صبوا اهتمامهم على تقويم النصوص الأدبية المنشورة وتحليلها، مع التعريف بالنقد الغربي، بالشرح والترجمة، ومن أبرزهم: سيد قطب، ومحمد مندور، وشوقي ضيف، ثم مارون عبود، وشكري عياد، وغالي شكري، وإحسان عباس، وعبد الله الطيب، وغالبية هؤلاء انتموا إلى الجامعات العربية، وتشعّب نشاطهم إلى التأريخ الأدبي، وتحقيق النصوص التراثية، وتحليل الإبداعات وتقويمها، ولكنهم ظلوا غير ملامسين للثورة النقدية المتمثلة في المناهج الحداثية، فمحمد مندور على سبيل المثال، مرّ بثلاث مراحل: النقد الجمالي، والنقد الأيديولوجي (الاشتراكي الواقعي)، والنقد الوصفي، عن طريق الالتزام بأسلوب علمي تحليلي محايد، وإن كان هذا ضمن المظلة الغربية النقدية، ومنها النقد النفسي والاجتماعي، والمنهج الطبيعي في تفسير الأدب، وكلها مناهج تنصب على الجانب المضموني، وعلاقة النص بما هو خارجه، وبالمؤلف.

وبدءا من عقد الستينيات، ومرورا بحقبة السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات، ازدادت حركة الترجمة النقدية، للمناهج الحداثية الغربية، وظهر جيل جديد من النقاد العرب، في المشرق والمغرب، سعى إلى الاستفادة من ثورة النقد في الغرب، مثل المناهج البنيوية والأسلوبية والسيميائية، وقد تأرجحت العلاقة مع النقد الغربي بين العلاقة الواعية وغير الواعية، فهناك من تـأثر بالمنهجيات الغربية، وسعى إلى تطبيقها بحذافيرها، وهناك من سعى إلى تبيئة هذه المناهج، وقراءة الأدب العربي المعاصر، وفقا لطرائقها وإجراءاتها. وكثير من منتسبي هذا الجيل، عملوا في الجامعات العربية، وتعلموا من قبل في الجامعات الغربية، وساهموا في ترجمة مراجع النقد الحداثي، وعملوا على الاستفادة منها، في الدراسات التطبيقية، مع الوعي بخصوصية الأدب العربي، في بحوثهم ومقالاتهم التطبيقية، فلم يسرفوا في التنظير، بقدر ما كان التنظير مواكبا للتطبيق في جانب، والتطبيق سببا في إيجاد تنظير متميز في جانب آخر، وقد تعاظم اهتمامهم بالجوانب الشكلانية والجمالية، والبنى السردية بتشكلاتها المختلفة في النصوص، ونأوا عن الخطاب الأيديولوجي الزاعق، والمبالغة في الانطباعية، ومالوا إلى استنطاق المتن السردي بما تبوح به شيفراته، مع اهتمام بالتجديد في الأشكال السردية. وهذا هو الجيل الذي نثمن جهوده، فقد عاصروا ثورة النقد، وترجماته، وسعى لبناء منجزه النقدي على الغرب في استراتيجياته، وعلى الإبداع العربي في تطبيقاته.

كاتب مصري



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *