«أفضل الموت بكرامة على أن أعيش بدونها»… صرخة مؤلمة أطلقتها الشخصية الوطنية التونسية البارزة أحمد نجيب الشابي وهو يبدأ إضرابه عن الجوع احتجاجا على ظروف سجنه.
الشابي البالغ من العمر 82 عاما والذي حكم عليه باثنتي عشرة سنة سجنا و5 سنوات مراقبة إدارية في القضية المعروفة إعلاميا بقضية «التآمر على أمن الدولة» لم يجد من طريقة أخرى للتعبير عن احتجاجه سوى هذا الإضراب القاسي الذي نقل بسببه إلى المستشفى وسط تكتم شديد.
لم يكن الشابي الوحيد أو الأول في اللجوء إلى الإضراب عن الطعام في السجون التونسية من بين الشخصيات السياسية التي باتوا جميعا هناك تقريبا فقد سبقه آخرون أو كانوا معه أو لحقوا به. طوال الأشهر الماضية خاض كثيرون إضرابات عن الطعام من أولهم الجامعي البارز جوهر بن مبارك، وراشد الغنوشي زعيم حركة «النهضة» ورئيس البرلمان الذي أطاح به الرئيس قيس سعيّد، وقد تجاوز الثمانين هو الآخر ويعاني من أمراض عدة، وكان كذلك عصام الشابي (شقيق أحمد نجيب الشابي) زعيم الحزب الجمهوري، والصحبي عتيق، القيادي في حركة النهضة، والقيادي السابق في نفس الحركة عبد الحميد الجلاصي، والمحامي والناشط الحقوقي العياشي الهمّامي الذي أسندت له نقابة المحامين الأمريكيين جائزتها، وكذلك أربعة من أعضاء «قافلة الصمود» مع غزة وقد أشرف أشهرهم على الموت بسبب هذا الإضراب وهو وائل نور قبل أن يفك إضرابه بعد 38 يوما.
ومع أن اللجوء إلى الإضراب عن الطعام ما زال محل نقاش دائم بين مدافع عنه ومعارض لجدواه، إلا أنه ما زال قادرا على جلب الاهتمام الداخلي والدولي بالواقع السياسي
هذا الشكل من الاحتجاج امتد حتى خارج السجون فقد شنّت سهام بن سدرين رئيسة «هيئة الحقيقة والكرامة» إضرابا عن الطعام احتجاجا على ملاحقاتها المفتعلة بسبب عملها في هذه الهيئة. كما دخل بعض أفراد عائلات من أشرنا إليهم سابقا في إضرابات جوع تضامنية مع أقربائهم المضربين في السجون كان من أبرزهم المناضل عزالدين الحزقي رغم مرضه وتقدّمه في السن.
لم يلجأ كل هؤلاء إلى هذا الشكل الاحتجاجي الأقصى، رغم كل مخاطره الصحية المتعدّدة، إلا لقناعتهم بأن ما يتعرّضون له غير مقبول أبدا ولا يجوز السكوت عنه، فضلا عن أن هذا الشكل مثير للجلبة الإعلامية وقادر على أن يأتي بنتيجة ولو بعد حين، كما ثبت ذلك حتى في منازلات تاريخية بين حركات تحرر وطني وقوى استعمارية مختلفة، لعل أبرزها في العصر الحديث الاحتلال الإسرائيلي و»معركة الأمعاء الخاوية» التي بدأها الفلسطينيون عام 1967 ووصلت حد استشهاد أحد المضربين في سجن عسقلان عام 1970 وهو الأسير عبد القادر أبو الفحم، كما كان أشهر الإضرابات ذاك الذي خاضه مروان البرغوثي عام 2017 صحبة الآلاف من الأسرى.
ورغم كل هذه الإضرابات عن الطعام التي تخاض في تونس، وما تثيره من ضجة داخلية وخارجية، فإن السلطات ما زالت تتعامل مع ذلك بتجاهل كامل وصل حد الاستخفاف حين أشارت وزيرة «العدل» ذات مرة ضاحكة ومستهزئة بأن المضربين عن الطعام يأكلون سرا في المراحيض! لم تحاول هذه السلطات، ولا مرة، معالجة الأسباب التي أدت إلى إضرابات الجوع المتكررة لهؤلاء السجناء وهم صفوة الطبقة السياسية في البلاد. لقد اضطر هؤلاء إلى ذلك اعتراضا على محاكمات صورية، وعلى عدم احترام الحد الأدنى من الإجراءات القانونية، وعلى عدم إحضار المتهمين إلى قاعات المحكمة وفرض محاكمتهم عن بعد، وعلى ضرب حق الدفاع في تقديم مرافعاته بكل حرية، وكذلك على ظروف زيارتهم المهينة والنقل التعسّفي لبعضهم من سجن قريب لسكن ذويهم إلى آخر أبعد بكثير مما يفاقم معاناة أهاليهم رغم أن القانون ينص على أن السجين يودع السجن الأقرب إلى مقر إقامته، ما يفضح الرغبة في التنكيل والتشفي بالمعارضين ليس إلا.
ومع أن اللجوء إلى الإضراب عن الطعام ما زال محل نقاش دائم بين مدافع عنه ومعارض لجدواه خاصة إذا كانت السلطة لا تعبأ أبدا بمثل هذا النوع من التحركات، إلا أنه ما زال قادرا على جلب الاهتمام الداخلي والدولي بالواقع السياسي المغلق في البلاد. ويبقى السؤال الأقسى والأصعب: ماذا لا سمح الله لو توفى أحد المضربين عن الطعام نتيجة إصراره على المضي فيه إلى النهاية أو نتيجة المضاعفات الصحية الكبيرة التي يخلّفها؟!
كيف يمكن للسلطات وقتها، لا قدّر لها، أن تتعامل مع حدث جلل كهذا، وكيف يمكن لها أن تطوّق تداعياته المشينة داخليا وخارجيا، وكيف يمكن للحياة السياسية أن تزداد بؤسا وكآبة بعد وقوع المحظور الذي لا يمكن إصلاحه؟! لقد ازدادت القبضة الأمنية تغوّلا في تونس مع قيس سعيّد، دون حسيب ولا رقيب، ودون أن يتطرّق الرئيس أو وزيره للداخلية أو وزيرته للعدل أو أي من المسؤولين إلى ضرورة وضع حد لانحرافات تجاوزت حتى السياسيين لتمس المواطنين العاديين في أكثر من حادثة موثّقة.
المؤلم أكثر أن لا أحد من هؤلاء يفكّر في هذا الأمر،، بل ولا أحد يهتمّ أصلا!.
٭ كاتب وإعلامي تونسي