المستوطنون وسرقة ينابيع الفلسطينيين… ادعاءات «التطهر» ووكالة التغيير البيئي!


رام الله – «القدس العربي»: أعادت حادثة مقتل مستوطن بالقرب من عين نبع للمياه بالقرب من قرية دير نظام شمال مدينة رام الله، أثناء عملية «تطهر» في مياه النبع، الحديث عن موضوع علاقة المستوطنين بينابيع المياه في عموم الضفة الغربية، والتحول المتزايد في الممارسات الاستيطانية التي تتنوع أشكالها وأنواعها.
وهو أمر يجعلنا نستحضر ظهور حركة «معسكرات الصاعدين» اليسارية التي أعلنت عن عزمها تدشين مستوطنات زراعية «كيبوتسات» بدلاً من مزارع الاستيطان الرعوي الذي تقف وراءه جمعيات يمينية، وذلك على مقربة من أول مستوطنة إسرائيلية أقيمت بعد عام 1967 في الضفة الغربية.

وكلاء التغيير البيئي!

وحول علاقة المستوطنين بعيون المياه والينابيع في الضفة والتحولات في خطاب اليسار الإسرائيلي، سألت «القدس العربي» عمر عاصي، المهندس والباحث والمستشار البيئي الفلسطيني، حول الأمر، فقال إنه بدأ في الفترة الأخيرة في متابعة صفحات المستوطنين على شبكات التواصل باهتمام كبير، وإن لديه شعوراً بأن تغيراً طرأ على خطابهم، «فكل موضوعات البيئة (التلوث، الهواء، الاستهلاك… إلخ) التي كانت حكراً على خطاب مؤسسات وأحزاب اليسار الإسرائيلي الصهيوني التقليدي، شهدت تحولاً واضحاً».
وتابع قائلاً: «كجزء من اهتمامي البحثي، بعد عودتي من ألمانيا، حظي موضوع المياه والينابيع باهتمامي بصفته موضوعاً يمس حياة الفلسطينيين، وهو موضوع كان بالنسبة إلى حضارتنا وتاريخنا مسألة عميقة ومتجذرة، فوجئت بأنه كلما بحثت عن هذا الموضوع فإن البحث يحيلني إلى صفحات إسرائيلية، شعرت أن هناك اهتماماً عميقاً ومحاولة لتجذيره بموروثهم الديني، لاحظت أن تناول المستوطنين لموضوع الينابيع داخلياً يظهر وكأن حساً بيئياً ينمو، وكأنهم جاءوا لإنقاذ البلاد من أهلها وممن دمر هذه الينابيع، وهو خطاب سائد بين مجموعات المستوطنين».

«شبيبة التلال»

ويشدد الباحث عاصي على أن غالبية الفلسطينيين يعرفون تنظيم «شبيبة التلال» الإرهابي، وهم متطرفون، لكنهم لا يشكلون العدد الكبير من المستوطنين في الضفة الغربية، الذين يزيد عددهم على 800 ألف مستوطن، وعليه يكون السؤال: من هؤلاء المستوطنون في الضفة؟
ورداً على هذا السؤال، يرى عاصي أن جانباً من هؤلاء هم مستوطنون يقومون على خطاب إنقاذ ينابيع المياه من تخريب الفلسطينيين، وهم يحاولون أن يظهروا أنفسهم على أنهم وكلاء التغيير البيئي في الضفة الغربية، علماً أن أكثر الجهات التي كانت تثير هذه النقطة هي من اليسار الإسرائيلي، كما ذكرت سابقاً.
الملاحظة الثانية التي يرصدها الباحث تتجاوز عيون الماء، حيث يرى أن الظاهرة امتدت لتطال نمطاً كاملاً من الحياة، ومؤخراً تم تسليط الضوء على ذلك عبر وسائل الإعلام، حيث ظهر للجميع أن المستوطنين يقتربون أكثر من ملابس الفلاحين الفلسطينيين وطريقة عيشهم من ناحية البناء عبر استخدام الطين، وكذلك الطعام… إلخ، كما أن هناك ورشاً لتعليم المستوطنين ذلك وتقريبهم من النمط الفلسطيني التقليدي.
ويشدد عاصي على أن اليهودي التقليدي الذي يعيش في تل أبيب أو حيفا كان يخاف من القدوم إلى الضفة الغربية، لكن الحركة الاستيطانية تبنت طريقة جديدة لجلب مزيد من المستوطنين، وهو أمر شهد تطوراً وزيادة مؤخراً، لكونها أصبحت تقوم على جلب مزيد من المستوطنين وكل من لديه اهتمام بيئي أو نزعة إلى الطبيعة.. «وكأنهم اكتشفوا البيئة من جديد».
من المهم هنا ملاحظة أن نقلة نوعية حدثت في علاقة المستوطنين بالعيون، والحديث هنا للباحث البيئي عاصي، ويتابع: «منذ سبع سنوات، وهو عمر متابعتي لهذه الظاهرة، رأيت تحولاً في ذلك، حيث أصبحوا على علم ودراية بالعيون وينابيع الماء ربما أكثر منا نحن أصحاب الأرض. هنا وجب التنويه إلى أن الأخطر علينا في الضفة هو العمل والممارسة التي تقوم بها غالبية المستوطنين، وهو العمل الناعم المرتبط بالأرض واستعادتها وادعاء حماية الينابيع… إلخ. فـ»شبيبة التلال» معروفون لنا، وهم بمثابة قوة ضاربة في الضفة، لكن هناك فئة تثبت وتهود من خلال البيئة وحمايتها والادعاء بإعادة إحيائها، فهؤلاء يجلبون أعداداً كبيرة».
ويخلص إلى أنه إذا استمر الحال على هذا النحو فإن «أعداد المستوطنين يمكن أن تتضاعف خلال سنوات قليلة».

أوجه مقارنة من دون الدين

وفي معرض تحليله لهذه الظاهرة، يقول عاصي: «هنا وجب علينا التمييز بين فئتين من المستوطنين وربما ثلاث، لكن مؤخراً يمكن القول إن الفوارق بين فئات المستوطنين بدأت بالزوال والتلاشي. لكن القوة الناعمة التي تستغل البيئة وتستغل الموتيف الصهيوني القديم، أي فكرة الكيبوتسات الأولى التي كان شعارها منجل وسلاح، تتقاطع مع صورة الراعي على حمار، الذي يمثل نموذجاً للانغماس في الأرض، وهو أمر يؤشر على تغيرات تحدث، وكلها مستوحاة من الصهيونية الأولى، وبالتالي هناك وجود لنقاط تقارب باستثناء البعد الديني، حيث كانت الكيبوتسات علمانية متطرفة». وحسب رئيس حركة «معسكرات الصاعدين» اليسارية إيلان غازيت، فإن «مستوطنات جديدة ستقام في غور الأردن، ومن الأفضل وجود أكبر عدد ممكن من اليساريين في المنطقة… نريد ‘الكيبوتسات’ بدلاً من مزارع الاستيطان الرعوي»، وهو أمر يدل على وجود تنافس في النشاط الاستيطاني بين اليسار واليمين.
ويعني اسم «كيبوتس» باللغة العبرية «القرية الزراعية التعاونية».
وأشار غازيت إلى أن المستوطنة التي ستقام قرب البحر الميت «ستعنى بالزراعة»، مضيفاً أن إقامتها «تتوافق مع رؤيتنا، نحن بحاجة إلى حدود أمنية قوية في الشرق يمكن الدفاع عنها، وتشكل شرطاً ضرورياً للسلام».

وينابيع الداخل أيضاً

يذكر أن استهداف الينابيع وعيون المياه يتجاوز الضفة الغربية، ويضرب عاصي مثالاً آخر يرتبط بالفلسطينيين الذين يعيشون في الداخل المحتل عام 1948، حيث يقول: «أنا أسكن في حيفا، وبالقرب من منزلي هناك عين ماء، أصبحنا نشعر بخوف عند زيارة عيون الماء في ظل زيارات المستوطنين لها، حيث تشعر أن هذا الحيز أصبح حكراً عليهم، يمكن القول إنهم سيطروا عليه. ومن يزور العيون سيجد حتماً مستوطنين يستحمون».
يتوقف الباحث عاصي لبرهة ويتابع: «هنا نقف على موضوع التطهر الذي يشكل أكبر محرك لكل الممارسات الخاصة بالصهيونية. فخلال زياراتي شاهدت أكثر من مرة مستوطناً يقوم بخلع كل ملابسه ويستحم في العين».
ويشدد الباحث على أن موضوع تهويد العيون لا يرتبط بالضفة فقط، إنما هو ممارسة تمتد إلى داخل فلسطين المحتلة، والأمثلة على ذلك كثيرة، مثل قرية «اللجون» المهجرة، وهي قريبة من مدينة جنين، يضيف: «هناك حرب على المكان، حيث يريد الاحتلال تدشين منتزه عليها، وبالمناسبة الكثير من القرى المهجرة أصبحت متنزهات، في اللجون أصبحت ترى مستوطنين- يهوداً متدينين يوجدون في المكان، حيث توجد عين ماء وطاحونة ووادي، وهناك محاولة لفرض السردية الخاصة بهم على المكان، وهو أمر مرتبط بوجود مؤسسات ضخمة ومدارس كاملة تحت أيديهم».
وتشهد «اللجون» حراكاً فلسطينياً متنامياً للعمل على الحفاظ على تاريخ القرية في ظل الجهود التهويدية الكبيرة التي تبذل للسيطرة عليها وفرض تسميات إسرائيلية يهودية على المكان، وتحديداً عين الماء فيها.
يجزم عاصي: «إنها نموذج مهم على هذا الصراع التهويدي المستمر».
ويضرب مثالاً آخر كدلالة على هذا النوع من الصراع البيئي: «نحن إزاء صراع باسم البيئة لمصادرة أراضينا، وهناك نموذج قرية «خريش» في الداخل المحتل، حيث هناك صراع على نبات اسمه «السماق الشوكي»، ويريدون الحفاظ عليه من خلال محمية طبيعية لحماية النبتة، وهو ما يترتب عليه مصادرة أراضي القرية».
وفي مثال ثالث يؤشر على صراع تشهده منطقة طبيعية في مدينة أم الفحم، حيث يريد الاحتلال مصادرة مزيد من الأراضي من أجل تدشين ممر بيئي إيكولوجي للحيوانات البرية. يعقب الباحث عاصي: «سبحان الله، في كل الضفة لم يبق الاحتلال متراً واحداً لغزال بري يمشي فيه.. أما في الداخل المحتل فهو يريد المصادرة من أجل حماية حيوان بري. هذا مثال ودليل حي على مظاهر الصراع ومصادرة الأراضي باسم البيئة».

الماعز السوداء حاضرة

تمثل قصة الماعز السمراء قصة مهمة في حكاية التدخل الاستيطاني باسم البيئة وادعاء الحفاظ عليها. يقول عاصي إن الاحتلال والباحثين البيئيين لديه سوّقوا لسنوات طويلة أن الماعز السمراء (السمار) عبارة عن «شيطان»، مدمرة للطبيعة والأحراش، وهو أمر امتد إلى الراعي الذي يقوم على تربيتها، حيث تمت شيطنته وقدم على أنه يساهم في التدمير البيئي، لكن الأمر تحول مؤخراً، فجأة وجدوا أن نظريتهم للماعز كانت خاطئة، فكل الحرائق في الأحراش كان يمكن ألا تنشب لو كانت الماعز السمراء موجودة، لكونها تتغذى على الحشائش الصغيرة».
يقول الباحث عاصي ضاحكاً: «اليوم قد لا نتفاجأ إذا شاهدنا قطعاناً من الماعز السوداء بجوار منازلنا في الضفة أو بالقرب من الغابات، بحيث يتم تقديمها لنا على أنها جزء من سياسة الحماية من الحرائق.. تخيل. (يضحك)». ومن الجدير ذكره أن أعداد الماعز تراجعت في السياق الفلسطيني بفعل الاستهداف ولأسباب استيطانية، وعن ذلك يعقب قائلاً: «اليوم حتى لو أردت إعادة تربية هذا النوع من الماعز فإنك ستكون أمام معضلة غياب المراعي التي تمت مصادرتها والسيطرة عليها».
الحديث مع الباحث البيئي عمر عاصي يمتد، حيث سألناه حول تفسيره لمشاهد قيام المستوطنين المتطرفين في الضفة بذبح الحمير، وفي حالات ثانية استخدامها وركوبها، إلى جانب تدمير الحقول، وفي المقابل زراعتها. حيث يقر عاصي بمسألة أن الجواب على هذا السؤال ليس سهلاً.يتابع: «ذات مرة كتبت مقالاً قبل عشر سنوات حول دواعش اليهود، في تلك الفترة كان كل العالم يتحدث عن داعش من دون ذكر اليهود. وفي تلك الفترة خصصت وقتاً لمشاهدة التقارير العبرية في محاولة لفهم كيف يرى الإسرائيلي في تل أبيب مثلاً المستوطنين في الضفة، وأتذكر في أحد التقارير أن سؤالاً وجه لمستوطن حول: لماذا تقومون بخلع الزيتون؟ وكان الجواب صريحاً: «لا نريد رؤية شيء يذكرنا فيهم».
يقر الباحث عاصي أن خطاب المستوطنين المتطرفين تغير قليلاً، يقول: «نرى أن هناك مستوطنين يذهبون لقطف الزيتون. تبعاً لذلك، أعتقد أنه في السنوات القادمة سنكون أمام إعلانات موجهة للمستوطنين حول كيفية قطف الزيتون، وكيفية تربية الحمير، أتخيل ذلك».
ويشدد في محاولة فهم المشهد في الضفة اليوم: «هم لا ينظرون إلى الحمار الخاص بنا بنفس نظرتهم إلى الحمار الخاص بهم. حمارنا يراه المستوطن على أنه وسيلة للصمود والثبات في الأرض، وبالتالي كي يتم تهجيرك يقوم بتخليصك من وسائل الصمود».
ويتابع: «مثلاً مشهد حراثتهم للأرض يستحق الدراسة، في النقب على سبيل المثال تعد الحراثة سلاحاً ضد البدو، هم يرفعون شعار تخضير الصحراء، لكنه في الوقت نفسه يقوم بحراثة أرضك المزروعة.. الاحتلال يرى في زراعتنا وسيلة للبقاء وتثبيت الوجود. من يزرع هو من يضع يده على الأرض، وبالتالي يثبت روايته..».
ويرى عاصي أن هناك واجباً علينا للبحث في ما يزرعه المستوطنون؟ وهل تستمر علاقتهم مع الأرض أم أن ما يقومون به هو فعل سيطرة وعلاقة مؤقتة؟ أما الجواب السهل للسؤال فهو فرض رواية الاحتلال مكان رواية أصحاب الأرض.. وكي يتم فعل ذلك يقومون بخلق البدائل، يمكن هنا رصد بعض عيون الماء في منطقة شمال رام الله، حيث نلاحظ زراعة محيط العين بمجموعة من الأشجار غير الأصلانية، لقد شعرت أن عملية اختيارها جاءت كي يشعر المستوطنون أنهم جزء من هذه البيئة المستحدثة، «فشجر الزينة الموجود بالقرب من العين يشبه الأشجار الموجودة في المدن الإسرائيلية، إنهم يريدون أن يشعروهم وكأنهم موجودون في مكان اعتادوا عليه».



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *