معاناة مستمرة ومطالب ملحّة بالإنصاف والتحقيق



ماجدة أيت لكتاوي

الرباط ـ «القدس العربي»: في مشهد يعكس استمرار معاناة آلاف الأسر المغربية المتضررة من زلزال الحوز، نظم عشرات النشطاء وناجون من الكارثة، وقفة احتجاجية أمام مبنى البرلمان في الرباط، للتنديد بما وصفوه بإقصائهم من الدعم المخصص لإعادة الإعمار، إلى جانب استنكارهم اجتياح ما يُعرف بـ «مافيا الرعي» لعدد من المناطق.
الوقفة التي دعت إليها تنسيقيتا «أكال» و«أدرار» في سوس ماسة (وسط البلاد)، عرفت حضورا لافتا لضحايا الزلزال الذين قدموا من قرى متضررة، حاملين لافتات تعكس حجم المعاناة اليومية التي يعيشونها منذ أكثر من عامين ونصف. ورفعت خلال الوقفة شعارات تطالب بإنصاف المتضررين ووقف ما اعتبره المحتجون «تجاهلا لملف طال أمده دون حلول ملموسة». وقالوا إن عددًا كبيرًا من الأسر ما يزال يقيم في خيام أو منازل آيلة للسقوط، في غياب سكن لائق يحفظ الكرامة الإنسانية، رغم إعلان السلطات سابقًا عن برامج دعم واسعة لإعادة البناء.
وفي هذا السياق، أفاد جواد بلحاج، عضو «التنسيقية الوطنية لضحايا زلزال الحوز»، بأن عددا من الأسر المتضررة أُقصِيتْ من الاستفادة من الدعم المخصص لإعادة الإعمار، رغم استيفائها لكافة الشروط المطلوبة، معتبرًا أن هذا الإقصاء غير مبرر ويطرح تساؤلات جدية حول معايير الاستفادة وشفافية تدبير هذا الملف.
وأوضح أن الضحايا لجأوا إلى تنظيم وقفات احتجاجية أمام البرلمان وعدد من الإدارات العمومية محليا ومركزيا، غير أن مطالبهم، حسب تعبيره، «قوبلت بالتجاهل»، رغم تكرار النداءات الداعية إلى إنصاف المتضررين.
وانتقد بلحاج الخطاب الرسمي الذي يتحدث عن تحقيق «إنجازات» في ملف إعادة الإعمار، متسائلا عن مآل الميزانية المعلنة، والتي تصل إلى 120 مليار درهم (حوالي 12 مليار دولار أمريكي)، والمخصصة لدعم ضحايا الزلزال، وعن أوجه صرفها ومدى انعكاسها الفعلي على أوضاع الأسر المتضررة.
واعتبر أن استمرار معاناة عدد من الضحايا الذين فقدوا منازلهم ويواصلون الاحتجاج للمطالبة بحقوقهم، يتنافى مع هذه التصريحات، داعيًا إلى فتح تحقيق شفاف في ما وصفه بالخروقات التي شابت تدبير هذا الملف، وترتيب المسؤوليات في ضوء نتائجه.
وأشار المتحدث نفسه إلى أن الوضع الإنساني لعدد من الأسر ما يزال مُقلقًا، حيث تقيم، بعد ما يقارب ثلاث سنوات على الكارثة، في خيام أو منازل مهددة بالانهيار، في غياب حلول مستدامة تضمن لها السكن اللائق. كما استنكر حرمان بعض الأسر من التعويض عن منازلها المنهارة بدعوى أن أصحابها يشتغلون في المدن، رغم أن مساكنهم الأصلية تقع بالمناطق المتضررة، معتبرا أن مثل هذه المبررات «غير منطقية» ولا تنسجم مع مبدأ الإنصاف، مجدد الدعوة إلى مراجعة شاملة لهذا الملف بما يضمن إنصاف جميع المتضررين دون استثناء.
وفي هذا السياق، عبّر الناشط الأمازيغي منتصر إتري عن استياء عميق مما وصفه بحرمان عدد من المتضررين من زلزال الحوز من الدعم والتعويضات، رغم استيفائهم لكافة شروط الاستفادة، مؤكدًا أن هذه المطالب ليست وليدة اليوم، بل يجري رفعها منذ أكثر من عامين وسبعة أشهر دون أي تفاعل يُذكر من الجهات المعنية.
وأوضح لـ«القدس العربي» أن العديد من الأسر فقدت منازلها بشكل كامل، ومع ذلك جرى إقصاؤها دون مبررات واضحة، مشيرًا إلى وجود حالات تُعدّ، بحسب تعبيره، أولى بالاستفادة، لكنها ظلّت خارج لوائح الدعم. وانتقد إتري ما اعتبره «تجاهلا لصرخات المتضررين»، رغم تعدد أشكال الترافع من احتجاجات ومراسلات وشكايات، دون تلقي أي رد رسمي.
وأضاف المتحدث أنه شخصيًا فقد منزله بالكامل، رغم كونه حديث البناء ومتوفرا على جميع الوثائق القانونية، غير أنه صُنّف ضمن «غير المقيمين» بسبب عنوان بطاقة التعريف المرتبط بمدينة عمله، رغم حصوله على شهادة السكنى (الإقامة) ووثائق إدارية تثبت إقامته في المنطقة المتضررة، معتبرًا أن هذه الحالة ليست معزولة، بل تشمل مئات الأسر التي أُقصيتْ لأسباب وصفها بـ «غير المنطقية». كما أشار إلى غياب أي تواصل رسمي يوضح أسباب هذا الإقصاء، رغم مرور فترة طويلة على تقديم الشكايات.
وشدد إتري على ضرورة تسوية الملفات العالقة وتمكين المتضررين من حقهم في الدعم لإعادة بناء منازلهم، مؤكدًا أن العديد من الأسر تعيش اليوم دون مأوى، بعد أن فقدت منازلها التي استثمرت فيها سنوات من العمل. وختم بالتأكيد على أن المتضررين سيواصلون الترافع عن حقوقهم بكل الوسائل السلمية، من خلال الاحتجاج وطرق مختلف الأبواب، إلى حين تحقيق مطالبهم المشروعة في الإنصاف وإعادة الإعمار.

مطالب مستمرة

من جهتهم، عبّر المشاركون في الوقفة عن استيائهم من استمرار معاناة المتضررين، معتبرين أن بقاء أسر تحت الخيام لقرابة ثلاث سنوات «أمر غير مقبول»، ويعكس بُطءًا في تنفيذ برامج إعادة الإعمار. كما أكدوا أن هذه الوضعية لا تمس فقط بالحقوق الاجتماعية للمتضررين، بل تسيء أيضا إلى صورة المغرب، خاصة في ظل الالتزامات الرسمية بتحقيق العدالة الاجتماعية وضمان كرامة المواطنين.
ولم تخلُ الوقفة من التطرق إلى إشكالات أخرى تؤرق سكان المناطق المتضررة، من بينها تنامي الاعتداءات على الأراضي والممتلكات من طرف ما يُعرف بـ«مافيات الرعي الريعي»، حيث ندد المحتجون بما وصفوه بـ«التلكؤ» في حماية حقوق السكان. ورفعوا شعارات من قبيل «لا لقانون المراعي 13.113» و«لا لنزع الأراضي»، مطالبين بتدخل عاجل لحماية الملكيات الخاصة والجماعية.
وجدد المحتجون مطالبتهم بإنصاف كافة المتضررين من زلزال الحوز، وتسريع وتيرة إعادة الإعمار، وفتح تحقيق شفاف في تدبير هذا الملف، مع ضمان محاسبة كل من ثبت تورطه في أي اختلالات. كما دعوا إلى وضع حد لمعاناة الأسر التي ما تزال تنتظر حلا يعيد لها حقها في السكن الكريم، ويطوي صفحة واحدة من أقسى الكوارث الطبيعية التي شهدها المغرب في السنوات الأخيرة.
وبمناسبة اليوم الدولي لضحايا الزلازل، استحضرت «العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان»، الدروس والعِبر المستخلصة من الزلزال الذي ضرب منطقة الحوز، وما خلّفه من خسائر بشرية ومادية جسيمة؛ مبرزةً أن الكوارث الطبيعية، رغم طابعها المفاجئ، يمكن الحد من آثارها عبر اعتماد سياسات استباقية فعالة تقوم على الوقاية والتخطيط المحكم والتدخل السريع والمنسق.
وفي بيان تلقّت «القدس العربي» نسخة منه، سجّلت الهيئة الحقوقية أن التجربة التي أعقبت زلزال الحوز كشفت عن جوانب إيجابية مهمة، من أبرزها مظاهر التضامن الوطني الواسع والتعبئة السريعة لمختلف الفاعلين. غير أنها أبرزت في المقابل عددا من الاختلالات، من بينها بطء بعض التدخلات، وصعوبة الوصول إلى المناطق المتضررة، إلى جانب ضعف البنية التحتية في مواجهة مثل هذه الكوارث. كما أشار إلى أن وُرَش إعادة الإعمار، رغم الجهود المبذولة، لا تزال تواجه تحديات مرتبطة بالسرعة والنجاعة، فضلا عن ضرورة ضمان إشراك السكان المحليين في اتخاذ القرار.
وأكدت «العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان» أن حماية الحق في الحياة في سياق الكوارث الطبيعية تقتضي تبني مقاربة شمولية تنطلق من تخطيط عمراني يراعي المخاطر الطبيعية، ويمر عبر وضع معايير صارمة للبناء، وصولاً إلى تطوير أنظمة الإنذار المبكر وتعزيز قدرات التدخل السريع. كما شددت على أن التوعية المجتمعية تشكل عنصرا أساسيا في الحد من الخسائر، من خلال تمكين المواطنين من آليات التصرف السليم في حالات الطوارئ.
كما أكدت على ضرورة إدماج مقاربة حقوق الإنسان في سياسات تدبير الكوارث، بما يضمن عدم التمييز بين المواطنين، ويوفر حماية خاصة للفئات الهشة، لا سيما النساء والأطفال وكبار السن وذوي الاحتياجات الخاصة، باعتبارهم الأكثر عرضة للتأثر في مثل هذه الظروف، والأشد حاجة إلى تدابير تحفظ سلامتهم وكرامتهم.

دعوات حقوقية

وسبق لـ 28 منظمة مغربية ودولية، أن طالبت سلطات الرباط بالوفاء بالتزاماتها تجاه ضحايا زلزال الحوز واتخاذ إجراءات عاجلة لإنصاف المتضرّرين وضمان حقوقهم كاملة، مؤكدةً أن ما تلا ليلة الزلزال «كان أكثر قساوة من الزلزال نفسه بسبب الإهمال والنسيان اللذين يواجههما السكان منذ أكثر من عامين». وأدانت في بيان مشترك ما أطلقت عليه»الانتهاكات التي تطال حقوق الضحايا، والتأخر غير المبرَّر في صرف التعويضات، والتلاعب في لوائح المستفيدين، والإقصاء، وغياب الشفافية في تدبير الأموال المخصَّصة لإعادة الإعمار».
وشدّدت المنظمات على أن «المواطنين في إقليم الحوز وباقي المناطق المنكوبة يعيشون واقعًا مأساويًا، يتمثل في منازل منهارة لم تُعوَّض، وأسر أُقصيت بحجج إدارية واهية، وأكثر من ثلاثة عشر ألف مسكن جرى تعويضها بشكل جزئي رغم انهيارها الكلي، إلى جانب أموال ضخمة لا يُعرف مصيرها».
ويأتي الحراك الجديد بالتوازي مع دعوات أطلقتها منظمات من المجتمع المدني، من أجل سنّ تشريعات مُحددة لتوجيه سياسات التنمية في المناطق الجبلية، بحكم أن هذه المناطق لا تزال تعاني ظروفا مناخية قاسية، ونزوحا جماعي من الريف، ومحدودية الوصول إلى الخدمات الأساسية.
«التحالف المدني من أجل الجبال» الذي يعمل منذ سنوات على تعزيز التنمية العادلة في المناطق الجبلية، أطلق منذ شهور حملة لجمع التوقيعات على مسودة عريضة تشريعية، وذلك بهدف إنشاء آلية قانونية تضمن إطارًا للتنمية الاقتصادية والاجتماعية في هذه المناطق، التي غالبًا ما تُهمّش في الاستراتيجيات الوطنية.
وتأتي هذه المبادرة في أعقاب عدة مبادرات برلمانية، قدّمت خلالها مجموعات سياسية مقترحات تهدف إما إلى اعتماد قانون خاص بالجبال أو إنشاء مؤسسة عامة مُخصصة للتحديات الجغرافية والاجتماعية والاقتصادية التي تواجه هذه المناطق.
ووفقًا لنشطاء التحالف، تُعدّ هذه التدابير ضرورية للحد من التفاوتات الإقليمية وتعزيز العدالة الاجتماعية والمساواة الجغرافية.
وأبرزت الظروف الجوية الأخيرة التي تميزت بأمطار غزيرة وثلوج كثيفة، مرة أخرى هشاشة أوضاع السكان المحليين. ولا يزال سكان العديد من المناطق الجبلية يعانون من تبعات تقلبات الطقس الشتوية التي تؤثر بشكل مباشر على حصولهم على الخدمات الأساسية والبنية التحتية الحيوية. بالإضافة إلى ذلك، هناك مشكلات بنيوية مثل النزوح الريفي وندرة فرص العمل، مما يُعزز الحاجة المُلحة إلى أطر قانونية واستراتيجية.
في هذا السياق، اقترح فريق حزب «الحركة الشعبية» المعارض في مجلس النواب، مشروع قانون يهدف إلى تلبية الاحتياجات الخاصة لسكان القرى والمناطق الجبلية، فضلا عن التحديات التي تواجه واحات المغرب. ووفقًا لأصحاب المشروع، فإن هذه المبادرة التشريعية تُعدّ أداة عملية لربط التنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية والقدرة على التكيف مع تغير المناخ في المناطق الجبلية.
وتأتي هذه الدعوات سواء من لدن منظمات المجتمع المدني أو من لدن أحزاب معينة، ضمن رؤية أوسع للحد من التفاوتات الجغرافية وتعزيز نموذج تنموي شامل قادر على الجمع بين حماية البيئة والتنمية المحلية وتحسين الظروف المعيشية. ويرى مراقبون أن اعتماد مثل هذا القانون قد يُمثل نقطة تحول في إدارة المناطق الجبلية التي طالما عانت من التهميش في السياسات العامة المنتهجة منذ عدة عقود.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *