وسط تردد كل الأطراف المعنية بغزة.. لا شيء يتحرك بحرية سوى الجرذان والسكان يعيشون بين الأنقاض


لندن- “القدس العربي”:

نشرت مجلة “إيكونوميست” تقريرا قالت فيه إن غياب التقدم في غزة يزيد من معاناة الغزيين، مع أنه يناسب كل الأطراف المعنية.

وقالت إن لا شيء يتجول بحرية في غزة سوى الجرذان، حيث تتكاثر في أكوام القمامة وتتسلل بين الخيام البالية والأنقاض التي يسكنها معظم سكان غزة اليوم.

فيما تتكدس أنابيب إصلاح شبكات الصرف الصحي والمياه المتضررة في الحرب بعيدا عن متناول اليد، في أكثر من نصف قطاع غزة الذي تسيطر عليه إسرائيل. وتواصل الأخيرة منع دخول العديد من المواد اللازمة للإصلاحات، مدعية في كثير من الأحيان أنها “ذات استخدام مزدوج” وقد يكون لها غرض عسكري، كما منعت البيوت المتحركة والخيام وسموم الجرذان، فيما تنقطع الكهرباء ويتوقف التعليم النظامي منذ أكثر من عامين، وأصبحت المستشفيات والجامعات أطلالا.

ورغم وقف إطلاق النار، تستمر الغارات الإسرائيلية، فقد قتل أكثر من 750 شخصا منذ أن أعلن دونالد ترامب الهدنة قبل نحو سبعة أشهر.

وجاء وقف إطلاق النار مصحوبا بخطة من 20 بندا وعدت بتقديم الإغاثة للقطاع المدمر، ودعت إلى “إرسال مساعدات كاملة إلى غزة فورا”. وكان من المفترض أن تبدأ عمليات إعادة بناء البنية التحتية الأساسية والخدمات العامة، فيما ستعيد إسرائيل فتح المعابر للسماح بدخول ما لا يقل عن 600 شاحنة محملة بالمساعدات الإنسانية يوميا، والسماح بحركة المرور الطبيعية عبر الحدود المصرية. في غضون ذلك، ستبدأ حماس بنزع سلاحها، وستنسحب القوات الإسرائيلية مع وصول القوات الدولية، وستتولى هيئة فلسطينية تكنوقراطية جديدة، هي اللجنة الوطنية لإدارة غزة، السيطرة على الأمور.

وتعلق المجلة أن البنود هي أهداف جيدة بحد ذاتها، لكنها تظل في النهاية طموحات، وبدلا من ذلك سادت أجواء من الترقب الذي يصب في مصلحة الكثيرين ممن هم في السلطة.

تواصل إسرائيل إحكام قبضتها على القطاع، ويبدو أن بعض قادتها يعولون على تردي الأوضاع في غزة لدرجة تدفع سكانها إلى الرحيل.

فمن جهة، تواصل إسرائيل إحكام قبضتها على القطاع، ويبدو أن بعض قادتها يعولون على تردي الأوضاع في غزة لدرجة تدفع سكانها إلى الرحيل.

ومن الجانب الآخر، تتشبث حماس بما تبقى من سلطتها في منطقة يتقلص حجمها، ونظرا لمحدودية تدفق المساعدات تقوم برفع أسعار البنزين وزيت المحركات المرتفعة أسعارها أصلا لتوفير ما يكفي من الإيرادات لدفع الرواتب.

أما في الضفة الغربية المحتلة، فيخشى محمود عباس، رئيس السلطة الفلسطينية، من تفكك سلطته ولا يبدي رغبة تذكر في إدارة غزة بشكل منفصل.

أما ترامب وأعضاء مجلس السلام الرئيسيون المنشغلون في حرب إيران، فيترددون في مواجهة إسرائيل. ويقول محلل فلسطيني يائس يعمل مع سفارة غربية: “إنهم جميعا يكسبون الوقت”.

ويجد البعض عزاء في هذا الوضع المعلق، فأعضاء اللجنة الوطنية لإدارة غزة، الذين كان من المفترض أن ينفذوا الخطة “الرائعة” التي أعلن عنها ترامب بحفاوة بالغة في دافوس، يسترخون بجانب حمام السباحة في فندق فاخر بالقاهرة. وكثير منهم مهندسون أكفاء كانوا يتوقعون التوجه إلى غزة بعد أسبوعين من تعيينهم في يناير/كانون الثاني.

لكن نيكولاي ملادينوف، وزير الدفاع البلغاري السابق الذي يشغل الآن منصب “الممثل السامي” لمجلس السلام في غزة، يبقيهم في القاهرة ويتحكم في تحركاتهم واتصالاتهم.

ولم يتغير الكثير على موقع اللجنة الإلكتروني، فلا يزال يتمنى لقرائه رمضانا وعيد فصح سعيدين.

ويعترف أحدهم، متحدثا رغم حظر التواصل مع وسائل الإعلام: “ليس لدينا الأدوات اللازمة لفعل أي شيء، لا أحد يخبرنا بما يحدث ولا نستطيع خدمة شعبنا”.

في غضون ذلك، لم توافق إسرائيل إلا على ألف عنصر فقط من قوة الشرطة المدنية الفلسطينية المزمع تشكيلها، والتي يبلغ قوامها 25,000 عنصر، ولم يبدأ التدريب بعد.

ويظل نزع سلاح حماس بالنسبة لإسرائيل وملادينوف العقبة الرئيسية أمام إحراز أي تقدم. وقد دعا ملادينوف مرارا أعضاء حماس المنفيين إلى القاهرة، مع وسطاء أتراك وقطريين ومصريين، إلى التحول إلى حزب سياسي غير مسلح. وبناء عليه، سيصدرون بيانا يعلنون فيه نيتهم نزع السلاح، ويكشفون عن مخزونهم من الأسلحة الثقيلة ومواقع ورشهم وأنفاقهم. وتنتهي العملية بتسليم الأسلحة، ربما إلى اللجنة الوطنية لإدارة غزة.

ولكن لحماس شروطها الخاصة: يجب على إسرائيل الانسحاب من غزة، ويجب على جميع الفصائل المسلحة الأخرى، بما فيها العصابات الخاضعة لسيطرة إسرائيل، نزع سلاحها أيضا، ويجب دمج موظفي حماس المدنيين في أي إدارة جديدة، ويجب على ترامب أن يعد بإقامة دولة فلسطينية.

وهناك قلة تثق في نية إسرائيل الانسحاب الكامل من غزة. ويقول مسؤولون في حماس إن إسرائيل تقابل كل تنازل بمطلب جديد. كما أنها مترددة في الوفاء بالتزاماتها بموجب المرحلة الأولى من خطة ترامب: السماح بدخول المنازل المتنقلة وإعادة بناء البنية التحتية الحيوية.

يقول مسؤولون في حماس إن إسرائيل تقابل كل تنازل بمطلب جديد. كما أنها مترددة في الوفاء بالتزاماتها بموجب المرحلة الأولى من خطة ترامب

وحتى لو وافق قادة حماس، ومعظمهم يقيمون الآن في المنفى في إسطنبول، على تسليم أسلحتهم، فإن مقاتليهم في غزة، كتائب القسام، قد يرفضون الامتثال.

وتقول إسرائيل إنها قتلت ما يقارب 10,000 مقاتل، لكن المحللين في غزة يقدرون أن 20,000 منهم ما زالوا على قيد الحياة. ويخشى كثيرون في حماس من تعرضهم لهجوم من خصومهم الفلسطينيين إذا تخلوا عن ترسانتهم.

علاوة على ذلك، لا تزال حماس تتبع النهج المتشدد ليحيى السنوار، زعيمها الراحل ومهندس هجمات 7 تشرين الأول/أكتوبر. وفي الماضي، انتخبت حماس قادة جددا، أما هذه المرة فقد ملأت صفوفها من خلال “الاستمزاج” أو التشاور، الذي يفضل الاستمرارية على الإصلاح، فقد حل النواب محل قادتهم. وشجعتهم صلابة إيران في وجه الهجوم الأمريكي والإسرائيلي.

وشهدت الانتخابات البلدية الأخيرة في مدينة دير البلح بغزة إقبالا ضعيفا، لكن شخصيات موالية لحماس احتفظت بالسيطرة. يقول مراقب من غزة: “لا يزال شبح السنوار يهيمن، فالحرب لم تغيرهم”.

وربما عملت محادثات جديدة في القاهرة على كسر الجمود. وقد طرح ملادينوف في الأيام الأخيرة جدولا زمنيا وخطة مقترحة أخرى. إلا أن المنطقة وحروبها تقدم درسا ثابتا: من يسيطر على الأرض يتردد في التخلي عنها مهما كانت التكلفة البشرية، وهذا يبقي سكان غزة عالقين بين الأنقاض، والجرذان ترتع دونما خوف.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *