مصر تعيد التأكيد على وحدة ليبيا وتدفع نحو تسوية شاملة


طرابلس – «القدس العربي»: في ظل زخم دبلوماسي متصاعد حول الملف الليبي، يتداخل فيه الإقليمي بالدولي، تعود القاهرة لتثبيت مواقفها التقليدية مع محاولة توظيف التحركات الجارية لصالح دفع العملية السياسية إلى الأمام. فبين اتصالات سياسية رفيعة، واجتماعات متعددة الأطراف، وزيارات أمنية لافتة، يتشكل مشهد جديد تحاول فيه مصر أن تحافظ على موقعها كلاعب محوري، دون أن تبتعد عن ثوابتها القائمة على دعم وحدة ليبيا ورفض انقسامها. هذا الحراك لا يعكس فقط تفاعلاً مع مبادرات خارجية، بل يشير أيضاً إلى محاولة إعادة ضبط التوازنات بما يفتح نافذة أمام تسوية طال انتظارها.
في هذا السياق، جدد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، تأكيد موقف بلاده الداعم لوحدة واستقرار ليبيا، خلال اتصال هاتفي مع مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والإفريقية، حيث تناول الطرفان تطورات الأزمة وسبل تحريك المسار السياسي المتعثر. وشدد عبد العاطي على أن أي حل يجب أن ينبع من الداخل الليبي عبر توافق شامل بين الأطراف، مع ضرورة توحيد المؤسسات وتهيئة الظروف لإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية بشكل متزامن وفي أقرب وقت ممكن.
ويعكس هذا الطرح تمسك القاهرة بمقاربة «الحل الليبي–الليبي»، مع انفتاح محسوب على المبادرات الدولية، خاصة التحرك الأمريكي الذي يسعى إلى تقريب وجهات النظر بين الفرقاء الليبيين. وفي هذا الإطار، استمع الوزير المصري إلى الأفكار التي طرحها بولس، في خطوة تعكس رغبة مصر في البقاء ضمن دوائر التأثير في أي مسار تفاوضي قادم، دون التخلي عن محدداتها الاستراتيجية.
هذا التوجه لم يأتِ بمعزل عن تحركات أوسع، إذ احتضنت القاهرة، مؤخراً، اجتماعاً رباعياً ضم وزراء خارجية مصر والسعودية وتركيا، إلى جانب المسؤول الأمريكي، حيث كان الملف الليبي حاضراً بقوة ضمن جدول الأعمال. وقد شدد المجتمعون على أهمية الحفاظ على وحدة ليبيا واحترام سيادتها، مع الدفع نحو تسريع العملية السياسية وتوحيد المؤسسات، في رسالة تعكس تقاطعاً نسبياً في المواقف الإقليمية تجاه الأزمة.
اللافت أن هذا الحراك الدبلوماسي يتكامل مع تحركات ميدانية وأمنية شهدتها الأيام الماضية، كان أبرزها زيارة رئيس جهاز المخابرات العامة المصرية اللواء حسن رشاد إلى طرابلس، وهي الأولى منذ توليه منصبه. وقد حملت الزيارة دلالات تتجاوز الطابع البروتوكولي، إذ جاءت في توقيت يشهد تقاطع مبادرات دولية مع إعادة ترتيب الأوراق إقليمياً، ما يعزز من فرضية سعي القاهرة إلى تثبيت حضورها في قلب المشهد الليبي.
وخلال لقائه رئيس حكومة الوحدة الوطنية، عبد الحميد الدبيبة، أكد رشاد على أهمية استمرار التنسيق بين البلدين، بما يدعم استقرار ليبيا ويعزز وحدة مؤسساتها، في حين حمل رسالة واضحة مفادها أن القاهرة تنظر إلى استقرار ليبيا باعتباره امتداداً مباشراً لأمنها القومي. ويأتي ذلك في إطار سياسة مصرية قائمة على الانفتاح على مختلف الأطراف الليبية، سواء في الغرب أو الشرق، بما يتيح لها لعب دور توافقي في أي تسوية محتملة.
وتكشف هذه التحركات عن إدراك مصري لطبيعة التعقيدات التي تحكم المشهد الليبي، حيث لا يمكن تحقيق اختراق سياسي دون إشراك جميع الفاعلين، في ظل توازنات داخلية دقيقة وتشابكات إقليمية متداخلة. كما يتقاطع هذا الدور مع تحسن ملحوظ في العلاقات المصرية–التركية، وهو ما قد ينعكس إيجاباً على فرص التهدئة ودعم المسار السياسي، خاصة في ظل وجود مصالح مشتركة لكلا البلدين في استقرار المنطقة.
وفي موازاة ذلك، تواصل القاهرة التأكيد على ضرورة إخراج القوات الأجنبية والمرتزقة من ليبيا، باعتبار ذلك شرطاً أساسياً لإنجاح أي عملية سياسية. كما تدعم بشكل واضح مسار توحيد المؤسسة العسكرية من خلال اللجنة المشتركة (5+5)، التي تمثل أحد أبرز المسارات العملية لبناء الثقة بين الأطراف المتنازعة.
ولا تقتصر المقاربة المصرية على الجوانب السياسية والأمنية، بل تمتد إلى البعد الاقتصادي، حيث تسعى القاهرة إلى تعزيز حضورها في مشاريع إعادة الإعمار داخل ليبيا، إدراكاً منها أن الاستقرار المستدام لا يمكن تحقيقه دون تحسين الأوضاع المعيشية ودعم التنمية. ويعزز هذا التوجه من فرص خلق بيئة مواتية لأي تسوية سياسية، عبر ربط الاستقرار بالأبعاد الاقتصادية والاجتماعية.
في المحصلة، يعكس تجديد مصر تأكيدها على دعم وحدة ليبيا ليس مجرد موقف دبلوماسي تقليدي، وإنما جزء من استراتيجية أوسع تسعى من خلالها إلى التكيف مع التحولات الجارية، مع الحفاظ على ثوابتها الأساسية. وبينما تتكثف الجهود الدولية والإقليمية، يبقى الرهان الحقيقي على قدرة الأطراف الليبية على استثمار هذا الزخم، وتحويله إلى توافق فعلي يضع البلاد على مسار الاستقرار الدائم.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *