طهران- “القدس العربي”: أدرج البرلمان الإيراني، مؤخراً، مشروع قانون بعنوان “مشروع قانون مواجهة نفوذ أجهزة الاستخبارات والحكومات أو المؤسسات الأجنبية في البلاد”، وقد واجه معارضة واسعة من الحكومة ووسائل الإعلام والناشطين، السياسيين، والقانونيين، والإعلاميين، والمؤسسات الثقافية، والاجتماعية.
وأقر البرلمان المبادئ العامة للمشروع في مرحلته الأولى، فيما لم تتم الموافقة بعد على تفاصيله. وبعد إقرار مشاريع القوانين في المجلس، يتعين أن تحظى بموافقة مجلس صيانة الدستور، ثم تُحال إلى التنفيذ رسمياً من جانب رئيس الجمهورية أو رئيس البرلمان.
وكان البرلمان قد أقر سابقاً مشروعاً مثيراً للجدل ومتشدداً بشأن الحجاب الإلزامي للنساء، إلا أن معارضة الرئيس مسعود بزشكيان، حالت دون دخوله حيز التنفيذ بعد تدخل المجلس الأعلى للأمن القومي. وفي البرلمان الحالي، يحظى المحافظون المتشددون بالأغلبية.
ويقول النواب الذين صاغوا المشروع إن القوانين الإيرانية تتضمن أحكاماً بشأن “التجسس”، لكنها لا توفر إطاراً محدداً للمفهوم الأوسع، أي “النفوذ”.
وقال إبراهيم عزيزي، رئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان، إن الهدف هو وضع إطار قانوني لتحديد شبكات النفوذ والوقاية منها ومواجهتها. لكن النص المقترح يتجاوز بكثير نطاق التجسس التقليدي، إذ يشمل وسائل الإعلام والجامعات والمنح الدراسية والمنظمات غير الحكومية والأحزاب والسفارات والأنشطة الثقافية والتعليم والاقتصاد ونشر المعلومات وحتى كيفية تواصل الأفراد مع وسائل الإعلام الأجنبية.
المادة الأولى: أوسع وأكثر أجزاء المشروع إثارة للجدل
تُعد المادة الأولى أهم أجزاء المشروع وأكثرها إثارة للجدل. وحسب النص المقترح، إذا كان شخص ما خاضعاً لتوجيه أو تدريب من جهاز استخبارات أجنبي، أو حكومة أجنبية، أو منظمة دولية، أو جماعة أو مؤسسة غير إيرانية، أو جماعات إرهابية، أو “الفرق الضالة أو المنحرفة”، أو الجماعات المناهضة للثورة أو المعادية للنظام، وقام من خلال ذلك بتقديم مقترح سياسي أو تشريعي أو تنفيذي إلى مؤسسات حكومية، فقد يخضع لعقوبات مشددة إذا ترتب على ذلك الإضرار بالسلامة الإقليمية أو الأمن أو الاستقلال أو الوحدة الوطنية أو الموازنة العامة أو “المصالح الأساسية للنظام”.
وتذكر المادة أيضاً خفض نسبة المشاركة في الانتخابات أو توجيه أصوات المواطنين لصالح جماعة أو تيار معين. وإذا اعتُبر الضرر غير قابل للتعويض، فقد تصل العقوبة إلى السجن من الدرجة الأولى، أي السجن لمدة تصل إلى 30 عاماً. وفي الحالات الأخرى، ينص المشروع على عقوبات بالسجن من الدرجة الثانية إلى الرابعة، إضافة إلى التعويض عن الأضرار.
الإعلاميون والتواصل مع وسائل الإعلام الأجنبية
يتعلق أحد أهم أجزاء المشروع بالصحافيين والخبراء والمواطنين الذين يتواصلون مع وسائل الإعلام الأجنبية.
وبموجب المادة السادسة، يُحظر ويُعاقب على إجراء مقابلات أو حوارات مع وسائل الإعلام التي يعتبرها نص المشروع “معادية”، بما في ذلك وسائل الإعلام الأمريكية أو الإسرائيلية، أو وسائل الإعلام التي تتلقى تمويلاً من الولايات المتحدة أو إسرائيل.
أما بالنسبة إلى وسائل الإعلام الأجنبية الأخرى، فإن إجراء المقابلات أو الحوارات معها سيكون مشروطاً بالإبلاغ عنها في نظام إلكتروني تتيحه وزارة الاستخبارات للمواطنين. وتحدد مسودة المشروع عقوبة هذا الانتهاك بالسجن من ستة أشهر إلى عامين.
وبالنسبة إلى العاملين في الأجهزة الحكومية، يُضاف إلى هذه العقوبة الفصل من الخدمة الحكومية لمدة تتراوح بين سنتين وخمس سنوات. كما يُفترض أن تنشر أمانة المجلس الأعلى للأمن القومي سنوياً قائمة بوسائل الإعلام التي تعتبر مشمولة بالتمويل الأمريكي أو الإسرائيلي.
وحسب النص المقترح، يُحظر إرسال الفيديوهات أو الصور أو التسجيلات الصوتية أو أي نوع من البيانات إلى وسائل الإعلام غير الإيرانية، أو إلى وسائل الإعلام والأشخاص الذين يمارسون نشاطاً إعلامياً خارج إيران، وقد يعاقب على ذلك بالسجن من الدرجة السادسة.
وإذا تم إرسال المعلومات في إطار عقد تعاون، أو بهدف مواجهة أمن البلاد، أو أثناء فترة توصف بأنها “أزمة أو اضطرابات أو أعمال شغب”، فقد ترتفع العقوبة إلى السجن من الدرجة الخامسة، أي من سنتين إلى خمس سنوات. وتُعد هذه المادة من أبرز أجزاء المشروع التي يمكن أن تؤثر في نشاط الصحافيين والمصورين والعاملين في المجال الإعلامي، وحتى المواطنين العاديين الذين يرسلون محتوى إلى وسائل إعلام خارج إيران.
الجامعات والبحث العلمي
تستهدف المادة الخامسة قطاع الجامعات والبحوث. إذ ستُلزم وزارة الاستخبارات بنشر قائمة سنوية بالدول والجامعات والمؤسسات الأجنبية المسموح بالتعاون معها في مجالات المنح الدراسية والمساعدات التعليمية والعقود ومذكرات التفاهم وتنظيم المؤتمرات أو الفعاليات العلمية.
وسيُحظر التعاون العلمي مع المؤسسات والجامعات غير المدرجة في هذه القائمة، مع فرض عقوبة السجن من الدرجة السادسة على المخالفين. كما تشمل المادة إرسال العينات الطبية والبحثية والأثرية إلى مؤسسات أجنبية غير مدرجة ضمن القائمة المسموح بها.
التمويل الأجنبي للأحزاب والمنظمات
كما تحظر المادة الرابعة على الأحزاب والجمعيات والمنظمات والكيانات والمنظمات غير الحكومية تلقي أي أموال أو مساعدات أو عقود أو عمولات أو تدريبات أو امتيازات مالية من أجهزة الاستخبارات الأجنبية أو السفارات أو المؤسسات الحكومية وغير الحكومية الأجنبية، إلا إذا صدر ترخيص بذلك من فريق عمل خاص. وسيواجه المخالفون عقوبات مختلفة، من بينها الغرامات والسجن.
أما المادة الثالثة فتنص على أن تقديم المعلومات أو التقارير أو الإحصاءات إلى أجهزة استخبارات أجنبية أو مؤسسات غير إيرانية أو مواطنين أجانب من دون تصريح من وزارة الاستخبارات سيكون محظوراً.
التواصل مع السفارات والمؤسسات الأجنبية
تمتد المادة الثامنة بالمشروع إلى التواصل مع السفارات والمؤسسات الأجنبية. وبموجب النص المقترح، فإن تواصل الأشخاص الطبيعيين والاعتباريين، سواء من القطاع الخاص أو الجهات الحكومية، مع السفارات أو مكاتب المنظمات أو المؤسسات غير الإيرانية داخل البلاد أو خارجها، من دون الإبلاغ عن ذلك والحصول على تصريح خطي من وزارة الخارجية، أو بالنسبة إلى الإيرانيين المقيمين خارج البلاد من دون الحصول على تصريح من السفارة أو القنصلية الإيرانية، قد يؤدي إلى غرامة مالية من الدرجة الرابعة والحرمان من بعض الحقوق الاجتماعية من الدرجة السادسة.
معارضة واسعة للمشروع
واجه المشروع معارضة واسعة. فمن الحكومة إلى عدد كبير من النواب الحاليين والسابقين، وصولاً إلى الناشطين ومؤسسات المجتمع المدني، أعربت جهات عديدة عن رفضها له.
وأعلن علي أحمدنيا، رئيس الشؤون الإعلامية في الحكومة، معارضة حكومة بزشكيان للمشروع، وكتب أن الحكومة تعتبر “مشروع مواجهة النفوذ” مخالفاً للدستور وحقوق المواطنين، وقد أبلغت مجلس الشورى صراحة بمعارضتها له.
كما أصدرت “بيت السينما”، وهي المؤسسة المهنية للعاملين في السينما الإيرانية، بياناً انتقدت فيه المشروع، وقالت إن إحدى مواده تفرض عقوبات على الأعمال التي “تقدم صورة سوداء عن إيران”.
وأضافت أن المشروع لا يقدم تعريفاً قانونياً واضحاً ومحدداً لمصطلح “التصوير السلبي” أو “تشويه صورة البلاد”. وأكدت أن هذا الغموض يترك تحديد الحالات المشمولة للمؤسسات الرقابية وتقديراتها، ويعرّض أي عمل نقدي أو واقعي يتناول المجتمع لخطر الاتهام.
وقالت “بيت السينما” إن التجارب السابقة أظهرت أن مفهوم “التصوير السلبي” في إيران يمكن بسهولة توسيعه ليشمل أي نقد اجتماعي أو أي عرض لمشكلات المجتمع.
وأضاف البيان أن المشروع، من خلال التهديد بعقوبات قاسية، “يمنع الفنانين عملياً من تناول الموضوعات الاجتماعية أو التاريخية أو السياسية”، ويجرد السينما والفن من وظيفتهما الأساسية المتمثلة في النقد والتوعية وتصوير واقع المجتمع.
وأكدت المؤسسة أن الفن كان دائماً مرآة كاملة للمجتمع، وأن تقييده ليقتصر على تصوير الواقع بصورة مثالية فقط سيؤدي إلى انفصال المؤسسة الفنية عن الحياة التي يعيشها الناس.
كما انتقد حشمت الله فلاحت بيشه، النائب السابق في البرلمان، المشروع في مقابلة مع وكالة “إيلنا”، وقال إن المشروع من شأنه عملياً أن يمنع الأفراد داخل البلاد من إبداء آرائهم بشأن القضايا الأساسية للبلاد.
وأضاف أن المشروع قد يفرض قيوداً على الأشخاص الذين يقدمون توصيات أو حلولاً أو مقترحات بشأن قضايا البلاد. وقال: “للأسف، أعتقد أن بعض واضعي المشروع أدرجوا هذا الأمر فيه لهذا السبب تحديداً، وهذا ظلم كبير بحق البلاد”.
إلى ذلك، اعتبرت صحيفة “شرق” الإصلاحية في تقرير لها أن المشروع يستهدف التواصل، وكتبت أن أي نوع من “التواصل” مع وسائل الإعلام غير الإيرانية أو السفارات أو الدبلوماسيين الأجانب أو المؤسسات الدولية، من دون الحصول على تصريح رسمي من وزارة الخارجية، أصبح بموجب المشروع “مجرّماً” وسيؤدي إلى سجن مرتكبه.
وأضافت الصحيفة أن هذا النهج سيعرض عملياً العديد من الصحافيين المتخصصين في السياسة الخارجية، وكبار خبراء العلاقات الدولية، والمترجمين، والناشطين الاقتصاديين، وحتى الأكاديميين الذين يضطرون إلى التواصل مع مؤسسات أجنبية لأغراض بحثية، لاحتمال توجيه اتهامات إليهم.
وذلك، بحسب الصحيفة، ما لم تتمكن وزارة الخارجية من إصدار قواعد وتصاريح لآلاف التعاملات اليومية، وهو أمر يبدو شبه مستحيل بالنظر إلى البنية البيروقراطية الحالية ونقص الكوادر المتخصصة.
وأضافت صحيفة “شرق” أن هذا النوع من التشريع لا يمنع النفوذ فحسب، بل يحوّل مجال التفاعلات الرسمية إلى فضاء سري وغير شفاف، وهو ما يشكل بحد ذاته البيئة الرئيسية للأنشطة الخفية.
كما انتقد موقع “فرارو” الإخباري المشروع، وقال إن مراجعة النص المنشور لمواده تثير لدى قطاعات من المجتمع، أكثر من تقديم صورة واضحة عن مواجهة النفوذ داخل دوائر السلطة الحقيقية، مخاوف من توسيع نطاق القيود والرقابة.