مشروع التغيير في السودان


في مناقشة أخرى لدعوتنا حول ضرورة عودة وإحياء النشاط السياسي داخل السودان، والتي فصلناها في مقال سابق، وصلتنا مساهمة من العقيد مهندس معاش منصور عمر بخيت، الأمين العام لكيان قدامى المحاربين وضحايا الحروب، تعكس رؤية الكيان حول الموضوع. وتنطلق المساهمة من ضرورة ربط إحياء النشاط السياسي بالتخلص من سلبيات الماضي في الممارسة السياسية، وتبني مشروع علمي للتغيير. نخصص مقال اليوم لهذه المساهمة، مع التنبيه إلى أننا اختصرنا بعض الفقرات حتى نتمكن من نشرها في المساحة المسموحة، دون أي تغيير في المضمون.
تبتدئ المساهمة بتأكيد حقيقة أن نهضة أي مجتمع لا يمكن أن تتحقق ما لم يؤمن مواطنوه بفرص المشاركة وقدرتهم على التغيير. غير أن هناك دائما نزعة لمقاومة الجديد، خوفاً على وضعية القديم المهيمن، فيجري الحفاظ على الوضع الراهن بوسائل شتى. بيد أن الجديد والتطور نحو الأفضل هو نتاج الصراع بين المتناقضات الفكرية وحده، شريطة امتلاك معايير للصواب والخطأ ومنهجية للوصول إلى الحقائق. فالأفكار والقيم والسلوكيات هي القالب الذي يصوغ المجتمع وثقافته السياسية؛ وهي تعكس البُعد الذاتي للسياسة، وتتفاعل مع الأعراف والبنية الاجتماعية، وتستلهم من التجارب التاريخية والعوامل الشخصية. والقيم التي يحملها المجتمع نوعان: قيم الطاعة والامتثال التي قد تفضي إلى العجز، وقيم التمرد والتغيير التي تنكر الرضوخ للواقع السيئ، وهي تشكل نمط حياة المجتمع ومميزاته الحضارية. ولكن ثمّة عوامل قد تحرف السلوك السياسي عن هذه القيم، أبرزها: المصلحة الخاصة، والمعلومات المغلوطة، والقيادات السياسية. لذلك لا بد من تجاوز الأنانية، وتحليل المعلومات بنقد، وإعلاء المصالح الوطنية، لنؤثر في الزعماء لا أن نستجيب لهم فحسب.
ومشروع التغيير، بحسب مساهمة كيان قدامى المحاربين وضحايا الحروب، يقوم على فكرة مركزية هي «العمل الصالح» كقيمة تربط الإنسان بخالقه وبالناس، وتضمن الحقوق المتبادلة؛ وفكرة محفزة هي «الأمن الإنساني»  بالتحرر من الخوف وبناء القدرات. والأهداف العامة للمشروع، تشمل: النهوض بالنشاط الفكري، تعزيز الممارسة الديمقراطية الواعية، بناء مجتمع مدني مستنير يسهم الجميع في تشكيل مستقبله، التحول من «دولة الصالح العام» إلى واقع قائم على الحق في «دولة صالحة للعيش»، إصلاح البناء السياسي، والوصول إلى نضج مجتمعي في مفاهيم السلطة والسيادة والمصلحة الوطنية، بناء القدرات الإنسانية بتأمين الفرد من الحاجة والخوف وتشكيل إرادة تعبر عن المواطنين بتوافق وجداني. أما الهدف الاستراتيجي لمشروع التغيير فيتمثل في تأسيس مشروع فكري، يعالج الأبعاد الكامنة وراء التخلف، وذلك عبر: 1- إزاحة النموذج العاجز عن تفسير الحقائق، وإحلال نموذج جديد أكثر منطقية. 2- إحداث تحول في البناء النفسي للمجتمع من السلبية واليأس إلى التفاؤل والإنجاز. 3- تغيير السلوك والممارسة، باكتساب الناس قيماً وعادات جديدة، وبتعديل السياسات والنظم الاجتماعية وبنية القوى. 4- إيجاد نظام يحل مشكلات المجتمع ذاتيا، وينمي قدرات الفرد، ويحافظ على وحدة الكيان ومقدراته دون هيمنة بالدين أو بالقوانين. 5- الاعتراف بالتنوع ضمن الهوية الواحدة، واحترام اختلاف العقائد والمصالح وأنماط الحياة، وخلق فكر وطني يستوعب التنوع الثقافي والإثني ويقاوم التصورات الأحادية.

الاعتراف بالتنوع كمصدر قوة لا سبب للضعف، إدارة رشيدة للموارد وتحقيق العدالة في توزيع السلطة والثروة، مصالحة وطنية حقيقية

وتناولت المساهمة ما أسمته الإطار الوطني الجامع، أي الرؤية التأسيسية لمجتمع متكامل ومتناغم، وتقوم على ركيزتين: الأولى، الفلسفة الاجتماعية، كأساس ممارسة السياسة والتخطيط الاقتصادي والاجتماعي، وما ينبغي أن يكون عليه المجتمع، والاهتمام بمعنى الحياة الإنسانية كحياة اجتماعية، وتقديم تفسير شامل لأسباب الوجود الاجتماعي، وشروط التنظيم الأمثل، واستخراج نظام تراتبي للقيم، وتحديد التوجه المرغوب في صيرورة المجتمع، ووضع تصور لنظام اجتماعي مثالي نعمل من أجله مستقبلاً. والركيزة الثانية، الرؤية الوطنية الشاملة للمصالح الوطنية (السياسية، الاقتصادية، الثقافية، الاجتماعية، الأمنية) والتي تعبر عن مجمل الشعب والدولة، لا عن حكومة أو حزب أو جماعة. كما أنها تجيب على أسئلة جوهرية، مثل: كيف نؤسس لسيادة الدولة والنظام والقانون؟ كيف نحقق الرضا الوطني ونعزز القدرات التفاوضية؟ كيف نحقق العدالة الاجتماعية والاقتصادية؟ وما الإسناد الثقافي المطلوب لذلك؟. وحددت المساهمة مكونات الإطار الوطني الرئيسية في: 1-القيم المشتركة: الانتماء، النزاهة، المسؤولية، العدالة، الحرية، التضامن، المواطنة، التنوع، التسامح، الكرامة الإنسانية. وتُعزز عبر حملات توعوية، وتعليم، وإعلام، ومؤسسات دينية. 2-الهدف الموحد: وطن مستقر قائم على سيادة حكم القانون، والتنمية الشاملة، والمشاركة السياسية السلمية. 3-المصلحة المشتركة: الأمن، التعليم، الخدمات، النمو الاقتصادي، الاستقرار السياسي، عبر الشفافية والحوار المجتمعي. 4-الوفاق الداخلي والازدهار: حوار وطني دائم، إصلاحات سياسية واقتصادية، عدالة انتقالية، ودعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة. 5-الأمن الخارجي:  دبلوماسية متوازنة، سياسات دفاعية عقلانية، عدم تدخل في شؤون الآخرين، وتعاون إقليمي. 6-المشاركة الجماهيرية: تفعيل دور المجتمع المدني، الإعلام، النقابات، الشباب والمرأة، عبر آليات الديمقراطية التشاركية كالاستفتاءات والمبادرات الشعبية. 7-المنظور المستقبلي: دولة مدنية ديمقراطية تقودها المؤسسات، بخطط استراتيجية طويلة المدى (2030-2050)، واستثمار في البحث العلمي والذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي.
ويرى كيان «قدامى المحاربين وضحايا الحروب» أن هذا الإطار يشكل فرصة حقيقية لمعالجة جذور أزمات السودان المزمنة، وأن المدخل لذلك هو: الاعتراف بالتنوع كمصدر قوة لا سبب للضعف، إدارة رشيدة للموارد وتحقيق العدالة في توزيع السلطة والثروة، مصالحة وطنية حقيقية وتحويل الثورات الشعبية إلى عقود دستورية، بناء عقد اجتماعي جديد، وهوية وطنية جامعة تتجاوز الهويات الضيقة، إصلاح مؤسسات الدولة بتطهيرها من الفساد والمحاصصة، التربية الوطنية، قيادة انتقالية راشدة، وإعلام يعزز القيم الديمقراطية.
ويختم الكيان مساهمته بالتأكيد على أن هذا الإطار ليس مجرد تنظير، بل خارطة طريق نحو دولة عصرية متضامنة، قادرة على مواجهة التحديات وتحقيق الرفاهية لجميع المواطنين. وهو يدعو إلى حوار وطني شامل، وإصلاح مؤسسي، وتعبئة جماهيرية مستمرة، وبناء ثقة عبر عدالة انتقالية، وصولاً إلى دستور دائم واستفتاء. أما النجاح فيظل رهناً بالتزام جميع الأطراف وتعاونهم لتحقيق الرؤية المشتركة.

كاتب سوداني



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *