«اللعبة: كلّ أشياء ترامب» واحدة من أشهر مجموعات المصوّر الفوتوغرافي والفنان التشكيلي الأمريكي أندرس سيرانو، حيث في وسع المرء أن يتتبع عشرات، وربما مئات، الأشياء التي تخصّ الرئيس الأمريكي؛ ليس بعد أن تولى رئاسة الولايات المتحدة في ولاية أولى ثمّ ثانية فحسب، بل كذلك قبل دخول البيت الأبيض حين كان مجرّد… ترامب، ولا فخر!
المفضلة لدى كاتب هذه السطور مجموعة تلتقطه، بطرائق تمزج بين الصورة الفوتوغرافية والتركيب الإنشائي؛ كما في عمل أوّل يستلهم عنوان الفيلم الشهير «كيف فاز الغرب»، 1962، حيث يجلس ترامب على مائدة قمار، خلفه امرأة شقراء، والمسدس في يده اليمنى؛ أو في عمل ثانٍ، ذي صلة بهذه السطور، يُظهره على هيئة طرزان، وأمامه تجلس شقراء أخرى، والعنوان يقول: «ملك الغابة المالية».
وقبل أسابيع قليلة من اختطافه واقتياده إلى واشنطن، توجّه الرئيس الفنزويلي السابق نكولاس مادورو بنداء إلى ترامب، يحثه (بالإنكليزية، للعلم!) على انتهاج درب السلام: «نعم للسلام، للسلام، للسلام! والرجاء الرجاء الرجاء! لا حرب مجنونة، على الطريقة الطرزانية!». ورغم أنّ العدوان الذي أمر ترامب بالتخطيط له ضدّ مادورو اعتمد البحر مسرحاً له، ثمّ قصر مادورو نفسه، وليس الغابات الشهيرة؛ فإنّ استعارة طرزان بدت مطابقة إجمالاً، وملائمة خصوصاً لشخص الرئيس الأمريكي.
قبل ذلك كان المسلسل الأمريكي «الدخلاء»، 2020، قد استبق الجدار الذي سوف يبشّر ترامب بتشييده بين الولايات المتحدة والمكسيك؛ فدارت أحداثه حول الصراع بين بلدة أبالاشية صغيرة والدخلاء من عشيرة كلان، حيث تقرر البلدة بناء سياج حاجز يلتفّ حول الجبل. تعليقات النقاد لم تجد صعوبة في الربط بين ماضٍ من الزمان وآت، ولكنّ الممثل في المسلسل ريان هرست استبقهم حين ذهب أبعد: هذا عمل يستدعي وليام شكسبير وطرزان وترامب، في آن معاً!
وبالطبع، لا مفرّ في سياق استعراض هذه الطرزانات، من المرور على الحضور الأحدث لحكاية طرزان كما اقترحها دافيد ييتس، مخرج سلاسل «هاري بوتر»، في شريطه «أسطورة طرزان»، 2016؛ ليستأنف بذلك النسخة الـ48 من اقتباسات رواية إدغار رايس بوروز، منذ 1912 حين صدرت «طرزان القرود». وبدل أمثال جوني ويسملر ولكس باركر وغوردن سكوت وديني ميللر وجو لارا وجاك ماهوني… يتعرف المشاهد على الوليد البريطاني ربيب القردة والأفيال، ولكن في سحنة الممثل السويدي ألكسندر سكارسغارد.
فإذا غادر المرء عوالم التشكيل والتلفزة والسينما، فإنّ أمثولة طرزان لا تنفكّ عن التمظهر في ميادين قد تبدو مفاجئة تماماً للوهلة الأولى؛ ما خلا أن الاستئناس برموز الشخصية ودلالاتها وإسقاطاتها تجبّ الكثير من عناصر المفاجأة. ففي ميدان الأنثروبولوجيا، وفي كتابه «كلّ ثقافات المستقبل»، يكرر صمويل جيرالد كولنز، الأستاذ في جامعة ماريلاند، العودة إلى طرزان من زوايا عديدة متقاطعة، أبرزها إشكاليات العرق والثقافة والنشأة. ولا ينتقص من هذه الرياضة أنها، في واقع الأمر، تُدرج المخيّلة الروائية الطليقة في وطيس البحث الميداني الأنثروبولوجي.
الروسي دينيس سبيرين، في كتابه «اللهيب الأسود: فلسفة اللاسببية»، يسعى إلى تطوير سلسلة من التوازيات الفلسفية بين السببية (الاشتقاق) واللاسببية (الافتراض)؛ فلا يتردد في الاتكاء على شخصية طرزان، فيكتب: «إذا اعتُبرت الأخلاق، والعلم، والفلسفة، والأمّة، والدين، والمنطق السليم بمثابة إنشاءات، فإنّ الإنسان الذي يفككها لن يُعرّف بأيّ شيء. إنه ليس قومياً، وليس مؤمناً، وليس موضوعاً أخلاقياً بالمعنى المألوف، وليس حاملاً لرؤية عن العالم. ففي هذه الحال، كيف يختلف عن طرزان؟ ذلك لأنّ طرزان، بدوره، يقف خارج هذه الأشكال».
وما كان للأوساط الصهيونية العالمية أن تغيب عن هذا المشهد، ليس من خلال الطبعات العبرية المتسارعة لروايات بوروز نفسه، بل أيضاً من خلال إصدارات خاصة تصوّر طرزان وهو ينقذ الأسرى اليهود من المعتقلات النازية. وثمة مزاعم، تتكرر في أدبيات صهيونية غالباً، مفادها أنّ كتّاباً إسرائيليين من عيار عاموس عوز وعاموس كينان ويشيعياهو ليفيت كتبوا بالفعل روايات طرزانية، من باب توفير الدخل، لكنهم تحرجوا من التوقيع عليها.
وليس لهذه السطور أن تختتم تجليات طرزان من دون التذكير بمقالة لامعة كتبها الراحل الكبير إدوارد سعيد (1935 ــ 2003)، تحت عنوان «نداء الأدغال»، أقامت مقارنة لاذعة بين الشخصية كما ابتدعها بوروز، والأسطورة كما قدّمتها السينما الأمريكية. الروائي لم يجد حرجاً في حشو فتى الأدغال بكلّ مشهيات المزاج العنصري والاستعماري والإمبريالي، لكنه مع ذلك لم يشفِ غليل هوليوود فاحتاجت إلى مزيد من الشحن وتمجيد الأمريكي الأبيض ضدّ الآخر الملوّن.
وفي الرواية، كما في السينما، يُكتب على مسكن طرزان، حتى وهو محتسَب على عالم القرود: «هذا بيت قاتل الوحوش والرجال السود». وأما حين ينتقل إلى مقام البشر، حيث التمدن والاستعمار بعيداً عن الهمجية والأدغال، فلا مناص من أن تُسجّل باسمه آخر التحوّلات: من إنسان وليد الوعي فطري الإدراك، إلى سيّد أرستقراطي نبيل المحتد؛ أي من طرزان (المفردة التي تعني البشرة البيضاء بلغة القرود!)، إلى اللورد غريستوك.
أو… ملك الغابة والغرب والإمبراطورية، في عالمنا المعاصر!