ثمةَ وهمٌ راسخٌ يحيط بالكتابة الأدبية، وهمٌ يتغذّى على صورٍ مريحةٍ عن الإلهام، وعلى حكاياتٍ مُنمَّقةٍ عن لحظة التجلّي، حين ينفتح الباب فجأةً، وتندفع الكلمات كما لو أنّها تعرف طريقها سلفًا. غير أنّ هذا التصوّر، على ما فيه من سحرٍ، لا يكاد يلامس جوهر التجربة الفعلية للكاتب. فالكتابة، في أكثر وجوهها صدقًا، ليست انهمارًا بل مقاومة، وليست انسيابًا بل احتكاكًا دائمًا بين الرغبة والعجز، بين ما يُراد قوله وما يمكن قوله فعلًا. إنّ الجانب الشاق من الكتابة الأدبية يبدأ من هذه الفجوة تحديدًا: الفجوة بين الحدس الأوّليّ، الخام، وبين العبارة المُنضبطة التي تُرضي حسّ الكاتب النقدي. تلك المسافة التي قد تبدو، للوهلة الأولى، قصيرة، تُثبت مع الوقت أنّها ممتدة، قاسية، ومليئةٌ بالانعطافات. فكلّ جملة تُكتب لا تأتي بوصفها نهايةً لفكرة، بل بوصفها بدايةً لسلسلةٍ من الشكوك: هل هذه هي الصيغة الأجدر؟ هل حملت الجملةُ ما يكفي من المعنى دون أن تُثقله؟ هل أخطأتُ حين اخترت هذه الكلمة دون غيرها؟ وهكذا، يتحوّل النصّ إلى ساحة مراجعةٍ لا تنتهي، حيث لا يعود الكاتب واثقًا من شيءٍ سوى حاجته الدائمة إلى إعادة النظر.
اللغة ليست محايدة
أكثر ما يُرهق في هذا المسار أنّ الكاتب لا يواجه مادةً صامتة، بل يواجه نفسه. فالكتابة، على خلاف الفنون التي تعتمد على وسيطٍ مادّي، تُمارَس باللغة، واللغة هنا ليست أداةً محايدة. إنّها مشحونةٌ بالذاكرة، بالعادات، بالمعاني الموروثة، وبكلّ ما تراكم فيها من استعمال. لذا فإنّ أيّ محاولةٍ للقول ليست إلاّ مفاوضةً مع هذه الحمولة الثقيلة. على الكاتب أن يُقنع الكلمات بأن تنحرف قليلًا عمّا اعتادت عليه، وأن يمنحها دلالةً جديدة دون أن يفقدها وضوحها. وهذه مهمّةٌ لا تُنجز بيسر، لأنّ اللغة تقاوم، بطبيعتها، كلّ تغييرٍ جذري. ويبلغ هذا التوتّر ذروته في البحث عن الدقّة، وهو ما يشير إليه غوستاف فلوبير( (1821–1880 :»أقضي يومي أبحث عن الكلمة الدقيقة، ثم أكتشف في المساء أنّني لم أجدها». من هنا، يتّخذ التعب في الكتابة طابعًا مزدوجًا: تعبٌ ذهنيّ ناتجٌ عن التركيز الدائم، وتعبٌ نفسيّ مصدره الإحساس المستمر بعدم الكفاية. فالكاتب، مهما تقدّم في عمله، يظلّ مطاردًا بشعورٍ خفيّ بأنّ ما يكتبه أقلّ ممّا ينبغي. وليس في هذا الشعور ما يُشبه التواضع، بل هو أقرب إلى قلقٍ بنّاء، قلقٌ يُبقي النصّ مفتوحًا على احتمالاتٍ أخرى، ويمنع الكاتب من الركون إلى أول صيغةٍ تبدو مقبولة. غير أنّ هذا القلق نفسه قد يتحوّل إلى عائقٍ حقيقي. إذ ثمّة لحظةٌ يتجاوز فيها النقد الداخلي حدّه، فيُصبح عدوًا للعمل بدل أن يكون حارسًا له. عندها، يجد الكاتب نفسه عاجزًا عن المضيّ قدمًا، لا لأنّه لا يملك ما يقوله، بل لأنّه يخشى أن يقوله بطريقةٍ لا تليق به. وهكذا، تُصبح الكتابة مؤجَّلةً باستمرار، ويغدو الصمت خيارًا مُغريًا، إن لم يكن مريحًا. لكنّ هذا الصمت، على راحته الظاهرة، يحمل في داخله خطرًا أكبر: خطر الانفصال عن الممارسة نفسها، أي عن الفعل الذي لا تُبنى الخبرة إلاّ من خلاله.
طبيعتها الانعزالية
إنّ ما يجعل الكتابة شاقّةً أيضًا هو طبيعتها الانعزالية. فالكاتب يعمل في مساحةٍ لا يُشاركه فيها أحد، ويُنجز نصّه في غياب أيّ استجابةٍ فورية. إنّه يُلقي كلماته في فراغٍ مؤقّت، منتظرًا أن تجد صداها لاحقًا في ذهن قارئٍ مجهول. وهذه العزلة، على ما تمنحه من حرّية، تفرض في الوقت نفسه عبئًا نفسيًّا كبيرًا. إذ لا يوجد ما يضمن أنّ الجهد المبذول سيُقابَل بفهمٍ أو تقدير. وقد يُنهي الكاتب عمله وهو غير قادرٍ على الحكم عليه، لأنّ النصّ، بعد اكتماله، ينفصل عنه بطريقةٍ تجعل رؤيته له مشوَّشة. كما تعبّر عن ذلك مرغريت دوراس (1914–1996) :»لكتابة تأتي من الوحدة، من ذلك المكان الذي لا يراك فيه أحد «. ومن المفارقات اللافتة أنّ أصعب مراحل الكتابة ليست دائمًا بدايتها، كما يُشاع، بل نهايتها. فالبداية، رغم ارتباكها، تحمل طاقةً أوليّة تدفع الكاتب إلى الأمام. أمّا النهاية، فهي لحظة الحسم، حيث ينبغي اتخاذ قراراتٍ نهائية بشأن ما يجب أن يبقى وما يجب أن يُحذف. وهنا تظهر القسوة الحقيقية: على الكاتب أن يتخلّى عن جملٍ أحبّها، عن مقاطع بذل فيها جهدًا، فقط لأنّها لا تخدم البناء العام. إنّه نوعٌ من البتر الواعي، لا يُمارَس إلاّ إذا امتلك الكاتب شجاعة الاعتراف بأنّ جمال الجزء لا يُبرّر وجوده إذا كان يُضعف الكلّ.
البطء شرط الجودة
ثمّة جانبٌ آخر من المشقّة يتعلّق بعلاقة الكاتب بالزمن. فالكتابة لا تُنتج أثرها فورًا، بل تحتاج إلى وقتٍ لتتخمّر، لتُراجع، ولتُعاد صياغتها. وهذا يعني أنّ الكاتب يعيش في حالة تأجيلٍ دائم، حيث لا يمكنه أن يرى نتيجة عمله إلاّ بعد مرور فترةٍ كافية. وفي عالمٍ يُكافئ السرعة، تبدو هذه العملية بطيئةً إلى حدّ الإحباط. غير أنّ هذا البطء هو شرط الجودة، لأنّ النصّ الذي يُكتب على عجلٍ نادرًا ما يحتفظ بعمقه. ومع ذلك، فإنّ الإبطاء لا يعني التوقّف، بل يتطلّب انضباطًا يوميًّا، نوعًا من الالتزام الذي لا يعتمد على المزاج أو الإلهام. فالكاتب الذي ينتظر اللحظة المثالية قد لا يكتب أبدًا، أمّا الذي يكتب رغم التردّد والتعب وغياب اليقين، فهو الذي يمنح نفسه فرصة الوصول إلى ما يُشبه الاكتمال. وهنا يتجلّى جانبٌ آخر من الصعوبة: الكتابة ليست فقط فعلًا إبداعيًّا، بل هي أيضًا ممارسة أخلاقية، تتطلّب قدرًا من الصبر والإصرار لا يقلّ عن أيّ مهنةٍ أخرى.
صدق التجربة
ولا يمكن إغفال التوتّر الدائم بين الرغبة في التعبير عن الذات، والحاجة إلى تجاوزها. فالكاتب يبدأ غالبًا من تجربةٍ شخصية، من إحساسٍ خاص، لكنّه لا يكتفي بذلك، بل يسعى إلى تحويل هذا الخاص إلى شيءٍ عام، إلى تجربةٍ قابلةٍ للمشاركة. وهذه العملية، التي تبدو بسيطةً نظريًّا، هي في الواقع معقّدة. إذ ينبغي على الكاتب أن يحتفظ بصدق التجربة دون أن يغرق في ذاتيته، وأن يُقدّم نصًّا يُخاطب القارئ دون أن يُسطّح معناه. وهذا ما تعبّر عنه فرجينيا وولف (1882–1941) :»إذا لم تقل الحقيقة عن نفسك، فلن تستطيع قولها عن الآخرين». إنّه توازنٌ دقيق، لا يتحقّق إلاّ عبر محاولاتٍ متكرّرة، غالبًا ما تنتهي بالفشل قبل أن تُفضي إلى نتيجةٍ مرضية. ومن هنا، فإنّ الفشل ليس استثناءً في الكتابة، بل هو جزءٌ أصيل منها. كلّ نصٍّ غير مكتمل، كلّ فكرةٍ لم تُصَغ كما ينبغي، كلّ محاولةٍ لم تبلغ غايتها، هي عناصر في مسارٍ أطول. غير أنّ التعامل مع هذا الفشل ليس أمرًا يسيرًا، لأنّ الكاتب، بحكم ارتباطه العاطفي بما يكتب، قد يجد صعوبةً في تقبّل أنّ عمله لم يصل إلى المستوى الذي أراده. لكنّ هذا الإدراك، على قسوته، هو ما يدفعه إلى التطوّر، لأنّه يفرض عليه إعادة النظر والتعلّم من أخطائه.
المتعة عابرة
وإذا كان من الممكن الحديث عن لحظات متعةٍ في الكتابة، فإنّها غالبًا ما تكون قصيرة، عابرة، وتأتي على نحوٍ غير متوقّع. قد تكون جملةً تُكتب بسهولةٍ نادرة، أو فقرةً تتماسك فجأةً بعد طول تردّد. لكنّ هذه اللحظات لا تُلغي المشقّة، بل تُبرّرها. إنّها تُعطي للكاتب سببًا للاستمرار، دون أن تُخفّف من طبيعة العمل الشاق. وربّما لهذا السبب تحديدًا، يستمرّ كثيرون في الكتابة رغم كلّ ما فيها من تعب: لأنّ تلك اللحظات القليلة كافية لتجعل الجهد مقبولًا، إن لم يكن ضروريًّا. والنظر إلى الكتابة بوصفها فعلًا سهلًا أو تلقائيًّا يُفقدها قيمتها الحقيقية. فالأدب، في جوهره، ليس ما يُكتب فحسب، بل ما يُعاد كتابته، ما يُنقّح، وما يُصقَل حتى يصل إلى درجةٍ من الدقّة تُقارب ما كان يطمح إليه الكاتب. وهذا المسار، بكلّ ما فيه من تردّدٍ وتعب، هو ما يمنح النصّ عمقه، لأنّ الجملة التي جاءت بعد تردّدٍ طويل غالبًا ما تحمل وزنًا أكبر من تلك التي كُتبت بسهولة.
شرطها الأساسي
الجانب الشاق من الكتابة الأدبية ليس عارضًا، بل هو شرطها الأساسي. إنّه الثمن الذي يُدفع مقابل محاولة الوصول إلى صيغةٍ تُرضي الحسّ الجمالي، وتُعبّر عن تجربةٍ إنسانية بطريقةٍ صادقة. وقد يبدو هذا الثمن باهظًا، خاصّةً حين يُقاس بكمّ الجهد المبذول مقابل نتيجةٍ غير مضمونة. لكنّ الكتابة، في جوهرها، ليست بحثًا عن ضمانات، بل هي مغامرةٌ في المجهول، حيث لا يكون الطريق واضحًا ولا النهاية مؤكّدة. وهنا، تحديدًا، تكمن قيمتها: لأنّ ما يُكتب بسهولةٍ قد يُقرأ بسهولة، لكنّه لا يبقى، أمّا ما كُتب بصعوبة، ما مرّ عبر طبقاتٍ من الشكّ والمراجعة، فإنّه يحمل في داخله أثر تلك العملية، ويُقدّم للقارئ نصًّا أكثر كثافةً وحضورًا.
الكتابة ليست طريقًا نحو الراحة، بل نحو الفهم. والفهم، كما نعرف، لا يأتي بسهولة. إنّه يتطلّب صبرًا، مواجهةً، واستعدادًا لتحمّل الإحباط. وكما عبّر عن ذلك جورج أورويل (1903–1950): «الكتابة أشبه بمرضٍ طويلٍ ومؤلم». والكاتب، حين يختار هذا الطريق، لا يفعل ذلك لأنّه سهل، بل لأنّه، على صعوبته، يمنحه شيئًا لا يمكن الحصول عليه بوسيلةٍ أخرى: القدرة على أن يرى العالم بوضوحٍ أكبر، وأن يُعيد صياغته بلغةٍ تُقرّبنا من معناه، ولو قليلًا.
كاتب عراقي